بعض الناس لا يُطربون إلا إذا كتبتَ كما يكتبون، وشتمتَ كما يشتمون، وفهمتَ كما يفهمون، وكرهتَ كما يكرهون. وإلا، فأنت: “كوز”، “قحاطي”، “مدفوع لك”، “عميل”، “مطبل”، وغيرها من الأحكام المعلّبة.
هذه هي الذهنية التي تهيمن على واقعنا المأزوم، فتحوّل الانتماء إلى معسكر، والرأي إلى اصطفاف، وصار الحوار هو الضحية!
هذه النزعة القمعية موجودة في معظمنا، بل حتى لدى بعض قادة الرأي من الإعلاميين، الذين اتّخذوا من السخرية، والتجريح، والتهكّم أدواتٍ للنقد والإقناع، يبثّونها عبر المقالات، والمقابلات الفضائية، والتسجيلات الصوتية، فانعكس ذلك سلبًا على بعض شبابنا، فتراهم ما إن يصادفوا ما يخالف قناعاتهم، يسارعوا إلى الشتم والتخوين حتى قبل فهم مبررات الرأي.
وهناك من يدعون لاستمرار الحرب دون اهتمام بآثارها أو إدراك لتعقيداتها، وبدورهم يطلقون التهديدات، ويستسهلون التشكيك في وطنية من يدعون إلى إيقافها. فأصبح الحوار هو الضحية!
إنّ ضعف ثقافة الحوار بين النخب السياسية وداخل مجتمعنا ككل، ساهم في تعميق الأزمة السودانية، فكان ذلك من أسباب تعثّر عقد المؤتمر الدستوري، والفشل في صياغة مشروع وطني، وتصاعد الخلافات السياسية، والانشطارات الحزبية، والمجتمعية، وحتى الأسرية.
أنشأنا العديد من المنظمات المدنية لإدارة الأزمات، ومنصات للحوار، لكنها فشلت بسبب غياب ثقافة الحوار، فالكل يتشبّث برأيه، ويحرص على هزيمة الرأي الآخر.
إنّ من أسباب صراع السلطة وعدم استقرارها، غياب الحوار بين المدنيين والعسكريين، مما خلق فجوة نفسية ومفاهيم مغلوطة. فالعسكري يرى نفسه الأحق بالقيادة لأنه يضحّي من أجل الوطن، والمدني يرى أنه صاحب القلم والفكر المعبّر عن الإرادة الشعبية. وفي غياب الحوار، ضاعت حقيقة أنّ النهوض بالوطن لا يتم إلا بتكامل الأدوار: فلا مشروع بلا حماية، ولا قيمة للسلاح بلا مشروع.
من المفارقات المؤلمة، لغياب ثقافة الحوار، أن يغادر شقيقان منزلهما صباحًا، فيسلك أحدهما طريق الاعتصام حاملًا حلم الحرية، بينما يسلك الآخر طريقًا موازيًا إلى نفس الميدان، يحمل السلاح ويفضّ الاعتصام.!
وفي بيتٍ آخر، يحمل أحد الإخوة سلاحه ويقاتل ضمن صفوف الجيش، بينما يقف شقيقه في الجهة المقابلة، يقاتل مع الدعم السريع.!
إنّ غياب فضيلة الحوار عن حياتنا فتح الباب لسوء الفهم، والاستبداد بالرأي، وممارسة العنف، فخسر الجميع، حتى من ظنّ أنه يملك زمام السيطرة.
ونحن الآن جميعًا بأمسّ الحاجة إليه، علّه يخرجنا مما نحن فيه. فالحوار هو المدخل لنبذ الكراهية، وللتسامح والتصالح، وللخروج من حالة التشظّي، واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي.
ما لم نؤمن بذلك، ونُطبّقه في واقعنا السياسي والاجتماعي، سنظلّ ندور في ذات الحلقة الفاشلة: ديمقراطية – عسكرية – انتقالية.
لا أحد فينا يملك حق ممارس الحكمة . فإذا وافقتني في غياب ثقافة الحوار عن حياتنا، فهذا لا يكفي. عليك أن تعترف بأنك أيضًا تعاني من ذات الداء، كما أعاني أنا.
لذلك، يجب علينا، أنا وأنت، أن نبدأ بالاعتراف، ثم مجاهدة أنفسنا، وبعدها يأتي دورنا في تذكير العارف، وتنبيه الغافل. فلا وقت للمكابرة.
اللهم ألّف بين قلوب أهل السودان، واهدهم سواء السبيل.
aabdoaadvo2019@gmail.com
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم