جرحي وآلامي – وقطف من رسائل الغربة

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

كان يناير 1980 باباً فُتح على مصيرٍ لم نكن نعرف كلّ تضاريسه. “هجرةٌ كتبها القدر”، فحملنا في باكورة شبابنا حقائب الأحلام والقلق، ونفّذناها. لاحقا إكتشفنا أن الغربة ليست بعداً جغرافيا فقط يبعدنا عن الوطن، بل هي زمن معلّقاً بين ذاكرةٍ تشتعل شمعتها على الدوام وواقعٍ مر يقشعر له القلب، لا يطاق إلا بصبر جلد الفرسان

حقيقة وبتعبير آخر “نزحنا”، لنشعر بالحرية، ونحفظ كرامة المهنة “وقد بدأت تستهان”، ونحترم إنسانيتنا
لنعود بالنفع الكثير لتلك الأسر الكريمة التي كانت تعد الأيام والشهور والسنين ، ترقب خطواتنا، تنتظر جني ثمار صبرها ودعمها اللامحدود لنا
نزحنا وهدفنا أيضاً بناء حياة زوجية ككيان معماري جميل ومتين “حسب الأصول”، كنا نخططه بحبر الأمل الأخضر
في الغربة تعلمنا ونحن صغارا الصبر والإعتماد على أنفسنا وتعلمنا التأمل والتفكر وطول البال. تعلمنا متى نحتاج للآخرين لكي يساعدوننا ونساعدهم. للغربة وحشة ومرارة، فهي معسكر أممي كبير ، بل سجن لابد منه اذا ضاقت الأوطان بأهلها. سجن، تكون فيه الكلمات الجميلة وذات معنى وقوداً للذاكرة، تشعل نار الشوق في قلوب من باعدتهم المسافات. وفي عتمة الغربة، تضيء الرسائل الصادقة المتبادلة، “كأنها شمعة”، تصمد في ضراوة مهب الريح

قبل يومين وأنا في خلوة، كنت أُحَلِّقُ بأفكاري وتأملاتي بين الأرض والسماء. ومن غير ميعاد أو توقع تأتيني بعد مرور أعوام، كطائر مهاجر يحمل عبء الذاكرة، “رسالة”. أتتني من زميل وصديق عزيز. أفاقت أشواقا وجراحا ظننتها نائمة، وتجددت بها آلام بعدنا عن الوطن . وما أصعبها نار فراق الأهل والاصدقاء عندما يطول الغياب عنهم وعن الأوطان…جددت الرسالة ذكريات مناوبات طبية كانت تجمعنا لياليها مع أطباء تتعدد جنسياتهم في ذاك المستشفى، وجلسات أنس وموائد حلوة كانت تجمعنا أسراً سودانية واحدة بأريحية وصفاء، فكأنها ولدت اليوم

أكرر، لابد، أن غربتنا عن الوطن أطباءً صغاراً مع آخرين في الشتات منذ عقود مضت لم تكن قد تمت عن عبث، أو مراهقة شباب، بل عن نضوج فكرة. البحث عن الكرامة واحترام النفس والمهنة، وعن لقمة لا تشين، وعن حياة نبنها بحجر الأمل الذي لا يلين فينكسر. نجحنا فكنا بحمدالله وتوفيقه خير سفراء للوطن، ادينا الرسالة وحفظنا الأمانة ودفعنا على مدى السنين في خزينة الدولة ضريبة الإغتراب “بالدولار”. لم نكن نعلم أننا، بالاضافة إلي ضريبة الاغتراب، سندفع أيضاً ضريبة الحلم بالعودة..…حلمٌ حوّلته الأيادي إلى سراب

واشترينا كذلك أرض السكن، “حلالاً طيباً”، بآلاف الدولارات الحرة ، “خدمة يمين وعرق جبين وسهر ليالي” في المستشفيات وأسفار عبر المطارات . دفعنا حتى رسوم خدماتها وتخطيط ميادينها باهظة التكاليف لكنها لم تر النور حتى يومنا هذا!.
الميادين نفسها وحتى الشوارع استبيحت وحولت “والله يعلم” وخرائط التخطيط تعلم، إلي مساكن خصصت لاحقاً لمن يهمه الأمر. لاحقاً عرفنا أنه “كذِبَ علينا” يوم العرض والترويج. صَدَّقنا، وقيل ” المؤمن صِدْيق”. لكن يوم القيامة نحن نشهد والأرض نفسها ستشهد على الذين مكنوا أنفسهم فيها بغير حق. ربما أعود بهذا المعنى فى فرصة أخرى

رديت على صديقي وزميلي الموقر بالتحيات العطرات الطيبات
تذكرت الكثير وقلت الكثير (العام والخاص والحرب اللعينة ودائرة). وهنا “أختصر” هكذا ختمت معه رسالتي:
عزيزي، والله لم ننساكم…. بل ظللتم زهرة يانعة مشرقة في حقل الذاكرة، تُعبَّقُ قلوبنا كلما هبت رياح الشوق
لكنّ كما تعلم فالغربة صيرتنا صماً بكماً عُمياً.. نرى العيب ولا نستطيع أن نغيّره، ونحبّ ولا نعانق

قبل أن تودّعك كلماتي والتأملات، وقبل أن أودعك يا صديقي أصغِ لي، وكما قال شاعر آخر “بادلني فيها ذكريات ومشاعر”
هل تسمع صوت الوطن المجروح ؟
هل تسترجع في ذكراه وذاكرة الزمن والمكان براءة الطفولة، ودفء المراهقة، ونضج التجربة؟، هل تسترجع ريح وزخات مطر الخريف، وخرير النيل، وخضرة الجروف؟. وهل تتنسم عبير زهور السنط “الأكاسيا” وتتذوق طعم الليمون والبرتقال، والكركدي “الهبيسكس” ؟
هل تتذكر وجوه الأحبة سمر الوجوه الضاحكة ومنيرة؟. هل تتذكر مناسبات أفراحهم السعيدة ومسيرات أعراسهم وسيوفهم وجمالهم المسروجة ومزينة ورقصاتهم والأغاني العذبة؟ هل تتذكر لوحة كل ذلك التراث الجميل الغني الرائع بالألوان الزاهية والأهازيج؟ للأسف بسبب هذه الحرب اللعينة كل تلك الصور الجميلة قد صارت ذكريات تطل علينا، تذكي خيالنا وتعدي
عزيزي:
“جرحي وآلامي” يغنّيان:
كيف نخون الوطن؟
كيف نخون التربة؟
والتربة لا تخون
أقول، إضافةً: كيف تخون وهي تعني الوطن، وهي منبت الزرع والخير والنماء، وضمان المراعي والسهول الخصبة. كيف تخون وهي مصدر الذهب والطاقة المحبوسة. كيف تخون وهي ضمان ثبات الجبال الراسيات وحيطان البيوت التي تضمنا وتسترنا
بل هي نعمة رحيمة، تحتضن الراحلين، الأباء، الأمهات والصحاب ، بل كل “جدودنا زمان” حتى بعد صعود أرواحهم إلى السّماء الذين في عليائهم لم ينسوا الوطن، بل تركوا لنا رسالة هي “وصية حية” تنير دهاليز الصمت المهيب:
“لا تنسوا الأحلام والآمال التي تركناها من ورائنا لم تكتمل “
“لا تنسوا حرمة التراب وحرمة الأوطان”
“أبقوا عشرة على الوطن”
“أبقوا عشرة على التراب الما ليها ثمن”

أجيبهم مطمئنا، “ما بنبيعها بأغلى تمن”
وأقول: كيف نخونك يا وطن؟
وأنت ومعاناتك جرحنا الذي لا يندمل، وحنيننا الذي لا ينتهي
وفي حبك ينطبق عليك قول الشاعر “كل الناس تهواك…..يا الرفيع معناك….كيف أكون في رضاك ….تسعد آيامي “*
فنحن نعدك: بعزمنا “ويقيننا الذي لا ينكسر” نبقى نرسم على جدران الغربة أمنية واحدة: “العودة”

عزيزي:
هل يارب من عودة تاني؟
أم تبقى الرسائل بيننا جرحاً مفتوحاً يدمي في جسد الغربة؟

رحم الله الراحل المقيم “الأمين علي سليمان”*
ورحم الله كل من رحل عنا من الأهل والأحباب ورحم الله موتانا وموتى المسلمين
واليدم سوداننا حراً، مستقلا، موحداً وشامخاً بين الأمم
دم لأخيك صديقي العزيز ، لك كل الود ….. حفظك الله ورعاك

tNruhttps://youtu.be/_e4Mvc2oE0g

عبدالمنعم

Alarabi AA © Sudanile 30th January 2026

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

موقف السيارات – عندما تتعدد فيه المواقف

موقف السيارات – عندما تتعدد فيه المواقفقصة من واقع صباح هذا اليوم بقلم د. طبيب …