بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
نقلا عن العربي الجديد
العجز عن الانتصار دفع أطرافَ الاقتتال إلى وقف النار .الهزيمة فرضت اسكات فوهاتِ القصف دون توقيع هدنة . هناك فارقٌ بين وقف اطلاق النار والهدنة. الأول موافقةٌ على كبح الأعمال العدائية على نحو مؤقت يجعلها عرضة للتآكل. الثانية التزام بشروط مكتوبةٍ يمهد للتفاوض برعاية وسطاء أو مراقبين . ما بين أمريكا وطهران بين بين .الحرب لم تنته . الاقتتال انتقل من الجبهات إلى غرف المفاوضات .ذلك مراثون مفتوحٌ على الزمن والمساومات . المضمار لن يكون ممهدا سالكًا . بل ربما وعرًا . كما في الحرب الإيرانية العراقية -الأطول في القرن الفائت-لم يحقق طرفٌ انتصارًا .الأطراف تجرّعت كأسَ السم المر .مبادرة الساعة الحاديةَ عشر الدبلوماسيةُ ليست غير طوق نجاةٍ لباحثين عن انقاذ مايمكن إنقاذه. ترامب ورّط الجمهوريين بل أميركا بأسرها في لجة الفشل . لاهو قادر على التوغل في الحرب ولاهو قادر على الانسحاب . نظام الملالي جعل إيران ركامًا على حطام .نتانياهو لم يخفق فقط في دور يوشع بن نون التوراتي بل يواجه حتما عقابًا قاسيًا يجرفه إلى مذبلة التاريخ .الاسرائليون كابدوا كوابيس لم تخطر على البال.
على غير ما يباهي الرئيس الأميركي فليس ثمة ما يرجح بلوغه (انتصار شامل).رغم كل القصف والرجم على إيران لا يزال النظام صامدًا .فقطع الرأس لم يفض إلى موت الجسد . الحاضنة الشعبية لم تشق عباءة الولي الفقيه .الحرس الثوري يواصل اطلاق الصواريخ و المسيرات من ساحل الخليج إلى حواف البحر الميت وهضبة الجولان . كما يمارس غداة قبول وقف النار العدوان على موانئ ومطارات الجوار . اليورانيوم المخصب قصيٌ عن الكشف والتناول . الاستياء من ترامب يضرب نخب صنع القرار و الجماهير وسط حلفاء أميركا . فوهات الاعلام داخل الولايات المتحدة بدأت تصعّد هجومها على خطيئة التورط في الحرب . موجة عالية من النقد تعري الحسابات الخاطئه في الاستدراج إليها ومراحل إدارتها. غطرسة ترامب تضافرت مع نرجسيته المفرطة مما دفعه إلى الاستسلام لإغراءات نتانياهو .الرجل لا يواجه فقط السخط داخل أميركا ،بل يحاصره الاستياء في الخارج . شبح فيتنام جرّده من الجرأة على دفع الجنود إلى تراب إيران .
بين غايات رئيس الوزراء الاسرائيلي بالإضافة إلى الهروب من معاركه الداخلية حلمه بانجاز تاريخي . كثيرًا ما تحدث عن اسرائل الكبرى. نتانياهو مثل غيره من الساسة في اسرائيل لم يستوعبوا سؤال هنري كيسنغر إلى رابين عما اذا كانت رغبة اسرائيل في حدود سيادة ام خطوط انتشار؟.فاسرائيل مشروع كيان توسعي منذ البدء ليس لديه حدود معترف بها حتى من قبل ساسته. جميعهم مهجوسون بحلم يوشع بن نون بالاستيلاء على الأرض من البحر الكبير إلى الفرات . المفارقة في سيرة يوشع أن الرب -حسب الرواية التوراتية-أوقف الشمس استجابة له عن المغيب بدلًا عن وقفه هو القتال .من هنا نستوعب رفض نتانياهو الاتزام بوقف النار تجاوبًا مع ترامب فواصل توحشه على لبنان . هو لم يستوعب الدروس القديمة والطازجة . فاغتيال القادة لا يعني موت القضية والقوة لا تصنع السلام .
من أبرز الحسابات الخاطئة رهان ترامب ونتانياهو على ثوران الايرانيين ضد النظام تحت الحرب . لكن الشعب لم يخذل فقط تلك التقديرات الخاطئة ، بل أبدى استعدادًا للنهوض دروعاً بشرية حول مؤسسات البنى التحتية .ذلك لم يكن دفاعا عن النظام بل حماية لها تأمينًا لوجوده داخل العصر . في زمن العدوان الخارجي تلتئم عادةً الجبهة الداخلية ما استطاعت . الإيرانيون اكتشفوا جانبًا مخبوءً على القطاع الأوسع منهم .فكما لم تكن الاستخبارت الاسرائيلية تعلم لم يكن غالبية الايرانيون يدركون حجم الترسانة العسكرية . في غمار الحرب تكشّفت أسباب تفشي الفقر والمعاناة وسط الطبقات الشعبية ونزوح الطبقة الوسطى وهجرة النخب إلى المنافي. فموارد الدولة مكرّسة لصالح الماكينة العسكرية على نحو تجاوز التوقعات . قدر أجيال جديدة دفع فاتورة باهظة كذلك بغية ازالة الانقاض ونفض الغبار بغية استرداد ما دمرت الحرب . ليس في حسابات النظام مواجهته حتما انتفاضات شعبية تخرج من تحت الركام . إن لم تطالب الجماهير بالمساءلة والمحاسبة عن الكلفة المهدرة ستنادي بالتغيير لا محالة.
كل هذه العقد تفرض ذاتها على طاولة التفاوض .كل طرف لن يعمل من أجل تفكيك الخلافات ، بل سيعمد إلى اضافة إشكالات مغايرة . ما من طرف سيقدم على تقديم تنازلات . عوضًا عن ذلك سيعمل من أجل انتزاع مكاسب . محاور التداول ساخنة بقدر ماهي شائكة . مصير كل القيادات رهين بكيفية نهاية كل محور . في الترسانة الايرانية أكثر من محور ؛الصواريخ متباينة المسافات متعددة الروؤس ، اليورانيوم المخصّب والمختبرات النووية. عبر المضيق تمر مصالح الشرق والغرب ، اصطدام الطموحات الإقليمية بنهم المصالح والهيمنة الدولية . لبنان وحزب الله جمر على الطاولة. في أدمغة المفاوضين خلفيات متشابهة مصدرها الخوف من الجبهات الداخلية . ما من طرف يريد الخروج من إسلام اباد مهزوما ان لم يعد منتصرا. أمام ترامب ونتانياهو إنتخابات مصيرية . كلاهما يريدان من ايران الاستسلام . طهران ترغب في تأمين تفوقها غير المشروع في المنطقة . أخطر ما في هذه الضغوط نخرها أطر التفاوض من الداخل على نحو يعرّض العملية السلمية للتآكل فالانهيار . الحيز الضيق بين السلام والاستسلام ملغوم بالتهاب الجبهات مجددا .
aloomar@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم