تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية: دراسة نقدية حول القرار رقم (9) لسنة 2025 الصادر عن مسجل عام تنظيمات العمل

أولاً: مقدمة
تأتي هذه الدراسة في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة يمر بها السودان، حيث يعيش العمال السودانيون والسودانيات أوضاعًا مأساوية نتيجة الحرب الدائرة منذ عام 2023. وقد أدت هذه الحرب إلى نزوح وتشريد مئات الآلاف، وتعطيل واسع النطاق لمواقع العمل، وانهيار في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرة الحركة النقابية على ممارسة دورها الطبيعي في تمثيل وحماية حقوق العمال.
في هذا السياق، أصدر مسجل عام تنظيمات العمل بوزارة العدل القرار رقم (9) لسنة 2025، القاضي بإعلان انتهاء دورة جميع المكاتب التنفيذية للمنظمات النقابية وحلها اعتبارًا من 29 مايو 2025، مع إعادة تعيين الأعضاء ذاتهم – الذين حُلّت مكاتبهم – كلجان تمهيدية لإدارة النقابات، دون العودة إلى الجمعيات العمومية أو القواعد النقابية، صاحبة الحق الأصيل في اختيار ممثليها.
ثانيًا: قراءة في القرار ومشكلاته
رغم إشارة المسجل إلى أنه تشاور مع المكتب التنفيذي للاتحاد العام للنقابات، فإن هذا المكتب لم يرجع إلى القواعد النقابية أو الجمعيات العمومية، ولم يطرح الأمر على العمال للموافقة أو الرفض. وهذا يعني أن القرار جاء إجراءً فوقيًا وأحاديًا، يفتقر إلى السند القانوني، ويشكل تغولًا على صلاحيات القواعد النقابية، ومصادرة للإرادة الحرة للعمال.
كما أن البيئة الحالية، في ظل الحرب، لا تسمح بإجراء انتخابات نقابية حرة ونزيهة، وهو ما يجعل القرار غير واقعي ويفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، يكشف القرار بوضوح عن محاولة من سلطات الأمر الواقع لفرض الوصاية على الحركة النقابية، والسيطرة على مواردها المالية وممتلكاتها، وتوجيهها لخدمة أجندات سياسية، من بينها دعم المجهود الحربي.
ثالثًا: المخالفات القانونية

  1. مخالفة صريحة لقانون النقابات العمالية لسنة 2010:
    المادة 14 (1): تحصر تحديد نهاية الدورة النقابية في الاتحاد العام بعد التشاور مع المسجل، دون أن تتضمن صلاحية حل النقابات أو الاتحاد.
    المادتان 13 و5: تؤكدان على استقلالية النقابة وإدارتها وفق نظامها الأساسي الذي يقرره أعضاؤها.
    المادة 35: تحدد على وجه الحصر الحالات التي يجوز فيها حل النقابات أو أجهزتها، ولم يتحقق أي منها في هذه الحالة.
    المادة 34: لا تمنح المسجل الحق في إنهاء دورة المكاتب التنفيذية أو فرض لجان تسيير، إلا في حال وجود مخالفات انتخابية مثبتة.
    المادتان 6 و29: تحددان أن وظيفة المسجل تنفيذ أحكام القانون، لا إعادة تشكيل الحركة النقابية بقرارات فوقية.
  2. التعارض مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87):
    المادة 3: تكفل للنقابات حرية وضع أنظمتها الداخلية وانتخاب ممثليها دون تدخل السلطات العامة.
    المادة 4: تحظر حل النقابات أو وقف نشاطها بقرار إداري.
    المادة 8 (2): تمنع تطبيق القوانين الوطنية بما يقلّص الضمانات المقررة في الاتفاقية.
    رابعًا: الآثار المترتبة على القرار
    يترتب على هذا القرار آثار خطيرة تمس جوهر الحرية النقابية، من أبرزها:
  3. تقويض استقلالية الحركة النقابية وإضعاف ديمقراطيتها الداخلية.
  4. مصادرة حق العمال في اختيار من يمثلهم بحرية، وحرمانهم من آليات الرقابة والمساءلة الداخلية.
  5. تكريس هيمنة السلطة الإدارية على المنظمات النقابية وإفراغها من مضمونها النضالي.
  6. تسييس العمل النقابي وتوظيفه لخدمة أجندات سياسية مرتبطة بسلطة الأمر الواقع، بما في ذلك دعم المجهود الحربي.
    خامسًا: التقييم القانوني والنقابي
    إن القرار رقم (9) لسنة 2025 باطل شكلًا وموضوعًا، لافتقاره السند القانوني، ومخالفته الصريحة لقانون النقابات العمالية لسنة 2010، وخرقه للاتفاقيات الدولية المصادق عليها من السودان، وعلى رأسها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87). كما أنه يتعارض مع أبسط مبادئ الحكم الرشيد في إدارة العمل النقابي، ويكرّس ثقافة الوصاية والتدخل الإداري في شؤون العمال.
    سادسًا: التوصيات
    استنادًا إلى ما سبق، توصي تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية بما يلي:
  7. إلغاء القرار فورًا، باعتباره قرارًا إداريًا مخالفًا للقانون والدستور والاتفاقيات الدولية.
  8. وقف جميع أشكال التدخل الإداري في شؤون النقابات، وضمان استقلالها الكامل.
  9. تأجيل أي عملية انتخابية حتى عودة الاستقرار وتهيئة بيئة ديمقراطية حقيقية تسمح بمشاركة جميع العمال والعاملات، بمن فيهم المشردون والنازحون في الداخل والمهجر.
  10. دعوة منظمة العمل الدولية لإرسال بعثة تقصّي حقائق لمراقبة أوضاع الحريات النقابية في السودان.
    سابعًا: موقف التنسيقية
    تؤكد تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية رفضها القاطع لأي محاولة لفرض الوصاية على الحركة النقابية أو مصادرة إرادة العمال. وستواصل، بكل الوسائل القانونية المشروعة، الدفاع عن حرية واستقلال العمل النقابي، والتمسك بحق العمال في اختيار ممثليهم وإدارة منظماتهم بأنفسهم، مهما كانت الظروف والتحديات.
    إعداد: تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية – المكتب التنفيذي
    https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=122151127922669790&id=61570093701877&mibextid=Nif5oz
    نعملنقاباتالعمال
    لالنقاباتالسلطة
    العمالاصحابالحق

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

رائدات أعمال لا نازحات: كيف شكلت المرأة السودانية حياتها بعد الحرب؟

منتدى الإعلام السوداني: آلاء البرير: عطبرة، 14 فبراير 2026 (راديو البنات)- في بلدٍ أنهكته الحرب …