تصريحات الحاج آدم يوسف، القيادي في الحزب الذي لفظه التاريخ ولم تغادره شهوة السلطة والنفوذ، تكشف نبضاً قديماً لم يمت. صوت ينهض من الحطام ليعلن أن العقل الذي قاد السودان إلى الهاوية ما زال يتنفس، ويتوهّم أن البلاد يمكن أن تعود إلى نقطة الصفر بقرار يُتخذ في غرفة مغلقة، أو بتصريح يلقيه صاحب منصب سابق على شاشة.
الرجل، الشهير بـ “الحاج قمصان” تجاوز في مقابلة مع الجزيرة مباشر حدود الجدل السياسي. حدّد موقعه خارج الدولة، وخارج أي إطار مؤسسي، حين أعلن أن قرار البرهان بقبول وقف إطلاق النار لا يلزمهم. عبارة قصيرة حملت تاريخاً ثقيلاً. بدت كجرس إنذار يذكّر السودانيين بالمشروع الذي حكمهم ثلاثة عقود: تنظيم يرى الوطن مساحة نفوذ، والجيش ذراعاً أمنية، والدولة لافتة يمكن تغييرها في أي لحظة.
حديثه عن أن “الوضع لا يحتمل وقف العمليات العسكرية” يعيد تدوير الخطاب ذاته الذي أشعل دارفور، وأغرق المدن في الرماد، وحوّل السياسة إلى معركة مفتوحة. لغة تشبه تلك التي اعتادت أن تقيس قوة الفكرة بعدد البنادق، وأن تزن المستقبل بالذخيرة، وأن ترى المدنيين مجرد خلفية للمشهد لا مركزه.
من اعتاد على إدارة البلاد كرقعة شطرنج لا يسمع صراخ البيوت ولا يشم رائحة الحرائق. يرى الحرب امتداداً طبيعياً لمشروعه، ويرى السلام فخاً يهدد امتيازاته. هكذا كانت تُدار الدولة: فوق المؤسسات، فوق الناس، وفوق القدرة على الاعتراف بالخطأ.
حين يعلن قيادي مثله أنه غير معني بقرار القائد العام للقوات المسلحة، فإنه يمنح السودان هدية غير مقصودة. يكشف الجوهر العميق للمشكلة التي عصفت بالدولة: عبث سياسي لم يؤمن يوماً بسلطة القانون، وولاء تنظيمي يعلو على أي ولاء للوطن، وقناعة راسخة بأن قرار الحرب لا يصدر من القصر الجمهوري بل من الظلال التي تحكم من خلف الستار.
هذه الذهنية هي التي كسرت المؤسسة العسكرية، وفتحت أبواب البلاد للميليشيات، وأطلقت صراعات لا تنتهي. ذهنية صنعت دولة موازية، ثم ألزمت الجيش بالركوع لمشروع حزبي يفتقر إلى كل ما يشبه الدولة. والسودان يدفع اليوم ضريبة تلك السنوات: مؤسسات منهكة، وجغرافيا ممزقة، ووجدان عام يفتّش عن فرصة نجاة.
المفارقة أن التيار الذي يرفع عقيرته دفاعاً عن الجيش هو ذاته الذي يرفض قرار قائده العام. خطاب يعلن الحماية بيد، ويهدم الثقة باليد الأخرى. وما يقدّمه هذا التناقض ليس سوى اعتراف مكشوف بأن المشروع القديم لم يغادر أصحابه، وأنهم ما زالوا ينظرون إلى السودان بوصفه إرثاً محجوزاً لهم، لا دولة لها مؤسسات وقيادة وقرار.
تصريحات “الحاج قمصان” لم تكن زلة لسان. جاءت كمرآة صافية تعكس نهجاً حاول السودانيون إسدال الستار عليه. نهج لا يرى الدولة سوى أداة، والجيش سوى وسيلة، والشعب سوى بضاعة تالفة يمكن تعبئتها ساعة الحاجة. نهج يستدعي الفوضى كلما شعر أن البلاد تقترب من فرصة استقرار.
السودانيون باتوا يعرفون هذه اللغة جيداً. يسمعون تحت كلماتها حنيناً إلى زمن تُدار فيه الحياة بالترهيب، وتُقسّم المدن بحسب الولاء، وتتحرك البنادق قبل المفاوضين. ومع كل تصريح كهذا، تتأكد الحقيقة التي يعرفها الجميع: من عاش على الحروب لا يصنع سلاماً، ومن دمّر الدولة لا يمنحها طريقاً إلى الهدنة، ومن اختبر لذة السلطة المطلقة لا يعترف بالوطن إلا حين يجلس على عرشه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم