باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 4 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

تفكيك شبكات الإسلاميين المسلحة والاقتصادية والمؤسسية شرطٌ لوقف الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان

اخر تحديث: 4 نوفمبر, 2026 7:11 مساءً
شارك

تفكيك شبكات الإسلاميين المسلحة والاقتصادية والمؤسسية شرطٌ لوقف الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان: استراتيجية قانونية وأمنية وسياسية لمنع إفساد السلام والانتقال

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال ضرورة تفكيك التنظيمات الإسلامية المسلحة وشبكات التمكين السياسي والاقتصادي والأمني بوصفها أحد الشروط الجوهرية لإنهاء الحرب في السودان، ومنع تقويض أي اتفاق للسلام، وتهيئة الظروف اللازمة للانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية خاضعة للقانون. وينطلق من أن معالجة دور الإسلاميين في الحرب لا يمكن أن تقتصر على استبعاد بعض القيادات من المفاوضات، أو فرض العقوبات على عدد من الأفراد والتنظيمات، بل تتطلب معالجة مؤسسية شاملة لجذور نفوذ الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشبكاتهما داخل أجهزة الدولة والقوات النظامية والاقتصاد والإدارة العامة. وفي الوقت نفسه، يميز المقال بين المسؤولية السياسية والتنظيمية والمسؤولية الجنائية الفردية، وبين الانتماء الفكري أو الديني والمشاركة الفعلية في العنف أو الانقلاب أو تقويض النظام الدستوري.

ويضع المقال هذه القضية في سياق تاريخي يمتد إلى نشأة الحركة الإسلامية السودانية في أربعينيات القرن العشرين، وتطورها من تنظيمات إسلامية مبكرة إلى جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة حسن الترابي، ثم توسع نفوذها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ويتناول مشاركتها في المصالحة مع نظام جعفر نميري عام 1977، واستفادتها من التوسع في المصارف والمؤسسات الاقتصادية الإسلامية، وصولاً إلى حضورها البرلماني في انتخابات عام 1986. ويوضح أن هذا المسار لم يكن مجرد نمو لحزب سياسي تقليدي، بل تضمن بناء شبكات تنظيمية ومؤسسية مكنت الحركة من التغلغل في أجهزة الدولة والمجتمع والاقتصاد، وتكوين قاعدة من المصالح والعلاقات التي ساعدتها لاحقاً على السيطرة على مؤسسات الحكم.

ويشرح المقال التحول الحاسم الذي أحدثه انقلاب 30 يونيو 1989، حين انتقلت الحركة الإسلامية من المشاركة السياسية إلى السيطرة على الدولة وإعادة تشكيل مؤسساتها وفق مشروع التمكين. وشمل ذلك إحلال الولاء التنظيمي محل معايير الكفاءة والاستقلال المهني في التعيين والترقية والفصل، وتوسيع نفوذ التنظيم داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والشرطة والخدمة المدنية والقضاء والجامعات والاتحادات المهنية والمؤسسات الاقتصادية. كما يتناول إنشاء وتوسيع قوات الدفاع الشعبي والتشكيلات المسلحة المرتبطة بالنظام، واستضافة أسامة بن لادن في السودان حتى عام 1996، وإدراج الولايات المتحدة السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993، ثم رفع هذا التصنيف في ديسمبر 2020. ويبين أن التمكين لم يكن مجرد سياسة للتوظيف السياسي، بل منظومة متكاملة لإعادة توزيع السلطة والثروة والقوة المسلحة، وإقامة مصالح متشابكة يصعب تفكيكها بمجرد تغيير رأس النظام.

ويتتبع المقال الانقسامات التي شهدتها الحركة الإسلامية بعد صراع عمر البشير وحسن الترابي، ولا سيما انقسام عام 1999، وتكوين المؤتمر الشعبي، وتأسيس المؤتمر الوطني عام 1998، ثم ظهور تيارات إصلاحية مثل حركة الإصلاح الآن. ويؤكد أن هذه الانقسامات لم تؤدِّ بالضرورة إلى تفكيك شبكات النفوذ التي نشأت خلال عهد الإنقاذ، إذ استمرت العلاقات التنظيمية والمصالح الاقتصادية والامتدادات الأمنية والعسكرية بدرجات متفاوتة، حتى عندما اختلفت القيادات أو المواقف السياسية. كما يتناول دور الحركة الإسلامية في اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وانفصال جنوب السودان عام 2011، والحرب في دارفور، والتطورات التي قادت إلى ملاحقة عمر البشير وبعض المسؤولين أمام المحكمة الجنائية الدولية، مع إبراز العلاقة بين احتكار السلطة وتسييس مؤسسات الدولة وتفاقم النزاعات المسلحة.

ويعرض المقال ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير في أبريل 2019 باعتبارهما فرصة تاريخية لإنهاء نظام التمكين وإعادة بناء الدولة، لكنه يوضح أن سقوط رأس النظام لم يؤدِّ تلقائياً إلى تفكيك شبكاته. فقد نصت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية على مسار مدني انتقالي، وصدر في ديسمبر 2019 قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، وحُلّ المؤتمر الوطني وصودرت أصول وممتلكات مرتبطة به، وشُكلت لجنة مختصة لتنفيذ التفكيك. غير أن العملية واجهت تحديات قانونية وسياسية وأمنية ومؤسسية، كما تعرضت اللجنة للتجاذبات والاتهامات المتبادلة، ولم تتمكن من استكمال تفكيك شبكات النفوذ العميقة. وأدى انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى إضعاف مسار الانتقال المدني وتقويض جانب كبير من إجراءات إزالة التمكين، وإعادة فتح المجال أمام عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق. ويشير المقال إلى انتخاب علي كرتي أميناً عاماً للحركة الإسلامية في سياق تنظيمي غير معلن عام 2022، ثم فرض الولايات المتحدة عقوبات عليه في سبتمبر 2023، باعتبارهما من المؤشرات على استمرار وجود قيادة تنظيمية وشبكات قادرة على العمل خارج مؤسسات الدولة الرسمية والتأثير في موازين القوة السياسية والعسكرية.

ويؤكد المقال أن فهم دور الإسلاميين في الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع يقتضي الابتعاد عن التفسيرات الأحادية. فالحرب نتجت عن تراكم طويل من اختلالات بنية الدولة، وتنافس مراكز القوة المسلحة والاقتصادية، وفشل ترتيبات الانتقال، والصراع على مستقبل المؤسسة العسكرية ودمج قوات الدعم السريع وإعادة هيكلة القطاع الأمني. وفي هذا السياق، لم تكن شبكات النظام السابق طرفاً خارجياً تماماً عن مؤسسات الدولة، بل امتلكت امتدادات داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والاقتصاد، فضلاً عن تشكيلات مسلحة وشبكات تعبئة سياسية واجتماعية. ويرصد المقال مشاركة عناصر إسلامية ومقاتلين سابقين من أجهزة النظام السابق في القتال إلى جانب القوات المسلحة، مع الإشارة إلى تقديرات صحفية وتنظيمية متفاوتة لأعدادهم، منها تقديرات تتحدث عن آلاف المقاتلين وأخرى ترفع العدد إلى نحو عشرين ألفاً. لكنه يشدد على أن هذه التقديرات ليست إحصاءات مستقلة محققة، وأن الأرقام التي أعلنتها جهات حكومية أمريكية بشأن حجم القوة المسلحة للحركة الإسلامية يجب التعامل معها بوصفها تقديرات وادعاءات رسمية تحتاج إلى تحقق مستقل.

ويفصل المقال في دور كتيبة البراء بن مالك بوصفها أحد أبرز التشكيلات المسلحة المرتبطة بالتيار الإسلامي في الحرب، ويتناول تاريخ تأسيسها في يناير 2020، وتطور نشاطها العسكري والإعلامي والتعبوي، وصلاتها المعلنة أو المنسوبة إلى الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق. كما يناقش اتهامات تتعلق بمشاركتها في عمليات قتل وانتهاكات بحق المدنيين، ويؤكد ضرورة إخضاع هذه الاتهامات لتحقيقات مستقلة، وعدم تحويل الاتهام السياسي أو الإعلامي إلى حكم جنائي مسبق. ويتناول كذلك ما نُشر عن مشاركة ضباط سابقين وعناصر من أجهزة النظام السابق في القتال، وعن خروج بعض السجناء من سجن كوبر خلال الفوضى التي صاحبت بداية الحرب، وما أثير حول دور أحمد هارون وقيادات أخرى في التعبئة السياسية والعسكرية. ويبرز أن هذه الوقائع، على اختلاف درجات توثيقها، تفرض التحقيق في الروابط بين التنظيمات السياسية والتشكيلات المسلحة ومؤسسات الدولة، دون افتراض أن كل فرد إسلامي شارك في القتال أو أن كل من قاتل إلى جانب القوات المسلحة ينتمي بالضرورة إلى الحركة الإسلامية.

ويعرض المقال التداخل بين الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشبكات النظام السابق من جهة، وبين بعض وحدات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة من جهة أخرى، باعتباره مسألة تتجاوز وجود مقاتلين في جبهات القتال. فالمشكلة الأساسية تتمثل في احتمال استخدام النفوذ التنظيمي والاقتصادي والإداري للتأثير في القرار العسكري، وإطالة الحرب، وإعاقة التفاوض، وتقويض أي تسوية تفضي إلى إخضاع المؤسسات المسلحة لسلطة مدنية. ولذلك يركز المقال على ضرورة التمييز بين القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية ينبغي الحفاظ عليها وإصلاحها، وبين الشبكات الحزبية والتنظيمية التي قد تستغلها لتحقيق مصالح سياسية أو أيديولوجية. ويرفض اختزال القوات المسلحة في الحركة الإسلامية، كما يرفض في الوقت نفسه تجاهل وجود شبكات إسلامية مسلحة أو متغلغلة في بعض مفاصلها.

ويتناول المقال التطورات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والتصنيفات، موضحاً أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على كتيبة البراء بن مالك في سبتمبر 2025 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، كما فرضت عقوبات على علي كرتي في سبتمبر 2023. ويشرح أن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً أجنبياً في مارس 2026 شمل، وفق الإعلان الأمريكي، أسماء وواجهات مرتبطة بها، منها الحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك، وأن التصنيف دخل حيز النفاذ بعد نشره رسمياً. كما يوضح أن تحديثات وزارة الخزانة الأمريكية أدرجت الحركة ضمن قوائم العقوبات المرتبطة بالتصنيفات الإرهابية المعنية. وفي المقابل، يميز المقال بين إدراج الحركة الإسلامية السودانية أو الأسماء والواجهات التي حددها القرار الأمريكي وبين القول إن المؤتمر الوطني أُدرج بصورة مستقلة بالاسم نفسه؛ فالتحديد القانوني الدقيق للأشخاص والكيانات والأسماء البديلة ضروري لتجنب الخلط بين الوضع السياسي والتنظيمي والوضع القانوني لكل كيان.

ويشدد المقال على أن الادعاءات الأمريكية بشأن وجود دعم وتدريب إيرانيين للحركة الإسلامية، أو بشأن أعداد مقاتليها، أو ارتكاب تشكيلاتها انتهاكات واسعة، تظل ادعاءات صادرة عن الحكومة الأمريكية ينبغي نسبتها إليها بوضوح، ولا يصح تقديمها جميعاً باعتبارها حقائق مستقلة ثبتت بصورة نهائية. وفي الوقت نفسه، لا يعني التحفظ المنهجي تجاه هذه الادعاءات تجاهل الأدلة الأخرى على وجود تشكيلات إسلامية مسلحة أو شبكات تعبئة مرتبطة بالنظام السابق، ولا يعفي ذلك من التحقيق في مصادر تمويلها وتسليحها وقياداتها وعلاقاتها التنظيمية. ويؤكد المقال أن العقوبات والتصنيفات الخارجية قد ترفع كلفة النشاط المسلح وتحد من التمويل والتحرك الدولي، لكنها لا تعادل تفكيكاً مؤسسياً داخلياً، ولا تنهي الحرب تلقائياً، ولا تحل محل التحقيقات القضائية أو الإصلاح السياسي والأمني.

ويعرض المقال مواقف القوى السودانية والإقليمية والدولية من مشاركة الإسلاميين في عملية السلام. فهناك اتجاه يرى أن استبعاد الحركة الإسلامية وواجهاتها المسلحة شرط لحماية العملية السياسية من عودة النظام السابق أو استخدام التفاوض لإعادة إنتاج سلطته. ويستند هذا الاتجاه إلى سجل الانقلاب والتمكين، واستمرار الشبكات التنظيمية والاقتصادية والأمنية، ووجود تشكيلات مسلحة مرتبطة بالتيار الإسلامي، واحتمال استخدام هذه الشبكات لتعطيل وقف إطلاق النار أو تقويض الانتقال المدني. وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن الاستبعاد الشامل قد يدفع الإسلاميين إلى العمل السري أو التحالف مع قوى عسكرية، وقد يحرم العملية السياسية من إمكانية فصل العناصر التي تقبل العمل المدني عن العناصر المتورطة في العنف والانتهاكات. كما يخشى هذا الاتجاه أن يتحول الإقصاء السياسي إلى عقوبة جماعية مبنية على الهوية الفكرية أو الدينية، بدلاً من أن يستند إلى المسؤولية الفردية والسلوك المثبت.

ويبين المقال أن هذا الخلاف لا ينبغي اختزاله في ثنائية قبول الإسلاميين جميعاً أو استبعادهم جميعاً. فالمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وكتيبة البراء بن مالك والتنظيمات المسلحة الأخرى ليست كيانات متطابقة قانونياً أو تنظيمياً، كما أن المؤتمر الشعبي وبعض التيارات الإسلامية التي اتخذت مواقف مناهضة للحرب لا يجوز وضعها تلقائياً في الفئة نفسها التي تضم التنظيمات المسلحة أو القيادات المتهمة بالمشاركة في الانتهاكات. ويؤكد أن الموقف من أي تنظيم ينبغي أن يستند إلى طبيعة بنيته وسلوكه وصلاته بالتشكيلات المسلحة وموقفه من التعددية والتداول السلمي للسلطة ومدى تورطه في تقويض النظام الدستوري أو ارتكاب الجرائم. كما يرفض اعتبار الانتماء الديني أو الفكري وحده أساساً للحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، مع التأكيد على أن المشاركة في العنف أو تنظيمه أو تمويله أو التحريض عليه أو تقويض الانتقال الديمقراطي تستوجب المساءلة وفق القانون.

ويحلل المقال المبادرات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب، ولا سيما مسار المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وما طرحته في سبتمبر 2025 بشأن هدنة إنسانية أولية مدتها ثلاثة أشهر يعقبها مسار انتقالي مدته تسعة أشهر. ويبرز أن المقترح استبعد الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين من المشاركة في العملية السياسية، وهو ما جعل مسألة تعريف هذه الجماعات وتحديد صلاتها التنظيمية والعسكرية إحدى القضايا الجوهرية في التفاوض. كما يتناول مؤتمر برلين في أبريل 2026 والتعهدات المالية الإنسانية التي بلغت نحو 1.3 مليار يورو، ومبادرات نيروبي، ودور الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة. ويعرض كذلك التطورات المتعلقة بمسارات جنيف وسويسرا، والمواقف المتباينة للفريق عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2026، بما فيها الرسائل المتناقضة بشأن التسوية وشروط المشاركة السياسية.

ويؤكد المقال أن نجاح أي مبادرة لا يتوقف على صياغة اتفاق لوقف إطلاق النار أو تحديد أطراف التفاوض فحسب، بل يعتمد على القدرة على معالجة مراكز القوة التي تستطيع تعطيل الاتفاق. ومن ثم فإن استبعاد التنظيمات المسلحة أو المتورطة في العنف من التفاوض لا يكفي ما لم تُحدَّد آليات مراقبة التنفيذ، وضبط مصادر التمويل والتسليح، ومنع إعادة التعبئة، وحماية المدنيين، وضمان استقلال المؤسسات العدلية، ومراقبة حركة القيادات والعناصر المسلحة، وإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية لإصلاح حقيقي. كما يشدد المقال على أن استبعاد الإسلاميين وحدهم، مع السماح للقوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو أي تشكيلات أخرى بالاحتفاظ بقدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية المستقلة، سيؤدي إلى معالجة انتقائية لا تحقق السلام المستدام.

ويتناول المقال الادعاءات والمعلومات المضللة التي أحاطت بدور الإسلاميين في الحرب، ويفند عدداً من التصورات الشائعة. فهو يرفض الادعاء بأن الإسلاميين وحدهم تسببوا في اندلاع الحرب، لأن أسبابها تشمل الصراع على السلطة والموارد والقيادة العسكرية، وفشل ترتيبات الانتقال، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والتنافس الإقليمي والدولي. ويرفض كذلك تصوير الإسلاميين باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة، أو الادعاء بأنهم يمثلون نسبة محددة من المجتمع السوداني دون مسح موثوق، أو اعتبار كل من يساند القوات المسلحة إسلامياً، أو كل من يرفض استبعاد الإسلاميين مؤيداً لهم. كما يوضح أن الادعاء بأن تصنيف مارس 2026 شمل المؤتمر الوطني بوصفه كياناً مستقلاً يحتاج إلى ضبط قانوني، وأن التصنيف لا يعني بالضرورة انتهاء قدرة التنظيمات المعنية على العمل أو اختفاء شبكاتها. ويتعامل بحذر مع المعلومات المتعلقة بالتدريب الإيراني، وأعداد المقاتلين، والتمويل، وعمليات السجون، والانتهاكات الميدانية، ويدعو إلى التحقق من كل ادعاء بالاستناد إلى مصادر مستقلة ومتقاطعة.

ويضع المقال هذه المسائل في إطار المقارنة الدولية مع تجارب التعامل مع التنظيمات والأنظمة السابقة بعد الحروب أو التحولات السياسية. فيناقش تجربة اجتثاث البعث في العراق، وما ترتب على التطبيق الواسع وغير المنضبط من إضعاف مؤسسات الدولة وإقصاء قطاعات من المجتمع وتوفير بيئة للتطرف والتمرد. ويستعرض تجربة أفغانستان واتفاق بون عام 2001، وما أظهرته من مخاطر بناء تسوية لا تستوعب بصورة متوازنة القوى المسلحة والاجتماعية المؤثرة. كما يتناول الجزائر بعد إلغاء المسار الانتخابي عام 1992، وما أعقبه من صراع عنيف، وتجربة تونس في التعامل مع حركة النهضة ومبدأ المشاركة السياسية، وتجربة أيرلندا الشمالية واتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، وتجربة كولومبيا واتفاق السلام عام 2016. ويستخلص من هذه الحالات أن الإقصاء الشامل قد يعزز العمل السري والعنف، بينما تؤدي المشاركة غير المشروطة إلى تمكين القوى المسلحة أو المعطلة للانتقال من استخدام العملية السياسية لإعادة إنتاج نفوذها.

ويستند المقال إلى مفهوم المفسدين في عمليات السلام، الذي يميز بين أطراف ترى أن التسوية تهدد مصالحها وتسعى إلى تعطيلها، وأطراف يمكن استيعابها في ترتيبات السلام إذا توافرت الضمانات والحوافز المناسبة. كما يستفيد من مفهوم المأزق المؤلم المتبادل الذي قد يدفع أطراف النزاع إلى قبول التسوية عندما تصبح كلفة استمرار الحرب أكبر من كلفة التفاوض، ومن نماذج تقاسم السلطة التي تشدد على ضمان مشاركة المكونات الاجتماعية والسياسية في المؤسسات العامة. لكنه يحذر من نقل هذه النماذج آلياً إلى السودان، لأن تقاسم السلطة بين النخب المسلحة والتنظيمات الحزبية قد يعيد إنتاج المحاصصة ويضعف المواطنة والمحاسبة، كما أن منح التنظيمات المسلحة حصصاً سياسية قد يحول السلاح إلى وسيلة للحصول على السلطة.

ويصل المقال إلى أن الموقف الأنسب ليس العفو السياسي الشامل ولا الإقصاء الجماعي القائم على الهوية، بل التفكيك التنظيمي والمؤسسي للكيانات التي ثبت تورطها في الانقلاب أو بناء التشكيلات المسلحة أو استخدام العنف أو تقويض النظام الدستوري، مع إخضاع الأفراد للمساءلة وفق مسؤولياتهم وأدلتهم وأدوارهم المحددة. ويشمل ذلك حل المؤتمر الوطني بوصفه تنظيماً سياسياً مرتبطاً بنظام الثلاثين من يونيو، وتفكيك البنية التنظيمية للحركة الإسلامية التي استخدمت مؤسسات الدولة والواجهات الاقتصادية والأمنية والعسكرية للسيطرة على السلطة، وحل كتيبة البراء بن مالك وغيرها من التشكيلات المسلحة المرتبطة بها، ونزع سلاحها وتسريح عناصرها وإعادة إدماج من تنطبق عليهم الشروط القانونية والمهنية. ولا يعني ذلك تجريم كل من يحمل أفكاراً إسلامية أو حرمانه من المواطنة، بل يعني منع إعادة بناء التنظيمات التي استخدمت القوة المسلحة أو شبكات الدولة الموازية لتقويض النظام الديمقراطي.

ويشرح المقال أن تفكيك التمكين يجب أن يشمل المجال المدني والعسكري والاقتصادي والأمني، لا مجرد حل الحزب أو مصادرة بعض الممتلكات. ففي الخدمة المدنية ينبغي مراجعة التعيينات والترقيات وقرارات الفصل السياسي التي تمت على أساس الولاء التنظيمي، وإعادة الاعتبار للكفاءة والاستقلال المهني، مع حماية حقوق الموظفين الذين لم تثبت مشاركتهم في مخالفات. وفي القضاء والنيابة والشرطة والأجهزة الرقابية ينبغي مراجعة التعيينات والتدخلات التي أضعفت الاستقلال، وإعادة بناء نظم شفافة للتعيين والترقية والمساءلة. وفي الجامعات والمؤسسات التعليمية والاتحادات المهنية ينبغي إنهاء السيطرة الحزبية، وضمان استقلال الإدارة والبحث العلمي والتمثيل النقابي. كما يجب مراجعة الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي استُخدمت لتوليد الموارد خارج الرقابة العامة أو لتمويل شبكات سياسية وعسكرية، وإخضاعها للتدقيق المالي والضريبي والمحاسبي، واسترداد الأموال التي يثبت الاستيلاء عليها أو استخدامها بصورة غير مشروعة.

ويفرد المقال أهمية خاصة لتفكيك النفوذ الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية والتنظيمات السياسية، لأن استمرار السيطرة على الذهب والتعدين والتجارة والاستيراد والتصدير والشركات التابعة للدولة أو للأجهزة النظامية يوفر موارد مستقلة عن الموازنة العامة، ويتيح تمويل شبكات النفوذ وشراء الولاءات وإدامة الحرب. ويتناول اقتصاد الذهب بوصفه مثالاً على التداخل بين الموارد الطبيعية والسلطة المسلحة، مع الإشارة إلى تقديرات بحثية تفيد بأن عائدات مرتبطة بتدفقات الذهب قبل التصدير للسلطات القائمة في عام 2024 بلغت نحو 1.6 مليار دولار. ويؤكد أن تفكيك الاقتصاد الموازي يتطلب حصر الأصول والشركات والحسابات، والكشف عن المالكين المستفيدين الحقيقيين، ومراجعة العقود والامتيازات، وإخضاع الشركات العسكرية والأمنية لرقابة مدنية ومالية مستقلة، ومنع استخدام عائدات الموارد الطبيعية في تمويل التشكيلات المسلحة أو النشاط الحزبي.

ويؤكد المقال أن إصلاح القطاع الأمني والعسكري شرط محوري لمنع عودة التمكين، وأنه ينبغي أن يشمل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وسائر التشكيلات المسلحة دون استثناء انتقائي. ويشمل ذلك توحيد القيادة والسيطرة وفق دستور مدني، وإعادة تنظيم القوات المسلحة على أساس مهني وطني، وإخضاع التعيين والترقية والتقاعد لمعايير قانونية ومؤسسية، وإنهاء الولاءات الحزبية داخل الوحدات النظامية، وإصلاح أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي، وإعادة تعريف اختصاصاتها وحدود سلطاتها، وتعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية والمدنية على ميزانياتها وعملياتها. كما يتطلب حصر الأسلحة والمخازن ومراكز التدريب والقوات غير النظامية، وتحديد المسؤولية عن التجنيد والتمويل والإمداد، ووضع برنامج زمني قابل للتحقق لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

ويشدد المقال على أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإدخال المقاتلين السابقين جماعياً في الجيش أو الشرطة، لأن ذلك قد يعيد إنتاج التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة. ولذلك ينبغي أن يستند الإدماج إلى تقييم فردي للملاءمة المهنية، والتحقق من السجل الجنائي والانضباطي، والتدريب، والاحتياجات الفعلية للمؤسسات، مع توفير مسارات مدنية واقتصادية بديلة لمن لا يتم إدماجهم. كما يجب منع إنشاء وحدات خاصة أو تشكيلات موازية تحت أسماء جديدة، ووضع نظام لتتبع الأسلحة ومنع إعادة تسليح الأفراد أو الجماعات خارج المؤسسات الرسمية.

ويعرض المقال آليات عملية لمنع الإسلاميين وغيرهم من مفسدي السلام من تعطيل وقف إطلاق النار والانتقال الديمقراطي. تبدأ هذه الآليات بإدراج حظر التشكيلات المسلحة والأجنحة العسكرية في اتفاق السلام، واشتراط الإفصاح عن القيادات ومصادر التمويل ومخازن السلاح وشبكات الإمداد، وإنشاء آلية مستقلة للتحقق من تنفيذ الالتزامات. وتشمل مراقبة التحريض على العنف والتعبئة العسكرية، ومنع استخدام المساجد أو المؤسسات التعليمية أو المنابر الإعلامية في التجنيد المسلح أو الدعوة إلى الانقلاب، مع حماية حرية التعبير والممارسة الدينية والسياسية السلمية. كما تتطلب مراقبة تمويل الأحزاب والجمعيات والمنظمات، والكشف عن مصادر التمويل الداخلي والخارجي، ومنع التمويل السري أو القادم من شركات ومؤسسات عسكرية وأمنية، وفرض عقوبات قانونية متدرجة على الكيانات التي تنشئ أجنحة مسلحة أو تمولها أو تتعاون معها.

ويضيف المقال أن منع التخريب لا يتحقق بالرقابة الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى منظومة إنذار مبكر تشمل مراقبة خروقات وقف إطلاق النار، والتحركات العسكرية غير المصرح بها، وعمليات التجنيد والتسليح، وحملات التحريض المنظم، ومحاولات السيطرة على المؤسسات العامة أو تعطيلها. وينبغي أن تعمل هذه المنظومة تحت إشراف مدني وقضائي مستقل، وأن تتضمن آليات لتلقي الشكاوى وحماية المبلغين والشهود، ونشر تقارير دورية عن الالتزام بالاتفاق. كما ينبغي أن تتضمن ترتيبات السلام إجراءات محددة للتعامل مع الخروقات، تبدأ بالتحقيق المستقل، ثم الإنذار والعقوبات الفردية والمؤسسية المتناسبة، وصولاً إلى الإحالة القضائية عند وجود أدلة على ارتكاب جرائم.

ويؤكد المقال ضرورة إعادة بناء العدالة الانتقالية على أساس الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، بحيث تشمل الجرائم المرتكبة في عهد الإنقاذ، والانتهاكات خلال الفترة الانتقالية، والجرائم المرتكبة منذ اندلاع حرب أبريل 2023. ويشدد على أن العدالة لا يجوز أن تتحول إلى أداة انتقام سياسي أو تصفية حسابات، ولا أن تقتصر على الإسلاميين وتتجاهل انتهاكات القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو أي تشكيل مسلح آخر. فالمسؤولية الجنائية فردية، وتُثبت أمام قضاء مستقل وفق معايير الإثبات والإجراءات العادلة، بينما يمكن أن تخضع التنظيمات والمؤسسات للمساءلة القانونية والحل أو الحظر إذا ثبت استخدامها المنظم للعنف أو تقويضها للنظام الدستوري. كما ينبغي حماية الضحايا والناجين، وتوثيق الانتهاكات، وضمان استقلال النيابة والقضاء، ومنع الإفلات من العقاب.

ويعرض المقال الحاجة إلى قانون جديد للأحزاب والتنظيمات السياسية يمنع تأسيس الأحزاب على أساس إنشاء أجنحة عسكرية أو تمويلها، ويشترط الشفافية المالية والديمقراطية الداخلية واحترام التداول السلمي للسلطة والدستور. وينبغي أن يتيح القانون للأفراد الذين لا تثبت بحقهم مسؤولية جنائية أو مشاركة في العنف ممارسة حقوقهم السياسية، حتى إذا كانوا قد انتموا سابقاً إلى تنظيمات منحلة، بعد استكمال إجراءات مراجعة قانونية عادلة عند الاقتضاء. وفي المقابل، ينبغي ألا يسمح القانون بإعادة تأسيس التنظيمات المحلولة تحت أسماء جديدة مع الاحتفاظ بالقيادات والتمويل والهيكل والوظائف المسلحة نفسها. ويقترح المقال آليات قضائية واضحة للطعن في قرارات الحل والحظر، وتحديد مدد زمنية لمراجعة التدابير الاستثنائية، منعاً لتحولها إلى عقوبات سياسية دائمة.

ويشدد المقال على أن نجاح هذه السياسات يتطلب وجود سلطة مدنية انتقالية ذات شرعية توافقية، لا تهيمن عليها القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو الأحزاب المسلحة أو التنظيمات الأيديولوجية. ويجب أن تستند هذه السلطة إلى تمثيل سياسي واجتماعي واسع، ومشاركة النساء والشباب والنقابات والمهنيين والمجتمعات المحلية والنازحين واللاجئين، مع ضمان عدم تحويل التمثيل إلى محاصصة حزبية أو عسكرية. كما يتطلب الانتقال بناء مؤسسات تشريعية ورقابية مستقلة، ووضع دستور يحدد بوضوح العلاقة بين السلطات المدنية والعسكرية، ويضمن استقلال القضاء وحقوق الإنسان والتعددية السياسية واللامركزية والمساءلة العامة. ويؤكد المقال أن الاتفاق على حكومة انتقالية أو مجلس سيادي مدني لا يكفي إذا ظلت أدوات القوة المسلحة والموارد الاقتصادية والأجهزة الأمنية خارج الرقابة المدنية.

ويحلل المقال العقبات التي قد تحول دون تنفيذ هذه الخطة، وفي مقدمتها عدم اتفاق القيادات العسكرية على إصلاح القطاع الأمني، واحتمال مقاومة شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية، وضعف استقلال القضاء والمؤسسات الرقابية، واستمرار الحرب وتعدد مراكز السيطرة، والتدخلات الإقليمية والدولية المتعارضة، وغياب الثقة بين القوى المدنية. كما يبرز خطر أن تستخدم بعض القوى شعار مكافحة الإسلاميين لتبرير احتكار السلطة أو استهداف الخصوم السياسيين، أو أن تستخدم قوى أخرى شعار المصالحة الوطنية لحماية المسؤولين عن الجرائم وإعادة شبكات التمكين. ويؤكد أن مواجهة هذه المخاطر تقتضي معايير قانونية معلنة، وإجراءات قابلة للطعن، وشفافية في التحقيقات، ورقابة مستقلة، وتطبيقاً متساوياً للقانون على جميع الأطراف المسلحة والسياسية.

ويعرض المقال أربعة مسارات محتملة لمستقبل العلاقة بين الإسلاميين وعملية السلام والتحول الديمقراطي. يتمثل الأول في استمرار نفوذ شبكات النظام السابق داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، بما يسمح لها بالتأثير في مسار الحرب أو تعطيل التسوية وإعادة إنتاج التمكين. ويتمثل الثاني في استبعاد سياسي واسع للإسلاميين دون تفكيك شبكات القوة المسلحة والاقتصادية، وهو مسار قد يدفع بعض التنظيمات إلى العمل السري أو التحالف مع مراكز القوة العسكرية، دون أن يضمن منع عودتها. ويتمثل الثالث في إدماج سياسي غير مشروط للتنظيمات والقيادات المرتبطة بالنظام السابق، بما قد يمنحها فرصة لإعادة بناء نفوذها من داخل مؤسسات الانتقال. أما المسار الرابع، الذي يرجحه المقال بشروط، فيقوم على التفكيك القانوني والتنظيمي للكيانات المتورطة في العنف والانقلاب والتمكين، وحل التشكيلات المسلحة ونزع سلاحها، ومحاسبة الأفراد وفق مسؤولياتهم، مع السماح بالمشاركة السياسية المدنية للأفراد الذين لا تثبت بحقهم مخالفات تمنعها القوانين.

ويخلص المقال إلى أن هذا المسار الرابع هو الأكثر اتساقاً مع هدف بناء دولة مدنية ديمقراطية، لكنه ليس سهلاً أو مضموناً. فنجاحه يتطلب وقفاً قابلاً للمراقبة للحرب، واتفاقاً سياسياً على قواعد الانتقال، واستقلالاً قضائياً، وقدرة إدارية ومالية على مراجعة المؤسسات والشركات، وتعاوناً من القيادات العسكرية، ودعماً إقليمياً ودولياً متسقاً. كما يتطلب ألا تكون عملية التفكيك مجرد حملة سياسية ضد خصم بعينه، بل جزءاً من إعادة تأسيس الدولة وإنهاء تعدد الجيوش والاقتصادات المسلحة والولاءات الحزبية داخل المؤسسات العامة.

ويؤكد المقال في خاتمته أن السلام في السودان لن يتحقق بمجرد توقيع اتفاق بين القيادات العسكرية أو توزيع المناصب بين النخب السياسية، ولن يكون مستداماً إذا بقيت التنظيمات المسلحة وشبكات التمكين قادرة على امتلاك السلاح والمال والنفوذ المؤسسي خارج سلطة الدولة المدنية. ولذلك فإن حل المؤتمر الوطني، وتفكيك البنية التنظيمية للحركة الإسلامية التي ارتبطت بنظام الإنقاذ، وحل كتيبة البراء بن مالك والتشكيلات المسلحة المرتبطة بها، ونزع سلاحها، وتفكيك شبكات التمكين في المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، تمثل إجراءات أساسية لمنع إعادة إنتاج النظام السابق أو استخدام الحرب وسيلة لاستعادة سلطته. غير أن هذه الإجراءات يجب أن تُنفذ وفق القانون، وبالتمييز بين التنظيمات والأفراد، وبين المسؤولية السياسية والجنائية، وبين الانتماء الفكري والمشاركة الفعلية في العنف.

كما يؤكد أن هذه المعايير يجب أن تطبق على جميع الأطراف دون انتقائية، بما فيها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وسائر التشكيلات المسلحة، وأن أي عملية سلام لا تخضع جميع مراكز القوة المسلحة والاقتصادية للمساءلة ستظل عرضة للانهيار. فالغاية ليست استبدال هيمنة تنظيم بهيمنة تنظيم آخر، ولا إضعاف القوات المسلحة الوطنية، ولا إقصاء مكون اجتماعي أو ديني من الحياة العامة، بل بناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة، وأجهزة أمنية خاضعة للقانون، واقتصاد مدني شفاف، وأحزاب لا تمتلك أجنحة مسلحة، وقضاء مستقل، ونظام سياسي يقوم على المواطنة والتعددية والتداول السلمي للسلطة. وبهذا المعنى، فإن تفكيك التمكين والتنظيمات المسلحة ليس انتقاماً من الماضي، بل شرط لمنع تكراره، وحماية السلام، وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي حقيقي يعيد الدولة إلى مواطنيها.

النص الكامل للمقال

المقدمة: من إقصاء الواجهات إلى تفكيك القدرة الفعلية على إفساد السلام

لا يكفي لمنع الإسلاميين السودانيين من إفشال وقف الحرب أو تعطيل الانتقال الديمقراطي إصدار قرار بحظر حزب أو تصنيف تنظيم أو إبعاد عدد من القيادات من مؤسسات الدولة. فالإفساد السياسي والعسكري لا يحدث من خلال واجهة حزبية واحدة، بل يمكن أن يُمارس عبر شبكات متداخلة من القيادات والتنظيمات المسلحة والتمويل التجاري والواجهات المدنية والتغلغل الإداري والاختراق الأمني والتعبئة الإعلامية والعلاقات الخارجية. ويمكن أن يتخذ صوراً متعددة، منها رفض وقف إطلاق النار، وإعادة بناء القوات الموازية، وتخريب التفاوض، وتهديد المدنيين، وتعطيل الرقابة على الموارد، واستخدام مؤسسات الدولة لإعادة إنتاج السيطرة الحزبية، وإثارة الانقسامات داخل القوى المدنية، وإضعاف الثقة في التسوية السياسية، وإعادة إنتاج خطاب يبرر استمرار الحرب باعتبارها معركة وجودية لا تقبل التفاوض.

لذلك ينبغي أن تقوم الاستراتيجية السودانية على مسارات متزامنة ومتكاملة: حل التنظيمات المسلحة التي يثبت تورطها المؤسسي في الانقلاب أو العنف المسلح بوسائل دستورية وقضائية؛ تفكيك البنية التنظيمية والعسكرية للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والتشكيلات المرتبطة بهما؛ نزع السلاح من التشكيلات الحزبية والموازية؛ قطع التمويل غير المشروع؛ استرداد الأصول العامة التي استُخدمت لترسيخ السيطرة الحزبية أو تمويل الحرب؛ تحييد مؤسسات الدولة عن الولاء التنظيمي؛ حماية المفاوضات والاتفاقات بآليات تحقق مستقلة وعقوبات محددة؛ وإتاحة المشاركة السياسية الفردية وفق قواعد دستورية لا تمنح حصانة للجرائم ولا تفرض عقوبة جماعية على أساس الاعتقاد أو الانتماء الفكري وحده.

وتقتضي الواقعية السودانية أن تكون هذه الاستراتيجية متوازنة في تطبيقها على جميع القوى المسلحة والسياسية، لا أن تتحول إلى أداة انتقائية ضد الإسلاميين وحدهم، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن مسؤولية شبكات النظام السابق عن تقويض الانتقال، وبناء التشكيلات المسلحة، واستعادة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، تستوجب معالجة مؤسسية مخصوصة تستند إلى الأدلة والتحقيقات والقرارات القضائية. فالمعيار الحاسم ليس الهوية الدينية أو الفكرية، وإنما السلوك المثبت، والمسؤولية القيادية، والارتباط التنظيمي بالعنف أو الانقلاب أو التمويل غير المشروع أو تعطيل النظام الدستوري.

ويجب التمييز بين أربعة مستويات كثيراً ما تختلط في النقاش السياسي السوداني: حل التنظيم السياسي الذي يثبت أنه استخدم بنيته المؤسسية لتقويض النظام الدستوري أو إدارة العنف؛ حل الجناح العسكري أو الأمني التابع له؛ محاسبة الأفراد الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية أو القيادية؛ وتنظيم مشاركة الأفراد الذين لم تثبت بحقهم جرائم في الحياة السياسية المدنية. فهذه ليست إجراءات مترادفة، ولا ينبغي أن تكون لها الآثار القانونية نفسها. وقد يؤدي الخلط بينها إلى نتيجتين متناقضتين وخطيرتين: الإفلات من العقاب باسم المصالحة، أو العقوبة الجماعية باسم تفكيك التمكين.

وتستند هذه الدراسة إلى أدبيات المفسدين في عمليات السلام، وإصلاح القطاع الأمني، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وبناء الأحزاب الديمقراطية، والعدالة الانتقالية، والحوكمة الاقتصادية، وإلى التقارير الدولية الخاصة بالسودان. ويتم ترتيب الموضوع من تشخيص مصادر الإفساد، إلى بناء أدوات الوقاية والرصد، ثم معالجة التشكيلات المسلحة والتمويل والمؤسسات، وصولاً إلى حماية العملية السياسية وتصميم الضمانات القانونية والتنفيذية. ويهدف هذا الترتيب إلى الانتقال من وصف المشكلة إلى تحديد أدوات التعامل معها، ثم اختبار قابليتها للتطبيق في ظروف السودان.

الفصل الأول: فهم المفسدين وتحديد مصادر قدرتهم على تعطيل السلام

تُظهر أدبيات عمليات السلام أن المفسدين ليسوا بالضرورة كتلة واحدة، وأن التعامل معهم يتطلب التمييز بين القيادات التي تملك القدرة على تعطيل التسوية، والجماعات المسلحة التي تستطيع استخدام العنف، والشبكات الاقتصادية التي تموّل استمرار الحرب، والفاعلين السياسيين الذين يرفضون التسوية لأسباب أيديولوجية أو مصلحية. وقد وضع ستيفن ستيدمان هذا التمييز في صلب تحليل المفسدين، موضحاً أن بعضهم يسعى إلى تعديل التسوية لمصلحته، وبعضهم يريد إفسادها بالكامل، وبعضهم ينضم إليها ثم يحاول تعطيل تنفيذها من الداخل (Stedman, 1997). وهذه التفرقة مهمة في السودان لأن منع عودة شبكات النظام السابق إلى السيطرة لا يتحقق بمجرد منع قياداتها من التفاوض، بل يتطلب تعطيل قدرتها الفعلية على تمويل الحرب، وإعادة بناء التشكيلات المسلحة، واختراق مؤسسات الدولة، وإكراه الخصوم السياسيين.

ولا ينبغي افتراض أن كل الإسلاميين يتبنون استراتيجية واحدة أو أن كل من انتمى سابقاً إلى الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني يشارك في الحرب أو يريد إفشال السلام. فالحركة الإسلامية السودانية شهدت انقسامات وتباينات تنظيمية وسياسية، كما تباينت مواقف بعض الشخصيات والتيارات من الانقلاب والحرب والتسوية. لكن هذا التعدد لا ينفي وجود شبكات قيادية وتنظيمية وعسكرية واقتصادية يمكن أن تتصرف بصورة منسقة، ولا يبرر تجاهل المسؤولية المؤسسية للتنظيمات التي استخدمت الدولة والحزب والأجهزة الأمنية والاقتصاد السياسي لتثبيت سلطتها.

ويجب تحليل القدرة على الإفساد من خلال ستة مصادر مترابطة. أولها القدرة المسلحة، أي امتلاك أفراد مدربين وسلاح ومخازن وقيادات واتصالات ومواقع انتشار. وثانيها القدرة المالية، أي امتلاك الشركات أو الحسابات أو شبكات الذهب والتجارة أو الموارد العامة التي تتيح تمويل العمليات. وثالثها القدرة المؤسسية، أي استمرار النفوذ داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطة والقضاء والخدمة المدنية والمؤسسات الاقتصادية. ورابعها القدرة السياسية، أي التأثير في التحالفات الحزبية والقيادات المدنية والوساطات ومراكز اتخاذ القرار. وخامسها القدرة الإعلامية والاجتماعية، أي القدرة على التحريض والتعبئة ونشر المعلومات المضللة واستغلال المؤسسات الدينية أو الخيرية أو شبكات الخدمات. وسادسها القدرة الخارجية، أي الحصول على دعم سياسي أو مالي أو عسكري أو لوجستي من أطراف خارج السودان.

ويترتب على ذلك أن تفكيك الإفساد لا يمكن أن يقتصر على حظر حزب أو اعتقال بعض القيادات. فلو حُلّ حزب وبقيت شركاته وموارده وواجهاته وقياداته الفعلية، فإن التنظيم يستطيع مواصلة نشاطه بأسماء جديدة. ولو أُبعدت قيادات من الخدمة المدنية وبقيت شبكات التمويل والاتصال والتعيين، فإن النفوذ يمكن أن يعود عبر مسارات غير رسمية. ولو جرى تفكيك جناح مسلح دون توفير مسار واقعي لتسريح أفراده وإعادة إدماج غير المتورطين في الجرائم، فقد يتحول بعضهم إلى شبكات إجرامية أو جماعات مسلحة جديدة.

وتوضح تجربة السودان منذ انقلاب 30 يونيو 1989 أن التمكين لم يكن مجرد تعيين أفراد ينتمون إلى تنظيم سياسي في مواقع حكومية، بل كان مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد، من خلال السيطرة على الخدمة المدنية، وإضعاف النقابات المستقلة، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وتوسيع الاقتصاد المرتبط بالدولة، واستخدام المؤسسات المالية والتجارية في إنتاج الولاء السياسي. وقد ناقش مدني طبيعة الاقتصاد السياسي للنظام الإسلامي السوداني وتحوله إلى نظام سلطوي قائم على شبكات الريع والتمويل والارتباط بين النخب التجارية والأمنية والسياسية (Medani, 2022). كما وثقت دراسة مركز أبحاث مكافحة الفساد والجريمة المنظمة العابرة للحدود كيف استخدمت شبكات مرتبطة بمؤسسات الدولة السيطرة على الاقتصاد لإعاقة التحول الديمقراطي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 (Cartier et al., 2022). C4ADS

وتكمن خطورة هذه البنية في أنها تجعل بعض التنظيمات قادرة على ممارسة نفوذها حتى عندما لا تكون ممثلة رسمياً في الحكومة. فقد تتخذ قراراتها عبر شبكات ضباط متقاعدين، أو رجال أعمال، أو واجهات اجتماعية، أو مجموعات مسلحة، أو شخصيات إدارية، أو وسطاء في الأسواق والتمويل. ولهذا فإن المعيار العملي لنجاح التفكيك ليس اختفاء الاسم التنظيمي، وإنما زوال القدرة غير المشروعة على إصدار الأوامر أو التمويل أو التجنيد أو التهديد أو التحكم في مؤسسات الدولة.

الفصل الثاني: إنشاء نظام وطني لرصد المفسدين والاستجابة المبكرة

ينبغي إنشاء آلية سودانية مستقلة لرصد مخاطر إفساد السلام، بموجب اتفاق سياسي ودستوري انتقالي، تضم قضاة وخبراء قانونيين وأمنيين وماليين وممثلين للمجتمع المدني والنساء والولايات، على أن تكون خاضعة لرقابة قضائية وبرلمانية مدنية، وألا تكون جهازاً استخباراتياً تابعاً لأي طرف عسكري أو حزبي. وتتمثل مهمتها في جمع المعلومات الموثقة عن الأفعال التي تهدد وقف إطلاق النار أو الانتقال الديمقراطي، وتحليلها، وإحالتها إلى الجهات المختصة، ونشر تقارير دورية منزوعة المعلومات التي قد تعرض الشهود أو المصادر للخطر.

ويجب ألا تتحول هذه الآلية إلى جهاز سياسي لتصنيف المعارضين أو مراقبة الآراء أو جمع المعلومات عن النشاط المدني السلمي. ولذلك ينبغي أن ينص قانون إنشائها على اختصاصات محددة، وعلى حظر التدخل في الحياة الحزبية المشروعة، وعلى عدم جواز اتخاذ أي تدبير عقابي استناداً إلى تقاريرها وحدها دون مراجعة الجهة القضائية المختصة. وتكون مهمتها الأساسية الإنذار المبكر والتحقق والإحالة والتنسيق، لا إصدار أحكام جنائية أو حل الأحزاب أو مصادرة الممتلكات.

ويجب أن تضع الآلية مؤشرات إنذار مبكر قابلة للقياس، منها تجنيد مقاتلين جدد خارج الترتيبات المتفق عليها، ونقل الأسلحة الثقيلة، وفتح معسكرات تدريب غير معلنة، وتحويل الأموال إلى تشكيلات مسلحة، وتهديد أعضاء لجان وقف إطلاق النار، وتحريض القيادات العسكرية على رفض الأوامر المدنية، وتخريب قوافل الإغاثة، واغتيال الوسطاء المحليين، وإخفاء سجلات المؤسسات المالية أو الشركات العامة، وإعادة تعيين عناصر تنظيمية في مواقع حساسة دون إجراءات تنافسية. ويجب ألا يُعدّ الخطاب السياسي المعارض أو النقد الإعلامي أو الدعوة السلمية إلى تعديل الاتفاق دليلاً على الإفساد؛ فالمعيار هو وجود فعل مادي أو تحريض مباشر ذي صلة واضحة بالعنف أو التخريب أو تعطيل الالتزامات الملزمة.

وتُصنّف المخاطر إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول مخالفات سياسية أو إدارية لا تنطوي على عنف، وتعالج بالشفافية والرد السياسي والقضاء الإداري. والمستوى الثاني مخالفات منظمة مثل التمويل غير المشروع أو التجنيد السري أو التهديدات الموثوقة، وتعالج بالتحقيق المالي والقضائي والتدابير الوقائية المتناسبة. أما المستوى الثالث فيشمل الهجمات المسلحة، والاغتيالات، والتخريب المادي لوقف إطلاق النار، وعمليات إعادة التسليح المنظمة، ويستدعي استجابة أمنية وقضائية عاجلة وفق القانون. ويمنع هذا التصنيف الخلط بين المعارضة السياسية والتخريب المسلح، كما يمنع استخدام تهمة الإفساد لتصفية الخصوم.

ويُقترح أن تنشأ داخل الآلية وحدات متخصصة، إحداها للتحليل الأمني والعسكري، وأخرى للتحقيق المالي والاقتصادي، وثالثة لرصد التضليل والتحريض العنيف، ورابعة لحماية الشهود والمبلغين، وخامسة لمتابعة تنفيذ الالتزامات السياسية والدستورية. ولا ينبغي أن تتولى هذه الوحدات التحقيق الجنائي النهائي، بل تحيل الملفات إلى النيابة العامة والهيئات القضائية المختصة، مع حفظ سلسلة حيازة الأدلة الرقمية والمالية والمادية.

ومن الضروري إنشاء قاعدة بيانات وطنية آمنة للانتهاكات والخروقات، تتضمن تاريخ الواقعة ومكانها والجهة المشتبه بها وطبيعة الدليل ومصدره ودرجة موثوقيته والإجراء المتخذ بشأنه. ويجب أن تخضع القاعدة لقواعد صارمة لحماية البيانات الشخصية، وألا تُتاح للأجهزة الأمنية أو الأطراف السياسية للاستخدام الانتقامي. ويُستحسن أن تنشر الآلية تقريراً شهرياً يوضح عدد البلاغات الواردة، وما تم التحقق منه، وما أحيل إلى القضاء، وما بقي غير محسوم، مع عدم نشر أسماء الشهود أو البيانات التي تعرضهم للخطر.

وتكمن أهمية هذا النظام في أنه ينقل التعامل مع الإفساد من رد الفعل بعد وقوع الهجوم إلى الوقاية المبكرة. فإذا رُصدت عملية تجنيد غير قانونية، أمكن وقفها قبل أن تتحول إلى قوة مسلحة. وإذا رُصد تحويل مالي إلى شركة واجهة، أمكن تجميد العملية مؤقتاً وفق أمر قضائي. وإذا رُصد تحريض مباشر على مهاجمة موقع مدني، أمكن حماية الموقع والتحقيق في التهديد. أما إذا جرى التعامل مع كل المخاطر بعد وقوعها، فستصبح عملية السلام رهينة لقدرة المفسدين على فرض الوقائع بالقوة.

الفصل الثالث: جعل وقف إطلاق النار قابلاً للتحقق والتنفيذ

لا يمكن حماية الهدنة السودانية بمجرد توقيع القادة عليها، لأن القيادات التي لا تسيطر فعلياً على جميع الوحدات المسلحة، أو التي تتعمد الاحتفاظ بقوات غير معلنة، تستطيع إفشالها مع إنكار مسؤوليتها. ولذلك ينبغي أن يتضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار خريطة دقيقة لمواقع القوات والتشكيلات التابعة لها، وخطوط التماس، ومخازن الأسلحة الثقيلة، ومراكز القيادة والاتصال، وممرات الإمداد، ومناطق انتشار الطائرات المسيّرة والمدفعية، ومواقع السجون ومراكز الاحتجاز.

ويجب إنشاء بعثة مراقبة مستقلة ذات تفويض واضح، تضم مراقبين سودانيين ودوليين، وتستخدم صور الأقمار الصناعية والتحقق الميداني وقنوات البلاغات الآمنة، وتنشر تقارير دورية عن الانتهاكات المنسوبة إلى الأطراف مع بيان درجة الثقة في الأدلة. ولا ينبغي أن تحتكر القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو أي تنظيم حزبي عملية التحقق من الانتهاكات التي يُشتبه في ارتكابها. كما ينبغي إنشاء خط اتصال عسكري مباشر بين القيادات المعتمدة، وخط ساخن مدني لتلقي بلاغات السكان، ومراكز مشتركة لمعالجة الحوادث، مع إلزام كل طرف بتحديد ضابط مسؤول عن تنفيذ أوامر وقف إطلاق النار.

ويجب أن يشمل الاتفاق التزامات واضحة ومحددة زمنياً، مثل وقف الهجمات الجوية والبرية، ووقف استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات الهجومية، ومنع نقل الأسلحة الثقيلة خارج المواقع المتفق عليها، ووقف التجنيد والتعبئة العسكرية غير المصرح بها، وعدم إنشاء معسكرات جديدة، وعدم نقل المعتقلين بصورة غير قانونية، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المستشفيات والأسواق ومحطات المياه والكهرباء ومخازن الغذاء. كما ينبغي أن تُحدد آلية للتعامل مع الخروقات غير المقصودة، وأخرى للهجمات المنظمة، حتى لا يؤدي كل حادث محلي إلى انهيار الاتفاق بأكمله.

وتتطلب الواقعية السودانية ألا تبدأ عملية نزع السلاح الشامل في اليوم الأول للهدنة، لأن انهيار التوازن الأمني قبل وجود ترتيبات بديلة قد يخلق فراغاً تستغله المليشيات. يبدأ التنفيذ بوقف الهجمات، وتجميد التجنيد والتسليح، وحصر القوات، ومنع تحركات الوحدات الثقيلة خارج المناطق المحددة، ثم تجميع التشكيلات غير النظامية في مواقع متفق عليها، وتسجيل الأفراد والأسلحة، والتحقق من الهوية وسلاسل القيادة، تمهيداً للتسريح أو إعادة الإدماج الفردي وفق معايير مهنية. وينبغي أن تشمل هذه الإجراءات كل التشكيلات المسلحة، بما فيها كتائب الإسلاميين، والقوات الموازية، والمليشيات القبلية، والتشكيلات التي تعمل تحت غطاء القوات النظامية، لا أن تقتصر على طرف واحد.

وتؤكد الخبرة الدولية أن مراقبة وقف إطلاق النار لا تنجح إذا كانت البعثة تفتقر إلى حرية الحركة أو القدرة على الوصول إلى مواقع الانتهاكات أو حماية الشهود أو نشر النتائج. ولهذا يجب أن يتضمن الاتفاق التزاماً بتسهيل عمل المراقبين، وتوفير ضمانات أمنية لهم، ومنحهم حق الوصول إلى المواقع ذات الصلة، وتحديد إجراءات واضحة للتحقيق في رفض التعاون. وينبغي كذلك أن يُحظر على الأطراف استخدام المساعدات الإنسانية وسيلة ضغط أو ابتزاز، وأن يُفصل مسار الإغاثة عن المساومة العسكرية والسياسية.

وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مسؤولتان عن انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، بما في ذلك الهجمات على المناطق السكنية والبنية التحتية الحيوية والاعتقال التعسفي والتعذيب والإعدامات الموجزة، كما وثقت جرائم واسعة ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها في دارفور (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2025). United Nations in Sudan +1 وتؤكد هذه النتائج ضرورة ألا تكون آليات مراقبة وقف إطلاق النار مجرد ترتيبات عسكرية بين القادة، بل يجب أن تتضمن حماية المدنيين ومراقبة الانتهاكات الإنسانية والحقوقية.

ويجب ألا يُمنح أي طرف مسلح حق تفسير الاتفاق بصورة منفردة أو تعطيل التحقيقات بحجة السيادة أو الأمن. فالاتفاق الذي لا يتضمن آلية تحقق مستقلة، ولا جدولاً زمنياً، ولا إجراءات لمعالجة الانتهاكات، يظل إعلان نوايا لا ضمانة عملية. كما أن الاتفاق الذي يسمح للقوات المسلحة أو للتنظيمات الحزبية بالاحتفاظ بقوات غير معلنة أو مخازن سلاح مستقلة سيترك الباب مفتوحاً أمام استئناف الحرب عند أول خلاف سياسي.

الفصل الرابع: حل التشكيلات العسكرية الحزبية ومنع إعادة إنتاجها

إن وجود جناح عسكري تابع لحزب سياسي يتعارض مع مبدأ احتكار الدولة المشروع للقوة المسلحة. لذلك ينبغي أن ينص الاتفاق الدستوري الانتقالي على حظر إنشاء الأحزاب والتنظيمات السياسية أو تمويلها أو إدارتها لتشكيلات عسكرية أو أمنية أو استخباراتية موازية، وأن يجرّم التجنيد والتدريب والتسليح والتمويل والقيادة السرية لهذه التشكيلات. ويجب أن يشمل ذلك كتائب البراء بن مالك وأي تشكيل عسكري يثبت ارتباطه التنظيمي أو القيادي بالحركة الإسلامية أو بالمؤتمر الوطني، كما يشمل أي جناح مسلح تابع لقوى أخرى.

ويقتضي ذلك حلّ التشكيلات العسكرية الحزبية بوصفها مؤسسات، ومصادرة الأسلحة غير المرخصة وفق أوامر قضائية، وإغلاق معسكراتها، وإلغاء سلاسل قيادتها، والتحقيق في مصادر تمويلها، ومنع إعادة تشكيلها تحت أسماء جديدة أو واجهات اجتماعية أو خيرية أو تجارية. ولا يكفي تغيير الاسم أو إعلان حل تنظيمي إذا ظلت القيادة والتمويل والتجنيد والتسليح تعمل عبر الشبكات ذاتها. ولهذا يجب أن يكون معيار التحقق هو تفكيك القدرات الفعلية: القيادة، والموارد، والاتصالات، والمخازن، والمعسكرات، والتمويل، والتجنيد، لا مجرد تسجيل قرار إداري بالحل.

ويجب أن يشمل الحظر كل تشكيل مسلح حزبي أو أيديولوجي أو قبلي أو جهوي أو شخصي، بما في ذلك أي قوات تنشأ تحت مسمى المقاومة الشعبية إذا تحولت إلى تنظيم عسكري مستقل خارج القيادة القانونية للدولة. فالتعبئة المدنية الطوعية للدفاع المدني أو الإغاثة أو حماية المرافق لا تساوي إنشاء قوة عسكرية، لكن تحويل المواطنين إلى تشكيلات مسلحة ذات قيادة حزبية وتمويل مستقل وسلاسل أوامر خاصة يهدد وحدة الدولة ويجعل وقف الحرب هشاً.

ويقتضي التطبيق الواقعي إعداد سجل وطني للتشكيلات المسلحة خارج القوات النظامية، يشمل أسماءها وقياداتها ومواقعها وأعداد أفرادها التقريبية ومصادر تمويلها وتسليحها، مع التحقق من البيانات ميدانياً. ويجب ألا تُعلن أرقام غير موثقة عن أعداد المقاتلين أو حجم القوة باعتبارها حقائق نهائية. فالتقديرات المتداولة بشأن حجم كتائب البراء بن مالك، ومنها تقديرات تصل إلى عشرين ألف مقاتل، لا ينبغي اعتمادها كرقم ثابت من دون مصدر مستقل ومنهجية تحقق واضحة. وينبغي أن تتضمن التقارير الرسمية نطاقات تقديرية ودرجات ثقة، وأن تميز بين المقاتلين الفعليين والمستنفرين والمتعاطفين والداعمين اللوجستيين.

ويجب أن يُلزم الاتفاق كل تنظيم مسلح بتقديم قوائم أفراد وسلاح ومواقع، وأن يخضع ذلك للتحقق المستقل. كما ينبغي إنشاء مراكز لتسليم السلاح وتسجيل الأفراد، مع ضمان عدم التعرض للمنتسبين الذين يسلمون أسلحتهم طوعاً ولا تثبت بحقهم جرائم، وإخضاع من توجد أدلة على تورطه في الجرائم لإجراءات العدالة الجنائية. وتُمنع القيادات العسكرية والتنظيمية من إعادة تجميع الأفراد بعد التسريح أو نقلهم إلى تشكيلات أخرى تحت مسميات جديدة.

ويجب التمييز بين حل التنظيم المسلح وبين المسؤولية الجنائية الفردية. فعضوية الشخص السابقة في تنظيم سياسي أو عسكري لا تثبت وحدها ارتكابه جريمة، ولا يجوز أن تكون بديلاً عن التحقيق والمحاكمة. أما من تثبت مسؤوليته عن القتل أو التعذيب أو الاغتصاب أو التجنيد القسري أو الإخفاء أو إصدار الأوامر غير المشروعة، فيخضع للمساءلة الجنائية وفق قواعد المسؤولية المباشرة والقيادية، وبضمانات المحاكمة العادلة. وبذلك لا يتحول تفكيك التشكيلات المسلحة إلى عقوبة جماعية، ولا يتحول مبدأ عدم العقوبة الجماعية إلى حصانة لقادة العنف.

كما يجب منع إعادة بناء التشكيلات المحلولة عبر الواجهات التنظيمية. ويتطلب ذلك قواعد للإفصاح عن المستفيد الحقيقي من المؤسسات والشركات والجمعيات، ومراجعة مصادر التمويل، ومنع استخدام الجمعيات الخيرية أو الرياضية أو الثقافية أو الدعوية كغطاء للتجنيد أو التدريب أو نقل الأموال والسلاح. لكن ينبغي ألا يُفترض أن كل جمعية دينية أو مؤسسة خيرية مرتبطة بتنظيم مسلح؛ بل يجب إثبات الارتباط من خلال الأدلة المالية والإدارية والاتصالات والأنشطة الفعلية، مع حماية العمل الخيري والديني المشروع.

وتكون النتيجة المطلوبة هي إزالة القدرة العسكرية المستقلة للتنظيمات الحزبية، وليس منع الأفراد من اعتناق أفكار دينية أو المشاركة في العمل الدعوي السلمي أو الانضمام إلى أحزاب مدنية لا تمتلك جناحاً مسلحاً. فالدولة المدنية لا تحارب التدين، وإنما تمنع احتكار القوة المسلحة أو تحويل الدين إلى وسيلة للهيمنة على الدولة والمجتمع.

الفصل الخامس: تفكيك شبكات التمويل والاقتصاد السياسي للحرب

من أخطر مواطن الضعف في أي اتفاق سلام أن يوقف القتال مؤقتاً، بينما تبقى الموارد المالية التي تموّله تحت سيطرة الشبكات المسلحة والحزبية. ولذلك ينبغي إنشاء وحدة مستقلة للتحقيق المالي في اقتصاد الحرب، ترتبط بالنيابة العامة والسلطات الرقابية، وتعمل على كشف الملكية الحقيقية للشركات، والحسابات المصرفية، والتحويلات الخارجية، وشبكات الذهب، والاستيراد والتصدير، والمشتريات العسكرية، والعقود الحكومية، والواجهات التجارية التي تستخدم لإخفاء التمويل.

ويجب أن يشمل التدقيق الشركات التي يثبت ارتباطها بقيادات المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية أو التشكيلات المسلحة، كما يشمل الشركات التابعة للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع وأي قوة أخرى تسيطر على نشاط اقتصادي خارج الرقابة المدنية. فالمشكلة ليست في هوية المالك السياسية وحدها، بل في الجمع بين السلطة المسلحة والملكية الاقتصادية والقدرة على توجيه المال العام أو تمويل الحرب دون رقابة. وقد وثق مركز أبحاث مكافحة الفساد والجريمة المنظمة العابرة للحدود كيف تعوق السيطرة العسكرية على الاقتصاد الديمقراطية في السودان، وكيف تساعد الشبكات الاقتصادية المرتبطة بمؤسسات الدولة على حماية النفوذ من المساءلة (Cartier et al., 2022). C4ADS

كما أظهرت دراسة المركز نفسها أن الاقتصاد العسكري ليس مجرد مجموعة شركات منفصلة، بل منظومة من الملكية والتمويل والعلاقات المؤسسية التي تتداخل فيها مصالح الدولة والأمن والقطاع التجاري. ولذلك ينبغي أن تتجاوز المراجعة الاقتصادية مجرد إعداد قائمة بالشركات التي تحمل أسماء عسكرية أو حزبية، وأن تبحث في المالك الحقيقي، ومصدر رأس المال، وسلسلة الإدارة، والجهات التي تحصل على الأرباح، والعقود الحكومية، والتعاملات المصرفية، والعلاقات مع الشركات الأجنبية.

وتشمل التدابير العملية إلزام الشركات الكبيرة بالإفصاح عن المستفيد الحقيقي، ونشر العقود والمشتريات الحكومية، وإجراء مراجعة مستقلة لحسابات المؤسسات العامة والعسكرية ذات النشاط التجاري، ومنع استخدام أموال الدولة في تمويل الأحزاب أو الحملات المسلحة، وتجميد الأصول محل الاشتباه بأمر قضائي قابل للطعن، وإعادة الأموال التي يثبت اختلاسها إلى الخزانة العامة. كما ينبغي إنشاء سجل وطني للشركات التي تتعاقد مع المؤسسات الأمنية والعسكرية، مع نشر بيانات العقود والموردين والمبالغ والجهة المستفيدة، باستثناء التفاصيل العملياتية التي يؤدي نشرها إلى خطر أمني محدد.

ويجب أن يشمل التدقيق سلاسل إنتاج الذهب وتصديره، ومناطق التعدين، وشركات الامتياز، وشركات شراء الذهب، ومراكز المعالجة، وشبكات النقل والتخزين، والمصارف والوسطاء التجاريين. وقد أظهر تقرير مركز أبحاث مكافحة الفساد والجريمة المنظمة العابرة للحدود الصادر في 27 مايو 2025 أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع استفادتا من إيرادات الذهب والمعادن في تمويل العمليات، وأن السيطرة على مراحل الإنتاج السابقة للتصدير تمثل نقطة مهمة لفهم اقتصاد الحرب (C4ADS, 2025). C4ADS

ووفق التقرير نفسه، قُدرت إيرادات تدفقات الذهب قبل التصدير التابعة للسلطات الفعلية بنحو 1.6 مليار دولار خلال عام 2024، وهو تقدير ينبغي نسبته إلى التقرير ومنهجيته، لا تقديمه بوصفه حساباً نهائياً لكل عائدات الذهب السوداني. وتنبع أهمية هذا الرقم من أنه يوضح كيف يمكن للموارد المعدنية أن تتحول إلى مصدر تمويل للحرب، حتى عندما تكون بعض التدفقات خارج النظام المصرفي الرسمي أو تمر عبر شبكات إقليمية ودولية. ولذلك ينبغي أن تتعاون السلطات السودانية المستقبلية مع وحدات الاستخبارات المالية والجهات الرقابية الدولية، وأن تطلب بيانات الشحن والتكرير والتحويلات، وأن تراجع سجلات الشركات الوسيطة والمستفيدين الحقيقيين.

ولا ينبغي أن يقتصر التحقيق المالي على الذهب، بل يجب أن يشمل الثروة الحيوانية والصمغ العربي والسمسم والقطن والوقود والاتصالات والنقل والموانئ والعقارات والاستيراد والتصدير والمشتريات الحكومية. كما يجب التحقيق في كيفية استخدام الشركات الوهمية أو الشركات المسجلة بأسماء أقارب أو شركاء أو موظفين سابقين لإخفاء الملكية والسيطرة. وتُعد قواعد الإفصاح عن المستفيد الحقيقي، والشفافية في العقود الحكومية، والرقابة على المشتريات، أدوات أساسية لمنع إعادة بناء شبكات التمويل بعد توقيع الاتفاق.

ولا بد من الحذر من تحويل العقوبات المالية إلى وسيلة لإفقار العاملين أو تعطيل الخدمات العامة. فالتدابير ينبغي أن تستهدف القيادات والشركات والوسطاء الذين تثبت صلتهم بالتمويل غير المشروع أو شراء السلاح أو دعم التشكيلات المسلحة، مع حماية أجور العاملين والودائع المدنية والأنشطة الإنتاجية غير المتورطة. كما يجب أن تتضمن آلية مراجعة دورية لرفع التدابير عن الأشخاص والكيانات التي تثبت براءتها أو تصحح أوضاعها القانونية.

ويجب كذلك منع استخدام الأموال المستردة في تمويل جهاز أمني جديد أو شبكة حزبية جديدة. فاسترداد الأصول لا يحقق غايته إذا عادت الأموال إلى دائرة الفساد أو المحسوبية. لذلك ينبغي تحويل الأصول المستردة إلى الخزانة العامة أو صندوق وطني خاضع للرقابة المستقلة، ونشر بيانات دورية عن قيمة الأصول ومصادرها وكيفية التصرف فيها، مع تخصيص الموارد لإعادة الإعمار والخدمات العامة والتعويضات وفق قواعد معلنة.

الفصل السادس: تحييد الخدمة المدنية والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة

لا يمكن تحقيق انتقال ديمقراطي إذا بقيت مؤسسات الدولة خاضعة لشبكات الولاء الحزبي التي تشكلت خلال سنوات التمكين. لكن إزالة التمكين لا ينبغي أن تعني تطهيراً جماعياً للموظفين على أساس الانتماء أو الاشتباه أو الخصومة السياسية؛ بل ينبغي أن تعني إنهاء السيطرة التنظيمية على المؤسسات، واسترداد الوظيفة العامة بوصفها خدمة مهنية، وإعادة بناء نظم التعيين والترقية والمحاسبة على أساس الكفاءة والنزاهة.

ويقتضي ذلك مراجعة التعيينات القيادية التي تمت خارج قواعد الخدمة المدنية، والتحقيق في حالات تضارب المصالح، والتزوير في المؤهلات، والتعيينات القائمة على الولاء التنظيمي، واستغلال المال العام، والتدخل الحزبي في قرارات التوظيف والترقية والفصل. ويجب أن تتم المراجعة بواسطة مفوضية مستقلة ذات صلاحيات محددة، وأن يكون لكل موظف حق معرفة أسباب القرار والطعن فيه أمام القضاء. أما شاغلو المواقع القيادية في الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، فيخضعون لتدقيق أكثر صرامة بسبب حساسية وظائفهم، مع اعتماد معايير موحدة تشمل السجل المهني، والانضباط الدستوري، والارتباط بالتشكيلات غير القانونية، والمسؤولية عن الانتهاكات.

ويجب فصل أجهزة الاستخبارات عن الأحزاب، ومنعها من مراقبة النشاط السياسي السلمي أو التدخل في الانتخابات أو إدارة المؤسسات الاقتصادية والإعلامية. كما ينبغي إخضاع ميزانياتها لرقابة مدنية سرية ومنتظمة، وإنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى الانتهاكات، وحظر الاعتقال خارج القانون، وإلغاء السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية، وإلزام الأجهزة بالإفصاح عن أماكن الاحتجاز وأسماء المحتجزين. وتُعد هذه الإجراءات ضرورية لمنع إعادة بناء جهاز دولة موازٍ يستطيع تعطيل الحكومة المدنية حتى بعد توقيع اتفاق السلام.

ويجب أن يتضمن إصلاح القطاع الأمني مبادئ واضحة، أهمها خضوع القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية دستورية، ووحدة القيادة القانونية، وحظر النشاط الحزبي داخل المؤسسات النظامية، ومنع استخدام القوات المسلحة في المنافسة الانتخابية، وإخضاع الإنفاق الدفاعي والاقتصادي لرقابة مدنية، وتحديد مهام الأجهزة الاستخباراتية، وإلغاء الصلاحيات التي تسمح لها بالاعتقال أو إدارة الشركات أو التدخل في القضاء والإعلام.

وتُعد عملية إصلاح القطاع الأمني أوسع من إعادة توزيع المناصب بين الضباط أو دمج بعض التشكيلات. فهي تشمل مراجعة العقيدة الأمنية، وإعادة تحديد مهام المؤسسات، وتدقيق القيادات، وإصلاح التعليم والتدريب العسكري، ووضع قواعد للترقية والتقاعد، وتحديد المسؤولية عن الأوامر، وإعادة بناء الشرطة المدنية، وتعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية. وقد شدد مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن في أدبياته على أن الرقابة المدنية والمساءلة والشفافية عناصر جوهرية في الحوكمة الأمنية خلال الانتقال، لا إضافات شكلية تأتي بعد استقرار المؤسسات (DCAF, 2026).

كما ينبغي ألا يتحول التدقيق الأمني إلى عملية تصنيف أيديولوجي للضباط أو الموظفين. فالمعيار هو السلوك والارتباط التنظيمي الفعلي والقدرة على تنفيذ أوامر غير دستورية أو المشاركة في انتهاكات. ويجب أن تميز إجراءات التدقيق بين من كان عضواً في حزب سياسي، ومن استخدم موقعه الوظيفي لتوجيه الموارد لمصلحة الحزب، ومن شارك في انقلاب أو جريمة أو قيادة تشكيل مسلح. ولا يجوز أن يُعاقب الموظف التقني لمجرد انتمائه الفكري أو صلاته العائلية، بينما ينبغي أن يخضع المسؤول الذي ثبتت مسؤوليته عن فساد أو انتهاكات للمساءلة حتى إن لم يكن عضواً في أي تنظيم.

ويجب أن تُستكمل عملية المراجعة بإصلاح نظام الخدمة المدنية، وإنشاء نظام توظيف تنافسي وشفاف، وإعادة تفعيل مفوضيات الخدمة العامة، وحماية الموظفين من الفصل التعسفي، وإقرار مدونات سلوك مهنية، ونشر معايير التعيين والترقية. ويجب أن تشمل الإصلاحات الولايات والمحليات، لا الوزارات المركزية وحدها، لأن شبكات التمكين يمكن أن تستمر عبر الإدارات المحلية والمشروعات والعقود والسلطات الولائية.

الفصل السابع: حماية العملية السياسية والإعلام والمجتمع المدني من الابتزاز والاختراق

ينبغي ألا تُترك الأحزاب المدنية واللجان المهنية والنقابات ولجان المقاومة والنساء والشباب تحت تهديد المليشيات أو شبكات الابتزاز. ويجب توفير حماية قانونية وأمنية للشهود والمبلغين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإنشاء قنوات آمنة للإبلاغ عن التهديدات، والتحقيق في حملات الاغتيال والترويع والتحريض المباشر على العنف. كما ينبغي أن تلتزم وسائل الإعلام العامة بالحياد، وأن تخضع ملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها للإفصاح، وأن يُمنع استخدام مؤسسات الدولة في الدعاية الحزبية أو التحريض على جماعات سكانية.

وفي الوقت ذاته، لا يجوز تعريف «الإعلام المفسد» بأنه الإعلام المعارض أو الناقد أو الذي يكشف إخفاقات الحكومة الانتقالية. فحرية التعبير شرط لمراقبة السلطة، بينما تكون المسؤولية القانونية مبررة عند التحريض المباشر على العنف أو التهديد أو نشر معلومات كاذبة مع العلم بكذبها وبقصد إحداث ضرر محدد، وفق تعريفات قانونية دقيقة ورقابة قضائية. ويجب أن تشمل القواعد جميع الأطراف، بما فيها الإعلام العسكري والإعلام الحزبي والإعلام المرتبط بالقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والتنظيمات الإسلامية.

ويجب أن تتضمن الاستراتيجية برنامجاً وطنياً لمكافحة التضليل السياسي المرتبط بالحرب، يقوم على نشر المعلومات الموثقة بسرعة، وتوفير منصات مستقلة للتحقق، وإتاحة البيانات الرسمية، وتدريب الصحفيين على التحقق من الصور والفيديوهات والمقاطع القديمة التي يعاد نشرها بوصفها أحداثاً جديدة. ولا ينبغي أن تتولى الحكومة وحدها تحديد الحقيقة، لأن ذلك قد يحول مكافحة التضليل إلى رقابة سياسية. والأفضل إنشاء شبكة مستقلة تضم مؤسسات إعلامية وجامعات ومراكز بحثية ومنظمات حقوقية، وتعلن منهجيتها ومصادرها وحدود التحقق.

كما ينبغي منع استخدام المساجد والمؤسسات الدينية أو الدعوية في التعبئة العسكرية أو التحريض على قتل المدنيين أو تكفير الخصوم السياسيين. وفي المقابل، يجب حماية حرية العبادة والعمل الديني المستقل، ومنع الدولة من فرض تفسير ديني واحد أو استهداف المؤسسات الدينية لمجرد اختلافها الفكري. ويكون التدخل القانوني مشروعاً عندما يثبت استخدام مؤسسة دينية أو اجتماعية في التجنيد المسلح أو التمويل غير المشروع أو التحريض المباشر على العنف، لا لمجرد ممارسة نشاط ديني أو اجتماعي.

ويجب أن تشمل الحماية النساء والنازحين واللاجئين والقيادات المحلية والناشطين في الولايات، لأن المفسدين قد يستهدفون المجتمعات المحلية لإفشال المصالحات أو وقف إطلاق النار. وتحتاج لجان الوساطة المحلية إلى حماية وتدريب ودعم مالي مستقل، مع ضمان عدم تحويلها إلى أدوات تابعة للقوات أو الأحزاب. كما ينبغي أن تتضمن اتفاقات السلام آليات واضحة لمنع الانتقام المحلي، وحماية العائدين، وتسوية النزاعات حول الأراضي والممتلكات، وتعويض المتضررين.

وتُعد المشاركة الواسعة للمجتمع المدني عاملاً أساسياً في شرعية الانتقال. وقد خلصت دراسة المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية بشأن تشكيل حكومة انتقالية في زمن الحرب في السودان إلى صعوبة نجاح الحكومة المؤقتة دون توافق سياسي ووقف لإطلاق النار، وإلى أهمية المجتمع المدني والنقابات والقيادات ذات الخبرة في إدارة الأزمات (Saeed, 2024). International IDEA +1 ولذلك ينبغي ألا تُختزل العملية السياسية في التفاوض بين القيادات العسكرية والتنظيمات الحزبية القديمة، بل يجب أن تشمل النقابات والنساء والشباب والنازحين واللاجئين والولايات والمجتمعات المتضررة.

الفصل الثامن: العقوبات المتدرجة والمساءلة ومنع الإفلات من العقاب

ينبغي أن يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار والانتقال الديمقراطي جدولاً واضحاً للمخالفات والعقوبات، بحيث لا تُترك الاستجابة للضغوط السياسية أو تقديرات الوسطاء وحدهم. وتشمل التدابير الممكنة الإنذار الرسمي، وطلب وقف الفعل المخالف، وإلزام الطرف بتصحيح الوضع، ونشر تقرير التحقق، وتعليق الامتيازات السياسية أو الإدارية المرتبطة بالاتفاق، وتجميد أصول محددة بأمر قضائي، وفرض حظر سفر على المسؤولين المتورطين، وإحالة الأدلة إلى النيابة العامة أو الجهات القضائية المختصة، وطلب تدابير دولية عند وجود اختصاص قانوني مناسب.

ويجب ألا تُفرض العقوبات على تنظيم أو جماعة بأكملها لمجرد اتهام غير مثبت، بل تُحدد المسؤولية بحسب الفعل والقيادة والتمويل والقدرة على المنع أو الإيقاف. فإذا ارتكبت مجموعة مسلحة هجوماً، ينبغي تحديد الوحدة التي نفذته، وسلسلة القيادة، والجهة التي زودتها بالسلاح، والمسؤولين الذين أمروا أو تستروا أو امتنعوا عمداً عن منع الجريمة رغم قدرتهم القانونية والفعلية. وإذا ثبت أن قيادة سياسية أو تنظيمية وجهت الهجوم أو مولته أو وفرت له الغطاء، تخضع للمساءلة المناسبة. أما إذا لم تثبت صلة تنظيمية أو مسؤولية فردية، فلا يجوز توسيع الاتهام ليشمل كل من يشارك تلك الجماعة في الفكر أو الدين أو الرأي السياسي.

ويجب أن تتضمن منظومة المساءلة حماية الشهود والضحايا، وحفظ الأدلة، وتوثيق مواقع المقابر الجماعية، وجمع السجلات الطبية، وتسجيل المفقودين والمحتجزين، والتحقيق في حالات الاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي. وينبغي أن تكون هناك نيابة متخصصة في الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة، ومحاكم مستقلة ذات ولاية واضحة، مع إمكانية التعاون مع آليات العدالة الدولية عندما تكون المحاكم الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في التحقيق والمحاكمة بصورة حقيقية.

وقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فبراير 2025 من أن الإفلات من العقاب يغذي استمرار الانتهاكات الجسيمة في السودان، ودعا إلى توسيع الجهد الدولي للمساءلة ووقف تدفق الأسلحة (United Nations Human Rights Office, 2025). United Nations in Sudan وهذا يعني أن منع المفسدين لا يقتصر على حماية المفاوضات، بل يتطلب إنهاء البيئة التي تجعل العنف قليل الكلفة على مرتكبيه، سواء كانوا من الإسلاميين أو من القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو أي تشكيل مسلح آخر.

ويجب أن يكون هناك تدرج في العقوبات، مع التمييز بين المخالفات السياسية، والمخالفات الإدارية، والجرائم المالية، والانتهاكات الحقوقية، والجرائم الدولية. فرفض حزب سياسي لجزء من الاتفاق لا يساوي ارتكاب هجوم مسلح، كما أن عدم تنفيذ بند إداري لا يساوي إصدار أوامر بقتل المدنيين. ويجب أن تتناسب العقوبة مع خطورة الفعل والأدلة والمسؤولية الفردية والقيادية.

الفصل التاسع: حل التنظيمات السياسية التي تقوض النظام الدستوري وضبط المشاركة المدنية

تؤكد المقارنات الدولية أن الاستبعاد غير المدروس قد يدفع بعض الفاعلين إلى التخريب، بينما قد يؤدي الإدماج غير المشروط إلى منحهم حق النقض على عملية السلام. ولذلك ينبغي أن يميز السودان بين المشاركة السياسية المدنية، والمشاركة في مؤسسات الحكم الانتقالي، والاندماج في القوات النظامية، والمساءلة الجنائية. وهذه أربعة ملفات مختلفة لا ينبغي دمجها في قرار واحد.

يمكن للأفراد الذين لا تثبت بحقهم جرائم أو مسؤوليات قيادية عن العنف أن يمارسوا حقوقهم السياسية وفق قانون الأحزاب والدستور، لكن لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى إعادة التنظيمات المسلحة أو الشبكات التي تقوض النظام الدستوري إلى مواقع السيطرة على أجهزة الدولة. كما لا ينبغي منح أي حزب أو جماعة حقائب وزارية أو مقاعد في مجلس السيادة أو قيادة الأجهزة الأمنية بوصفها حصة مفروضة بالقوة أو نتيجة امتلاك السلاح. ويجب أن تكون المشاركة في السلطة الانتقالية قائمة على الكفاءة والتمثيل المدني والشفافية، لا على المحاصصة العسكرية أو الدينية أو الحزبية.

ويقتضي الموقف السياسي الذي يدعو إلى حل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والتشكيلات العسكرية المرتبطة بهما التمييز بين ثلاثة أنواع من الإجراءات. الأول هو حل التنظيمات التي يثبت، من خلال التحقيقات والأدلة والقرارات القانونية، أنها استخدمت بنيتها التنظيمية والمؤسسية لتقويض النظام الدستوري أو إدارة العنف أو تمويل التشكيلات المسلحة. والثاني هو حل الأجنحة العسكرية والأمنية التابعة للتنظيمات السياسية، وهو إجراء ضروري لحماية احتكار الدولة للقوة. والثالث هو منع الأفراد من المشاركة السياسية، وهذا لا ينبغي أن يكون جماعياً أو تلقائياً، بل يخضع لقواعد دستورية وقضائية محددة، ولا يجوز أن يُبنى على مجرد الاعتقاد الديني أو العضوية السابقة وحدها.

ومن الناحية العملية، ينبغي أن يتضمن قانون الأحزاب الجديد شروطاً واضحة للتسجيل والاستمرار، منها إعلان النظام الأساسي والقيادة ومصادر التمويل، والإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات التابعة أو المرتبطة، ونشر الحسابات السنوية، وإجراء انتخابات داخلية دورية، وعدم امتلاك جناح عسكري أو أمني، وعدم تلقي تمويل من تشكيلات مسلحة أو جهات أجنبية غير معلنة، والالتزام بالتداول السلمي للسلطة. ويجب أن تكون هذه الشروط عامة على كل الأحزاب، وألا تُصمم بأثر رجعي لتستهدف تياراً سياسياً بعينه دون سند قانوني.

أما حل حزب المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية، فيجب أن يستند إلى ملف قانوني يحدد الطبيعة المؤسسية للتنظيم، وسلوكه السياسي والعسكري، وعلاقته بالانقلاب أو العنف أو التمكين، ومدى استمرارية البنية التنظيمية والمالية، وأن يُعرض على محكمة مستقلة تتيح حق الدفاع والطعن. وينبغي أن يتضمن الحكم، عند ثبوت المبررات، تحديد الأصول التي تُصادر أو تُسترد، والجهات التي تتولى إدارتها، وآلية منع انتقالها إلى واجهات بديلة، وسبل الطعن والمراجعة.

ويجب أن ينطبق المبدأ ذاته على أي تنظيم آخر يثبت أنه أنشأ جناحاً مسلحاً أو استخدم القوة لتقويض الدستور. فحظر التنظيمات المسلحة لا يمكن أن يكون انتقائياً، وإلا فقدت الدولة الجديدة مشروعيتها وأعادت إنتاج منطق الدولة الحزبية. كما ينبغي عدم الخلط بين حزب سياسي إسلامي مدني لا يمتلك جناحاً مسلحاً ولا يثبت تورطه في الانقلاب أو الجرائم، وبين تنظيم يستخدم القوة المسلحة أو أجهزة الدولة لفرض مشروعه السياسي.

وتُظهر تجربة العراق بعد 2003 أن اجتثاثاً واسعاً وغير منضبط لحزب البعث أدى إلى إقصاء موظفين على نطاق كبير، وأسهم في إضعاف مؤسسات الدولة، بينما تُظهر تجارب أخرى أن التسويات التي لا تتعامل مع شبكات العنف والقدرات المسلحة قد تسمح للمفسدين بإعادة تنظيم أنفسهم. ولذلك لا يصلح نقل نموذج أجنبي إلى السودان بصورة آلية؛ بل ينبغي بناء نموذج يجمع بين حل التنظيمات التي يثبت تورطها المؤسسي في العنف والانقلاب، وحماية الحقوق الفردية، واستمرار الخدمات العامة، وإصلاح المؤسسات الأمنية والاقتصادية والقضائية.

ويجب أن يستند هذا النموذج إلى مبادئ التناسب والضرورة والرقابة القضائية ووضوح المعايير والحق في الطعن. فحل الحزب ليس إجراءً بسيطاً، بل تدبير استثنائي ينبغي أن يُستخدم عندما تثبت خطورة التنظيم على النظام الدستوري، وأن يكون آخر الوسائل بعد دراسة البدائل الأقل تقييداً للحقوق. ويجب أن يوضح القانون أن حل التنظيم لا يجرّم كل أعضائه تلقائياً، ولا يمنعهم جميعاً من ممارسة الحقوق السياسية الفردية، ما لم تثبت بحقهم أسباب قانونية مستقلة للحرمان.

الفصل العاشر: الوضع القانوني للحركة الإسلامية وكتائب البراء بن مالك ودلالاته على السودان

تقتضي الدقة تصحيح الوضع القانوني الوارد في بعض الصياغات السابقة: ففي 9 مارس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج الحركة الإسلامية السودانية على قائمة الأشخاص المصنفين تصنيفاً خاصاً، كما حدّثت وضع كتيبة البراء بن مالك. ثم نُشر في السجل الفيدرالي الأمريكي في 16 مارس 2026 قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية أجنبية، وذكر القرار أن التسمية تشمل الأسماء البديلة: الإخوان المسلمين في السودان، والحركة الإسلامية السودانية، ولواء البراء بن مالك، وصيغاً أخرى للاسم. وأصبح التصنيف نافذاً عند النشر (U.S. Department of State, 2026; U.S. Department of the Treasury, 2026). Federal Register Public Inspection +1

لكن هذا التصنيف الأمريكي لا يعني تلقائياً أن حزب المؤتمر الوطني قد أُدرج باسمه القانوني المستقل في القرار ذاته، ولا يعني أن الولايات المتحدة أصدرت حكماً جنائياً على كل شخص سبق أن انتمى إلى الحركة الإسلامية، ولا يحل محل الإجراءات الدستورية والقضائية السودانية اللازمة لحل تنظيم أو مصادرة أصول داخل السودان. كما أن التصنيف الأمريكي لا يساوي قراراً صادراً عن مجلس الأمن، ولا ينبغي الخلط بين الآثار القانونية للتصنيف الأمريكي داخل نطاق القانون الأمريكي وبين الإجراءات التي يتعين على الدولة السودانية اتخاذها بموجب قوانينها. وتظل الادعاءات الأمريكية بشأن حجم القوة البشرية للحركة أو مصادر التدريب الخارجي أو مسؤولية أفرادها عن وقائع بعينها ادعاءات حكومية ينبغي التحقق منها مستقلاً قبل تقديمها باعتبارها حقائق قضائية نهائية. EBS PublicNow +2

أما في ما يتعلق بكتائب البراء بن مالك، فقد أدرجتها وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر 2025 بموجب الأمر التنفيذي 14098، وذكرت أن تاريخ تأسيسها المسجل هو 7 يناير 2020، ثم جرى تحديث تصنيفها في مارس 2026 وربطها في سجل الخزانة بالحركة الإسلامية السودانية (U.S. Department of the Treasury, 2025; U.S. Department of the Treasury, 2026). OFAC +2

وتكتسب هذه الوقائع أهميتها من كونها تتيح أساساً لتعاون قضائي ومالي دولي، لكنها لا تعفي السلطات السودانية من بناء ملف أدلة مستقل، ولا تغني عن إجراءات قضائية سودانية بشأن حل التنظيمات أو استرداد الأصول أو محاسبة الأفراد. كما لا يجوز استخدام التصنيف الخارجي ذريعة لتجاوز ضمانات المحاكمة العادلة أو توسيع الاتهام إلى أفراد لا توجد أدلة محددة ضدهم.

ويجب كذلك التمييز بين العقوبات المالية والتصنيف الإرهابي. فالعقوبات المالية قد تستهدف أفراداً أو شركات أو شبكات وفق معايير محددة، بينما يترتب على تصنيف منظمة إرهابية أجنبية آثار قانونية أوسع في النظام القانوني الأمريكي، من بينها تجريم تقديم الدعم المادي للمنظمة وفق الشروط القانونية ذات الصلة. ولا يعني ذلك أن كل شخص يشارك التنظيم في الفكر أو الدين أو الرأي السياسي أصبح تلقائياً خاضعاً للمساءلة الجنائية.

كما ينبغي عدم الخلط بين التصنيف الأمريكي وبين القانون السوداني. فالدولة السودانية المستقبلية تحتاج إلى قانون وطني يحدد شروط حل الأحزاب والتنظيمات، وحظر الأجنحة المسلحة، ومصادرة الأصول غير المشروعة، ومحاسبة الأفراد، وحق الطعن. ويجب أن تستند القرارات إلى أدلة قابلة للفحص، وأن تخضع لرقابة القضاء السوداني المستقل، وأن تلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

الفصل الحادي عشر: استعادة تجربة تفكيك التمكين وتصحيح أوجه قصورها

أجاز الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء في السودان في 1 ديسمبر 2019 قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019، باعتباره جزءاً من تنفيذ الوثيقة الدستورية وإعادة بناء الدولة (وزارة العدل السودانية، 2019). Ministry of Justice Sudan

لكن التجربة أظهرت أن التفكيك لا يستقيم بمجرد تشكيل لجنة أو إصدار قرارات إدارية، بل يحتاج إلى أساس قانوني متين، وملفات أدلة قابلة للمراجعة، وقضاء مستقل، وشفافية في تحديد الأصول المستردة، وحماية الحقوق الوظيفية والمالية للأفراد غير المتورطين. كما أن الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 أظهر أن تفكيك بعض واجهات النظام السابق دون إصلاح شامل للقطاع الأمني والعسكري، ودون إخضاع مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية لرقابة مدنية، لا يمنع عودة شبكات النفوذ أو تحالفاتها.

ولهذا ينبغي أن تتضمن أي عملية جديدة قانوناً انتقالياً واضحاً يحدد الأهداف والاختصاصات والآجال الزمنية، ويعرّف التمكين بأنه استخدام السلطة العامة أو المال العام أو النفوذ المؤسسي لتحقيق سيطرة حزبية غير مشروعة، أو منح امتيازات على أساس الولاء، أو إقصاء المنافسين خارج القانون. وتُراجع التعيينات والعقود والأصول والامتيازات والملكية المستترة وفق معايير موحدة، مع حق التظلم والطعن. ويجب نشر نتائج العمل بصورة دورية، بما في ذلك عدد الملفات التي فُحصت، والقرارات التي نُفذت، والأصول التي استُردت، والقضايا التي أُحيلت للقضاء، والقرارات التي أُلغيت بسبب قصور الأدلة.

ويجب أن تتجنب العملية الجديدة أوجه القصور التي يمكن أن تنشأ من الجمع بين سلطات التحقيق والاتهام والحكم والتنفيذ في جهة واحدة. فالمفوضية أو اللجنة المختصة ينبغي أن تجمع المعلومات وتحقق إدارياً وتوصي بالتدابير، لكن القرارات التي تمس الملكية أو الوظيفة أو الحقوق السياسية يجب أن تخضع لمراجعة قضائية فعالة. ويجب أن تُتاح للمتضرر معرفة الأدلة والرد عليها، وأن تكون هناك آجال محددة للبت في التظلمات، وألا تتحول الإجراءات المؤقتة إلى عقوبات دائمة دون حكم نهائي.

كما يجب أن تنشر اللجنة تقارير مالية مفصلة عن الأصول المستردة، وتوضح قيمتها ومواقعها وحالتها القانونية والجهة التي تديرها. وينبغي إنشاء سجل إلكتروني للقرارات والأحكام، مع حماية البيانات الشخصية، حتى لا تتحول عملية إزالة التمكين إلى مجال للتسويات غير الشفافة أو التصرف في الممتلكات المستردة لمصلحة أطراف سياسية جديدة.

ويجب ألا تكون إزالة التمكين مرادفاً لإزالة الموظفين. فالخدمة المدنية تحتاج إلى الخبرات المهنية التي تضمن استمرار التعليم والصحة والمياه والكهرباء والمصارف والضرائب والجمارك والنقل. ويجب الحفاظ على الموظفين الأكفاء الذين لم تثبت مشاركتهم في فساد أو انتهاكات أو استخدام غير مشروع للوظيفة العامة، مع إعادة بناء نظم التوظيف والترقية على أساس الكفاءة والشفافية. كما ينبغي توفير تدريب مهني وإعادة تأهيل لمن تضرروا من التسييس أو الإقصاء غير القانوني.

الفصل الثاني عشر: التنفيذ المرحلي والضمانات الواقعية لمنع عودة المفسدين

لا يمكن تنفيذ جميع الإجراءات دفعة واحدة في بلد يعيش حرباً وانهياراً مؤسسياً وتعدد مراكز القوة. ولذلك ينبغي تقسيم الاستراتيجية إلى مراحل متتابعة، مع السماح بالتداخل بين بعض المسارات عندما تتوافر القدرة المؤسسية.

تبدأ المرحلة الأولى بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتجميد التجنيد والتسليح، وحصر التشكيلات المسلحة، وإنشاء آلية المراقبة والتحقق. وفي هذه المرحلة يجب ألا يُسمح لأي طرف بتوسيع مناطق سيطرته أو إنشاء قوات جديدة أو تغيير مواقع الأسلحة الثقيلة خارج الاتفاق. كما ينبغي أن تبدأ عملية تسجيل الأفراد والأسلحة والمواقع، وأن تُحدد القيادات المسؤولة عن تنفيذ الاتفاق.

وتتمثل المرحلة الثانية في تفكيك التشكيلات الحزبية والموازية، وتجميع الأسلحة، وإغلاق المعسكرات غير القانونية، وإلغاء سلاسل القيادة المستقلة، وبدء برامج التسريح وإعادة الإدماج. ويجب أن تكون برامج إعادة الإدماج واقعية، لأن المقاتل الذي يفقد مصدر دخله ولا يجد عملاً أو تدريباً أو حماية اجتماعية قد يعود إلى السلاح أو ينضم إلى شبكات الجريمة المنظمة. وتوضح الأمم المتحدة أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تهدف إلى مساعدة أفراد الجماعات المسلحة على ترك السلاح والخروج من التنظيم والعودة إلى الحياة المدنية، وأن الدعم الاقتصادي والتعليمي والتوظيفي يمكن أن يقلل مخاطر العودة إلى الجماعات المسلحة (United Nations, n.d.). PEACEBUILDING AND PEACE SUPPORT

وتتطلب المرحلة الثالثة إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والخدمة المدنية، وإعادة هيكلة الأجهزة، ومراجعة القيادات والتعيينات، وإخضاع المؤسسات الاقتصادية للرقابة المدنية. ويجب ألا تتحول عملية دمج المقاتلين السابقين في القوات النظامية إلى مكافأة جماعية للتنظيمات المسلحة أو وسيلة لإدخال شبكات حزبية جديدة إلى المؤسسة العسكرية. ولذلك ينبغي أن يكون الدمج فردياً ومشروطاً بالمؤهلات والتدريب والسجل المهني والسلوك، وأن يُرفض دمج الوحدات العسكرية بوصفها وحدات كاملة تحت قياداتها السابقة.

وقد أوضح معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن العلاقة بين نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني ذات طبيعة سياسية، لأن نتائجها تؤثر في توزيع القوة، وأن نجاحها يمكن أن يدعم بناء الثقة وتقوية سلطة الدولة، بينما قد يؤدي سوء تصميمها إلى إعادة إنتاج التحديات الأمنية (SIPRI, 2026). SIPRI وهذا الدرس بالغ الأهمية للسودان، حيث لا ينبغي تحويل دمج المقاتلين إلى وسيلة للمحاصصة أو شراء الولاءات أو إضفاء الشرعية على التشكيلات المسلحة.

أما المرحلة الرابعة فتتمثل في إعادة بناء النظام الحزبي والانتقال الدستوري، من خلال قانون أحزاب جديد، وانتخابات داخلية ديمقراطية، وإفصاح مالي، ومنع الأجنحة المسلحة، وإصلاح قوانين الانتخابات، واستعادة استقلال القضاء، وإعداد دستور دائم يضمن المواطنة المتساوية والفصل بين السلطات واحتكار الدولة للقوة المسلحة. ويجب ألا تُجرى الانتخابات قبل توفير الحد الأدنى من الأمن وحرية التنظيم والإعلام وعودة النازحين واللاجئين، وضمان مشاركة المواطنين في الولايات المختلفة.

ويجب أن تتضمن الخطة مؤشرات أداء قابلة للقياس، منها نسبة التشكيلات المسلحة التي سُجلت، وعدد الأسلحة التي جرى تسليمها والتحقق منها، وعدد المعسكرات التي أُغلقت، ونسبة الأفراد الذين أكملوا برامج إعادة الإدماج، وعدد المؤسسات التي خضعت للتدقيق المالي، وقيمة الأصول التي استُردت بحكم قضائي، وعدد التعيينات التي راجعتها مفوضية الخدمة المدنية، وعدد الانتهاكات التي أُحيلت إلى القضاء، ونسبة تنفيذ توصيات آلية مراقبة وقف إطلاق النار.

كما ينبغي تحديد جدول زمني واقعي، لا يُستخدم لإعلان نجاح شكلي. فالأولوية في الأشهر الأولى هي وقف العنف وتثبيت الهدنة وحماية المدنيين. ثم تأتي عملية حصر السلاح والتدقيق المالي والأمني. وبعد ذلك تتوسع عملية الإصلاح المؤسسي والدستوري. ولا ينبغي ربط الانتخابات بموعد تقويمي جامد إذا لم تتوافر شروطها، لكن يجب أيضاً منع تمديد الفترة الانتقالية دون مراجعة ومحاسبة وتفويض مدني واضح.

الخاتمة النقدية: تفكيك القدرة على الإفساد لا صناعة إقصاء جديد

إن منع الإسلاميين السودانيين من لعب دور المفسدين في وقف الحرب والانتقال الديمقراطي يتطلب أكثر من موقف سياسي رافض لعودتهم إلى السلطة، وأكثر من تصنيف دولي أو قرار بحل حزب. المطلوب هو تفكيك مصادر القوة التي تسمح بإفشال السلام: التشكيلات المسلحة، وشبكات التمويل، والاختراق المؤسسي، والقيادات التي تصدر الأوامر أو توفر الغطاء، والواجهات التي تعيد إنتاج التنظيم تحت أسماء جديدة، والقدرة على ابتزاز القوى المدنية أو تعطيل المؤسسات الانتقالية.

ويجب أن يكون الموقف واضحاً في دعم حل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والتشكيلات العسكرية المرتبطة بهما عندما تستوفي ملفاتها المعايير القانونية والدستورية اللازمة، وفي مقدمتها كتائب البراء بن مالك، مع حل أي جناح عسكري أو أمني حزبي آخر، أياً كانت هويته. كما يجب تفكيك التمكين في الخدمة المدنية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصاد، واسترداد الأموال العامة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم، ومنع إعادة بناء الشبكات التنظيمية التي تستخدم الدولة أو السلاح لفرض مشروع سياسي.

لكن هذا الموقف لا ينبغي أن يتحول إلى حظر جماعي للأفراد بسبب الدين أو الفكر أو العضوية السابقة، ولا إلى عقوبة سياسية دون أدلة، ولا إلى تكرار ممارسات الإقصاء التي أضعفت مؤسسات الدولة. فالتمييز الضروري هو بين التنظيم الذي يثبت أنه استخدم بنيته المؤسسية لتقويض النظام الدستوري أو إدارة العنف، وبين الفرد الذي لم تثبت مسؤوليته عن جريمة أو فعل غير قانوني. كما يجب أن تُطبق قواعد حظر الأجنحة المسلحة والتمويل غير المشروع على جميع الأحزاب والقوى المسلحة، لا على الإسلاميين وحدهم.

وتكمن المخاطرة الكبرى في أن يؤدي استبعاد الإسلاميين من بعض ترتيبات السلطة دون تفكيك شبكاتهم إلى دفعهم نحو التخريب من خارج المؤسسات، بينما يؤدي إدماجهم غير المشروط إلى إعادة منحهم القدرة على التحكم في أجهزة الدولة. والحل ليس في أحد الطرفين بصورة مطلقة، بل في الجمع بين منع التنظيمات التي يثبت خطرها المؤسسي من السيطرة على الدولة، وحل أجنحتها المسلحة، وتجفيف مصادر تمويلها غير المشروع، ومحاسبة قياداتها المتورطة، مع حماية الحقوق السياسية الفردية لمن لم تثبت بحقهم أسباب قانونية للحرمان.

ولا يقل عن ذلك أهمية منع القوى العسكرية الأخرى من إعادة إنتاج التمكين بصيغ جديدة. فإذا أُزيلت شبكات الحركة الإسلامية ثم حلت محلها شبكات حزبية أو عسكرية أو تجارية أخرى، فلن يكون السودان قد انتقل إلى دولة مدنية، بل يكون قد استبدل شبكة هيمنة بشبكة أخرى. ولهذا يجب أن يكون إصلاح الدولة شاملاً، وأن يخضع الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة والأجهزة الأمنية والشركات العسكرية والموارد العامة جميعها لسلطة مدنية دستورية وقواعد قانونية موحدة.

والخلاصة أن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد إسكات البنادق، بل بإزالة الحوافز والقدرات التي تجعل الحرب خياراً مربحاً لبعض الشبكات. ولا يتحقق الانتقال الديمقراطي بمجرد تغيير الحكومة، بل بإعادة بناء المؤسسات التي تمنع أي تنظيم من احتكار الدولة أو استخدام السلاح أو المال العام أو الأجهزة الأمنية لفرض سلطته. ومن ثم فإن الاستراتيجية الأكثر واقعية للسودان هي استراتيجية مزدوجة: حزم قانوني ومؤسسي تجاه التنظيمات والتشكيلات التي يثبت تورطها في العنف والانقلاب والتمكين، وانفتاح سياسي منضبط تجاه الأفراد والمجموعات التي تقبل العمل المدني السلمي والخضوع للدستور والقانون.

إن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون باستقلال القضاء، وتوافر إرادة سياسية مدنية، ووجود اتفاق لوقف إطلاق النار قابل للتحقق، وإصلاح حقيقي للقطاع الأمني، وتعاون دولي لا يحل محل الإرادة السودانية، وشفافية مالية، وحماية المجتمع المدني. أما إذا بقيت أدوات التنفيذ في يد الأطراف المتحاربة أو شبكات المصالح القديمة، فإن القرارات ستظل حبراً على ورق، وقد يتحول تفكيك التمكين إلى شعار جديد تتنافس عليه القوى المسلحة بدلاً من أن يكون مدخلاً لبناء الدولة.

المراجع

المراجع الإنجليزية

1. Cartier C, Kahan E, Zukin I. Breaking the Bank: How Military Control of the Economy Obstructs Democracy in Sudan. Washington, DC: C4ADS; 2022. Accessed November 2, 2026.

2. C4ADS. Bullion for Bullets: The Role of Mining in Sudan’s Conflict Economy. Washington, DC: C4ADS; 2025. Accessed November 2, 2026.

3. DCAF. Security Sector Governance in Transition: Civilian Oversight of the Security Sector. Geneva: Geneva Centre for Security Sector Governance; 2026. Accessed November 2, 2026.

4. International Institute for Democracy and Electoral Assistance. Options for Forming a Transitional Government in Wartime in Sudan. Stockholm: International IDEA; 2024. Accessed November 2, 2026.

5. International Institute for Democracy and Electoral Assistance. Options for Post-Conflict Constitutional Arrangements in Sudan. Stockholm: International IDEA; 2024. Accessed November 2, 2026.

6. Ladley A. The Possible Role and Risk of Power-Sharing in Sudan: Options for Power-Sharing in Sudan. Stockholm: International IDEA; 2024. Accessed November 2, 2026.

7. Medani KM. From Remittance Economy to Rentier State: The Rise and Fall of an Islamist Authoritarian Regime in Sudan. In: Black Markets and Militants. Cambridge: Cambridge University Press; 2022.

8. Saeed SA. Options to Form a Transitional Government in Wartime in Sudan. Stockholm: International IDEA; 2024.

9. SIPRI. Security Sector Reform and United Nations Transitions: Factors for Success. Stockholm: Stockholm International Peace Research Institute; 2026. Accessed November 2, 2026.

10. Stedman SJ. Spoiler Problems in Peace Processes. International Security. 1997;22(2):5–53.

11. U.S. Department of State. Foreign Terrorist Organization Designation of Sudanese Muslim Brotherhood. Federal Register. Washington, DC: U.S. Government Publishing Office; 2026 Mar 16. Accessed November 2, 2026.

12. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Muslim Brotherhood. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2026 Mar 9. Accessed November 2, 2026.

13. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Muslim Brotherhood and Updates Designations Related to Sudan. Washington, DC: Office of Foreign Assets Control; 2026. Accessed November 2, 2026.

14. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Islamist Militia and Other Actors for Destabilizing Sudan. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2025 Sep 12. Accessed November 2, 2026.

15. United Nations. Disarmament, Demobilization and Reintegration. New York: United Nations Peacebuilding; undated. Accessed November 2, 2026.

16. United Nations Human Rights Office. Entrenched Impunity Fuelling Gross Human Rights Violations and Abuses. Geneva: Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights; 2025. Accessed November 2, 2026.

17. United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. A War of Atrocities: Sudan Civilians Deliberately Targeted, International Crimes on Large Scale. Geneva: United Nations Human Rights Council; 2025. Report A/HRC/60/22. Accessed November 2, 2026.

المراجع العربية

1. وزارة العدل السودانية. قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019. الخرطوم: وزارة العدل السودانية؛ 2019. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

2. الأمم المتحدة. نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. نيويورك: إدارة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة؛ دون تاريخ. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

3. المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية. خيارات تشكيل حكومة انتقالية في زمن الحرب في السودان. ستوكهولم: المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية؛ 2024. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

4. المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية. خيارات الترتيبات الدستورية في السودان بعد النزاع. ستوكهولم: المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية؛ 2024. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

5. مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. الإفلات الراسخ من العقاب يغذي الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة لحقوق الإنسان في السودان. جنيف: مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ 2025. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

6. بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان. حرب الفظائع: استهداف المدنيين السودانيين وارتكاب جرائم دولية على نطاق واسع. جنيف: مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ 2025. الوثيقة A/HRC/60/22. تاريخ الوصول: 2 نوفمبر 2026.

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المعاق في السودان..أزمة مصطلح أم أزمة مفهوم؟! .. بقلم: البراق النذير الوراق
منبر الرأي
نِدَاءٌ إنْسَانِيٌّ إلَى البُرْهَانِ وحِمِيدْتِي: أوْقِفَا الحَرْبَ عَلَى الإنْسَانِ السُوْدَانِي
الخرطوم واستقبال عقل الاستنارة .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي
السيد عبدالرحمن المهدي والتعليم (3-3): عرض لكتاب “الجزيرة ابا: همس التاريخ” د. الطيب احمد هارون .. عرض: صديق امبده
منبر الرأي
حلايب بين الارتباك السوداني والتعنّت المصري والأجهزة العدليّة .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

السودان في مذكرات عمرو موسي .. بقلم: خالد موسى دفع الله

خالد موسى دفع الله
منبر الرأي

الزيارة الرخيصة .. بقلم: عبدالإله زمراوي

عبد الإله زمراوي
منبر الرأي

نحن ما رضيناها ليك !! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي
منبر الرأي

دارفور: نزاع الجغرافيا والتاريخ او الكلاش البجيب الكاش البقلل النقاش .. بقلم: حسين التهامى

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss