الجزء الثاني
محمد سليمان علي
فالمشكلة لم تكن فقط في تداول الحكم، بل في غياب مشروع وطني جامع يحدد شكل الدولة وعلاقتها بمواطنيها. لقد عجزت النخب السياسية عن تقديم إجابات مقنعة لقضايا التنوع السوداني، واختلال التنمية، وعلاقة المركز بالأقاليم. ومع استمرار هذا العجز، تصاعدت أصوات مناطق شعرت طويلاً بأنها خارج دائرة التأثير السياسي والاقتصادي، وظهرت حركات مسلحة رفعت مطالب العدالة وإنهاء التهميش وتقاسم السلطة والثروة.
ولم يكن ظهور هذه الحركات بعيداً عن نمط الأزمة السودانية المتكرر؛ فقد نشأت في ظل دولة لم تنجح في بناء عقد وطني يستوعب جميع مكوناتها. فقد عبرت عن مظالم حقيقية ارتبطت بالتنمية غير المتوازنة، وضعف المشاركة السياسية، وإحساس قطاعات واسعة من السودانيين بأن الدولة لم تكن حاضرة بصورة عادلة في مناطقهم. لكن مع طول سنوات الصراع وتداخل المصالح الداخلية والخارجية، انتقل جزء من هذه الحركات من موقع المطالبة بإصلاح الدولة إلى امتلاك أدوات قوة داخلها، فأصبحت جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية المعقدة التي تواجه السودان.
وهكذا تكشف مسار التجربة السودانية عن حلقة مترابطة من الأزمات؛ فكلما فشلت القوى الوطنية في بناء مؤسسات تستوعب التنوع وتدير الصراع السياسي، ظهر بديل خارج إطار الدولة: مرة في صورة انقلاب عسكري، ومرة في شكل تنظيم سياسي يسعى إلى احتكار السلطة، ومرة عبر قوى مسلحة وجدت في ضعف الدولة مساحة للتمدد. ولم يكن هذا الفراغ الداخلي بعيداً عن تأثيرات الخارج، إذ أصبحت هشاشة الدولة وانقسام القوى الوطنية بيئة مثالية لتدخلات تبحث عن مصالحها في السودان.
ولم يحتج الخارج إلى صناعة أزمة السودان من الصفر؛ فقد وجد بيئة جاهزة: دولة هشة، ونخب منقسمة، ومراكز قوة تبحث عن سند يحمي مواقعها. فالموقع الجغرافي للسودان، وثرواته، وموارده، وموقعه على البحر الأحمر، جعلت منه ساحة اهتمام إقليمي ودولي. ومع غياب مشروع وطني متماسك، أصبحت التدخلات الخارجية أكثر قدرة على التأثير، ليس لأنها صنعت كل الأزمات، وإنما لأنها وجدت انقسامات داخلية قابلة للاستثمار، وقوى محلية تبحث عن الدعم خارج حدودها لتعزيز مواقعها في الداخل.
وتعقدت الأزمة أكثر مع دخول أجندات إقليمية ودولية سعت إلى توظيف التناقضات السودانية، سواء عبر دعم أطراف سياسية أو عسكرية، أو عبر التأثير في مسارات التسوية والانتقال. فكلما ضعفت الدولة وغابت الرؤية المشتركة، أصبح السودان أكثر عرضة لأن يكون ساحة لتنافس الآخرين، بدلاً من أن يكون صاحب قرار مستقل في تحديد مستقبله.
بعد سقوط نظام الإنقاذ عام 2019، ظهرت فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة، لكن القوى التي تصدرت المرحلة الانتقالية لم تنجح في تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع وطني يتجاوز أخطاء الماضي. فقد عادت سريعاً ممارسات الصراع على النفوذ وتقاسم المواقع، واستمرت حالة الاستقطاب بين المكونات المدنية، كما تداخلت الحسابات الداخلية مع تأثيرات خارجية دفعت بعض الأطراف نحو خيارات لم تساعد في بناء توافق وطني مستقر.
ولم تكن المشكلة في اختلاف القوى السياسية حول الرؤى فقط، فهذا أمر طبيعي في أي تجربة ديمقراطية، وإنما في عودة النمط القديم نفسه: التعامل مع الدولة باعتبارها ساحة نفوذ وتقاسم، وليس باعتبارها مشروعاً يحتاج إلى بناء مؤسسات وقواعد تحكم الجميع. وهكذا تأجلت القضايا الكبرى المتعلقة بإصلاح الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة.
وفي المقابل، كانت قوات الدعم السريع قد تحولت خلال السنوات السابقة إلى مركز قوة عسكري وسياسي واقتصادي مستقل، مستفيدة من ظروف نشأتها ومن ضعف مؤسسات الدولة وتعقيدات المرحلة الانتقالية. ومع تصاعد الخلافات حول مستقبل السلطة وترتيبات دمج القوات المسلحة، انتقل الصراع من ساحات السياسة إلى ساحات القوة، لتجد البلاد نفسها أمام مواجهة مسلحة واسعة في أبريل 2023.
ولم تكن الحرب مجرد خلاف بين قيادات عسكرية، كما قد تبدو في ظاهرها، بل كانت نتيجة لمسار طويل تراكمت فيه أخطاء السياسة، وضعفت فيه المؤسسات، وأصبح السلاح لاعباً أساسياً في تحديد موازين الحكم. فقد أدى غياب المشروع الوطني الجامع إلى فتح المجال أمام قوى متعددة تتنافس على الدولة بدلاً من أن تتنافس داخلها.
إن مأساة السودان ليست أن شعبه افتقر إلى الأحزاب أو الأفكار؛ فالتجربة السودانية عرفت تيارات سياسية وفكرية متعددة، وامتلكت تاريخاً من العمل العام والنقاش السياسي. لكن المعضلة الكبرى تمثلت في عجز هذه القوى عن تحويل هذا التنوع إلى مشروع دولة قادر على استيعاب اختلاف السودانيين، وبناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص والتنظيمات والولاءات.
فقد ظل السؤال الغالب طوال العقود الماضية: من يحكم السودان؟ بينما بقي السؤال الأهم مؤجلاً: كيف تُحكم البلاد؟ وكيف تُبنى دولة تكون فيها السلطة نتيجة للمؤسسات لا بديلاً عنها، ويكون فيها الجيش حامياً للدولة لا طرفاً في صراعاتها، وتكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات؟
إن الخروج من الأزمة لن يكون بإعادة إنتاج القوى نفسها، ولا باستبدال طرف مسلح بآخر، ولا بإعادة تدوير الصراعات القديمة بأسماء جديدة. بل يحتاج السودان إلى مراجعة تاريخية عميقة تعترف بأن أزمة البلاد لم تبدأ بالحرب، وأن الحرب ليست سوى نتيجة لمسار طويل من فشل بناء الدولة.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط إيقاف صوت البنادق، بل بناء دولة لا تكون غنيمة لمن يصل إلى السلطة، ولا ساحة لتنافس المحاور، بل وطناً مشتركاً لكل السودانيين، مهما اختلفت مناطقهم وثقافاتهم وتوجهاتهم.
rw3ams@gmail.com
