على خلفية مقالي (طي الوعي)
المنشور انفا علق متداخلا مولانا احمد قائلا:(شكراً على التوضيح يا دكتور – الإشارة لمفهوم اقتصاد الوعي الحربي مهمة جداً، وهي بالفعل تضيف بعداً تحليلياً عميقاً لفهم كيف تُدار الحرب في عقول الناس قبل الميدان.,لكن سؤالي كان أقرب إلى الجانب العملي: إذا كنا متفقين أن الصراع أصبح أيضاً صراعاً على الوعي، فما هي الأدوات أو الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد المجتمع على استعادة هذا الوعي؟ خصوصاً في ظل واقع لا تتوفر فيه حالياً مؤسسات قوية.
بمعنى آخر:ما هي الآليات القاعدية (bottom-up) الممكنة لإعادة بناء الوعي النقدي في المجتمع؟
هل نتحدث مثلاً عن دور الإعلام المستقل، وأنى لنا ذلك؟ أم المبادرات الثقافية وشبكات المعرفة، أو أشكال جديدة من النقاش العام؟)
أعتقد أن مقالاً مكملاً يجيب عن سؤال “كيف عملياً؟” سيكون مهماً جداً، لأن التشخيص في المقال كان عميقاً، والخطوة التالية الطبيعية هي وضع مسار عملي لاستعادة البصيرة التي تحدثت عنها. والا بتبقى القصة زي غنا حسن عطية ، يفهمومه الصفوة فقط. والصفوة ما ناس المريخ.. الصفوة الجد جد التانيين)
ومن ثم جاء مقالي الثاني والموسوم ب *نقد الوعي اليومي *وفيه تمت الإشارة إلى ما تسائل عنه مولانا احمد عمر واحيل إلى المقال المنشور بصحيفتي سودانايل والراكوبة بتاريخ ١٨ مارس ٢٠٢٦م ،منعا للتكرار وتعليقا على مقال نقد الوعي اليومي قال احمد عمر : ( يا سلام…عجيب..الان بدأت في وصف الداوء المر للداء الامر.
تحدي نقل التفكير العام من مجرد رد فعل على الأحداث إلى قدرة على استباقها وصياغة مسارات بديلة للتاريخ تحد كبير تلزمه عقول ناضجة لادارته. واليقين يا اب احمد انك احد تلك العقول الكبيرة.)ومن ثم أهداني كتاب Switch وهداني إلى قراءته قائلا إن الفكرة المركزية في هذا الكتاب هي تغيير الوعي الجمعي …امثلة من فيتنام والبرازيل ودول أخرى..
محفوفا بقرأته هو للكتاب بأنه اتخذ من الاستراتيجية المعنية ب bright spots نموذجا لتغيير الوعي الجمعي، كما في حالة بيان الكيفية التي تغلبت بها فيتنام على سوء التغذية
ومثال آخر كيف حولت شركة السكة حديد في البرازيل مشروع مثال للفشل لمشروع ناجح.
وعطفا على هذا الحوار مع الباحث المهتم مولانا أحمد عمر، برزت فكرة لا تحتمل التأجيل ، تدور حول سؤال مهم
وهو :،هل يمكن أن يكون المدخل الحقيقي للحل هو تغيير الوعي الجمعي؟
وفي قراءتي الاولى لكتاب The Switch: How to Change Things When Change is Hard تبين لي أن إشارة احمد عمر المستنبطة من الكتاب لم تكن مجرد لفتة، بل إشارة ذكية إلى جوهر المعضلة:
نحن أمام تغيير صعب، بل ربما من أصعب أنواع التغيير، لأنه يتعلق بالوعي ذاته، لا بالسياسات وحدها، وبرأيي ان جوهر التحدي
هو الاعتراف بأن تغيير الوعي الجمعي كونه صعب ليس تبريراً للعجز، بل هو بداية الفهم الصحيح للمشكلة.
وهنا تكمن المفارقة:
ما يُنظر إليه كعقبة، هو في الحقيقة نقطة الانطلاق لأي معالجة جادة.
والسودان، بما يحمله من تعدد في الهويات وتعقيد في التاريخ السياسي والاجتماعي، ليس استثناءً، بل هو نموذج مكثف لمجتمعات تواجه ذات التحدي.
لكن الأخطر من التعقيد نفسه هو الاستمرار في إدارة هذا التعقيد بذات الأدوات القديمة، وضمن نفس أنماط التفكير.
وقد اهتديت من هذا الحوار الى فكرة اعداد دراسة وأتسائل قبل يحل بذهن القارئ .
، لماذا هذه الدراسة الآن؟
وهل هذا المقال ،هو بمثابة الاعلان عن التوجه لإعداد دراسة بعنوان “نحو نموذج تكاملي لتغيير الوعي الجمعي في المجتمعات المتعددة” حيث أتمنى أن لا يُقرأ كخبر أكاديمي عابر، بل كـ إنذار مبكر وفرصة في آنٍ واحد ، هذا الإعلان عن الدراسة، وفقا لخطتها التي تستلهم من كتاب The Switch، وتستند إلى الإرث التاريخي العميق الذي وثّقه البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك، سوف تطرح سؤالاً جوهرياً:هل يمكن تحويل المعرفة التاريخية إلى أداة لتغيير الحاضر؟
الإجابة لا تكمن في التنظير وحده، بل في إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والقرار، بين البحث والسياسة، بين الفكر والممارسة.
هذا المقال هو بمثابة رسالة إلى الباحثين والمهتمين ،وهي ليست دعوة للمتابعة، بل دعوة للمساءلة.، والبحث معاً
حيث ان المشكلة لم تعد في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة المعرفية لإنتاجها.
والسؤال الذي يجب أن يواجه الجميع:
هل نحن مستعدون للاستثمار في فهم الوعي قبل محاولة تغييره؟
وبرأيي : أن أي حديث عن إصلاح سياسي أو اقتصادي دون معالجة البنية العميقة للوعي الجمعي سيظل يدور في حلقة مفرغة.
وإن تجاهل دور البحث والدراسة في هذه المرحلة يعني ببساطة تأجيل الأزمة لا حلها.
الأمل الممكن:
ورغم قتامة المشهد، فإن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الأزمات الكبرى تُنتج لحظات وعي استثنائية، وما نشهده اليوم قد لا يكون فقط انهياراً، بل بداية تشكّل وعي استراتيجي جديد،من خلال الاتجاه نحو البحث، والدراسة، وإعادة التفكير في جذور المشكلة.
وهذا المقال يضع الباحث والمهتمين أمام السؤال الأهم:
كيف نفكر؟ قبل ماذا نفعل؟
ختاما
ربما الحل يبدأ من الوعي، والوعي يبدأ من المعرفة، والمعرفة لا تُبنى إلا بالبحث والدراسة.، وإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على تغيير السياسات فقط، بل على تغيير الطريقة التي نفكر بها في التغيير نفسه.
وهنا، تحديداً، تبدأ المسؤولية… وتبدأ الفرصة.
هذا المقال هو دعوة إلى طريقة جديدة في الكتابة بدأ من هذا المقال .
habobsalah@gmail.com
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
SALAH ALHABOB
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم