ثنائيات سودانية .. بقلم: احمد يوسف ابوحريرة

شعبنا الكريم مولع بالثنائيات منذ عهد بعيد وحتى الان وقد اصبحت هذه السمة الغالبة خاصة في مجالات الشعر والغناء والسياسة والرياضة وخلافه. والمقصود بالثنائيات لأغراض هذا المقال ودون التعمق في التعريف او تحري الدقة هو ركائز العمل السياسي السوداني القائمة بكل بساطة على الفعل وردة الفعل. 
ولنأخذ اخر الثنائيات كمثال على هذه الحلقة المقيتة التي اوردت البلاد مهالك التشرذم والتفتت وعطب الرأي. فما ان انجزت قوى المعارضة ميثاق باريس الا وتبعت اثرها الحكومة فوقعت ميثاق اديس ابابا ثم ما ان وقعت الجبهة الثورية مع حزب الامة على نداء السودان حتى تنادت الاحزاب الحليفة للحكومة على نداء مماثل اسمته نداء الوطن. 
وقبل ذلك قبلت المعارضة بحق تقرير المصير في مؤتمر القرارات المصيرية بأسمرا فزاودت عليها الحكومة بان جعلت حق تقرير المصير بندا من ذهب على صحن من فضة وسلمته لخصمها دون مقاومة تذكر وقسمت بموجبه البلاد الى نصفين. 
وقبل ذلك بأجيال انجز الميرغني اتفاقية السلام السودانية التي عرفت في تاريخ السودان الحديث باسم اتفاقية الميرغني- قرنق فقاطعها المنافسون وسعى البعض لإنجاز اتفاق ضرار تمشيا مع عشقهم لهذه الثنائية. ولو ان الامام الصادق المهدى قد توفر له القليل من الرشد السياسي في ذلك الوقت وقبل باتفاقية الميرغني – قرنق لكان الحال غير هذا الحال ومآل البلاد غير هذا المآل. وفي ظني لو انه استقبل من امره ما استدبر وعلم ان رفضه للاتفاق كان بديله نظام الانقاذ لقبل الاتفاقية كما هي دون تعديل ووفر على وطنه وشعبه هذه المعاناة التي ظل يتقلب فيها لخمس وعشرين عاما قابلة للزيادة. 
واذا قبلنا بحتمية هذه الصفة ورجحنا احتمال اختلاف الرؤى المؤدي بالضرورة الى الوقوف على جانبي نقيض ، ستفاجأ عزيزي القارئ بأن الثنائيات الاخيرة كانت غاية في حد ذاتها خاصة وان هامش الاختلاف قد انحسر الى التفاصيل ما يعني ان الاتفاق بات ارجح من الاختلاف وثمة اضواء تخبو وتعلو في اخر النفق، لكنها المصالح الدنيوية الضيقة التي تعلو فوق سلم الاولويات وتنزوي مصالح البلاد العليا الى الاسفل ويغيب الرشد رغم ادراك الجميع بالمخاطر المحدقة والدواهي الوشيكة. 
الا وليقل لي احدا بربه ما الفرق بين ميثاق باريس وميثاق اديس؟ واي بأس نناله اذا وقعت المعارضة على نداء السودان وهو بالمناسبة لا غبار عليه من حيث انه صادر عن حركات مسلحة جنحت الى السلم ونبذت الحرب وقد دعت مكونات نداء السودان الى قيام دولة المواطنة والعدل والمساواة والحرية والديمقراطية ! ولا ارى كيف لحكومة المؤتمر الوطني التي اعتبرت الحوار جزء من مشروعها الحالي ان تناهض تلك القيم وهي النتائج المرجوة من اي حوار مهما بلغ تواضعه. 
ثم ما الذي دفع احزاب حكومة الوحدة الوطنية – كما يدعون انفسهم – لمناهضة نداء السودان ليصمموا نداء ضرار فارغ وخاوي من اي قيمة ومعنى ويدل فقط على تبعيتهم العمياء وفرط ذلهم ومسكنتهم وهم يسبحون بحمد سيدهم الاكبر المؤتمر الوطني  الذي استنكره.
فهم لا يرون الا ما يرى ويفعلون ما يؤمرون.
برأي ان ساسة هذا البلد قد توقفت ملكاتهم –ان وجدت – عن اي ابداع وجفت ينابيع مهاراتهم لتنتج حلول تلبي تطلعات شعب السودان نحو المستقبل او تحفظ ما تبقى من البلاد وتحول دون المزيد من التشظي والانقسام وقد حان للسودانيين من عامة الناس الخروج ليس لإسقاط النظام فقط بل للإسقاط المعارضة والنظام بضربة واحدة وليحدث ما يحدث اذ ان ليس بالإمكان اسواء مما كان. 

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً