كيكل حصان طروادة الاستخبارات
يقول مثلٌ إنجليزي قديم: “إذا خدعتني مرَّةً، فالعارُ عليك؛ أما إذا خدعتني مرَّتين، فالعارُ عليَّ أنا”. لقد ارتكبت قوات الدعم السريع عددًا من الأخطاء، بسبب الخديعة، وهي تدير معركتها في هذه الحرب التي أشعلها الإخوان المسلمون وجيشهم للقضاء عليها. ومن حسن حظ قوات الدعم السريع، ومن حسن حظ البلاد، وكذلك من حسن حظ فرص التحول الديمقراطي فيها، أن هذه الحرب فشلت، منذ الوهلة الأولى، فشلاً ذريعًا، في تحقيق هدفها. فقد أفلت زمامها من أيدي من أشعلوها وخاب تقديرهم أن في وسعهم حسمها في وقتٍ قصير. فقد تمدَّد مداها الزمني بأبعد كثيرًا مما كانوا يتصورون، وانفتح على المجهول، حتى لم يعد التَّكهُّن بنهايتها ممكنا. وهاهي قد تعدَّت الآن العامين والنصف، ولم يَلُحْ في الأفق، بعد، ما يشي بقرب نهايتها. فهي قد قامت أصلاً على تهوُّرٍ، وسوءِ تقديرٍ للعواقب عُرفت به سائر تنظيمات الإخوان المسلمين؛ في السودان، وفي غير السودان؛ ودونكم ما فعلته حماس بغزة.
رغم المباغتة الخبيثة التي واجهها بها الجيش الإخواني وكتائبه، سيطرت قوات الدعم السريع على مفاصل العاصمة الخرطوم، منذ البداية. ولم تفعل قوات الجيش أمام ردة الفعل القوية التي واجهتها، سوى أن تحتمي قواها الأكبر في معسكراتها، مكتفيةً بمجرد الدفاع، تاركةً المواطنين عالقين في أتون واحدةٍ من أفظع حروب المدن. وربما كان السبب وراء ضعف أداء الجيش، أن بعض قادته لم تكن لهم دراية بأن هناك حربًا ستُشن على قوات الدعم السريع. ويبدو، في المقابل، أن كتائب الإسلاميين التابعة للتنظيم، والمزروعة في جسم الجيش قد ظنت بأنها قادرة، مع بعض فصائل الجيش المتناغمة معها، في العاصمة، على القضاء المبرم على قوات الدعم السريع. وبالفعل قال قادتهم إن القضاء عليها لن يستغرق أكثر من ست ساعات. لكن، ظهر ضعف أداء الجيش وافتقاره للعددية الكافية من الجنود. فالدبابات والمدرعات التي كانت تجوب شوارع الخرطوم عند بداية الحرب اختفت تماما. لذلك، شرع الجيش في استدعاء المتحركات من معسكراته في الإقاليم القريبة من الخرطوم، غير أن كل تلك المتحرِّكات التي هُرعت لنجدته، انهزمت وتبدَّد شملها.
مباغتة الحرب لقوات الدعم السريع، إلى جانب دخولها ولأول مرة في تجربة حرب المدن، جعلاها تقع في أخطاء فادحةٍ، لم يكن من الممكن تجنُّبها. وقد كلَّفتها الكثير؛ من حيث العتاد، ومن حيث الجنود. وأفدح من كل أولئك، من حيث السمعة. وكان أكبر تلك الأخطاء فداحةً استجابتها للفخ الذي نصبه لها الفريق البرهان بتصريحه الكاذب الذي أطلقه من مدينة ودمدني، حيث قال: إن له فيها 40 ألف مستنفر، وأنه سوف يرسلهم لتعزيز أوضاع الجيش في الخرطوم. هذا هو ما جعل قوات الدعم السريع تفكِّر في احتلال ودمدني، وتسند مهمة احتلالها إلى أبي عاقلة كيكل، الذي لم تكن تدري، حينها، أنه عميلٌ من عملاء استخبارات الجيش.
لقد جرت زراعة كيكل داخل قوات الدعم السريع لثلاثة أغراض: الأول منها، جر قوات الدعم السريع إلى احتلال ودمدني لإضعاف قبضتها في الخرطوم، وسحب قسمٍ مقدَّرٍ منها ونشره في نطاقٍ جغرافيٍّ شاسعٍ، مكتظٍّ بالقرى والمدن متوسطة الحجم، ومتَّسمٍ بالكثافة السكانية العالية. الأمر الذي أدي إلى بعثرتها وإضعافها من حيث تماسك القيادة والسيطرة، كما عقَّد عليها خطوط الإمداد والإسناد. خاصةً، أن منطقة الجزيرة المَرْوِيَّة تتخلَّلها شبكة ضخمة جدًّا من القنوات المائية والمسارات المحصورة بين الحقول، التي لا تسمح بالحركة الحرة. يضاف إلى ذلك، أن وجودها في قرى الجزيرة الكثيرة ومدنها قد حمَّلها مسؤولية الإدارة والأمن، وهي المنشغلة أصلاً بالحرب في بيئةٍ جديدةٍ عليها تمامًا. وهي أيضا بيئة تتحكم في أجهزتها الإدارية قوى الإخوان المسلمين، ومن معهم من المنتفعين. وقد جرى كل ذلك وفقًا لخطةٍ رسمتها استخبارات الجيش وأسند تنفيذها إلى عميلها كيكل.
أما الغرض الثاني فقد كان توريط كيكل لها في ارتكاب انتهاكات على نطاقٍ واسعٍ، بغرض تشويه سمعتها إلى أقصى مدى ممكن، وحرق صورتها، وإثارة الكراهية ضدَّها وسط سكان وسط السودان. ولأجل ذلك، أعدَّ لها الإخوان المسلمون وجهاز الأمن وجهاز الاستخبارات، فخاخًا عديدة. فقد قاموا بتجييش المواطنين وتسليحهم بأسلحةٍ خفيفةٍ ودفعوهم لمهاجمة ارتكازات قوات الدعم السريع حول عددٍ من القرى، لتردَّ عليهم قوات الدعم السريع بأسلحتها الأقوى، فيكثر الموت والإصابات وسطهم، وتضطر قوات الدعم السريع لمطاردة فلولهم داخل تلك القرى، الأمر الذي يحدث مزيدًا من الانتهاكات والفوضى. وبالفعل قامت استخبارات الجيش بتصوير ذلك وبثَّه على أوسع نطاقٍ، ضمن الحملة المعدَّة أصلاً لتشويه صورتها. ومن أمثلة ذلك، ما جرى في قرى” ود النورة، واللعوتة الحجاج، والتكينة، والسريحة، ومدينتي رفاعة، والهلالية، وغيرها من الأماكن التي جرى فيها تنفيذ تلك الخطة الخبيثة الماكرة. يضاف إلى ذلك، أن جماعاتٍ من “الكسيبة” و”الشفشافة”، قد تداعت إلى نطاق الحرب من جهاتٍ عديدةٍ بغرض النهب والسلب. وقد وفَّرت الاستخبارات العسكرية لقطاعٍ من هؤلاء زي الدعم السريع.
السيطرة عبر نسف الأمن المجتمعي
أما الغرض الثالث، وهو الغرض الرئيس الذي من أجله أشعلت الحرب، في الأساس، فقد كان نسف الأمن المجتمعي لكل المواطنين بالكلية. لقد توصل الإخوان المسلمون وجيشهم، عقب فشل كل محاولاتهم في إجهاض ثورة ديسمبر إلى نتيجةٍ مفادها أنه لا فرصة لهم في العودة إلى السلطة، إلا إذا نسفوا أمن المواطنين نسفًا شاملا. ومعلومٌ أن أفضل وسيلة للقضاء على ثورة شعبٍ ما، هي إفقاده أمنه ونسف نمط حياته المستقرة. فذلك سيقوده، وبالضرورة، إلى أن ينسى ثورته تحت الضغط الهائل لانعدام الأمن والاستقرار وتلاشي فرص العيش الكريم. وبتراكم ضغوط المعاناة والتشرد وشظف العيش، تتقزَم تطلعاته، فتنحصر في مجرد حلم العودة إلى الأوضاع السابقة. بل، تصبح الأوضاع السابقة، مع كل مظالمها وسوئها وقبحها، حلمًا هو غاية المأمول.
نجح هذا الأسلوب في تفريغ مدينة الخرطوم من سكانها، وقد كان ذلك بمثابة ضربةٍ قاضيةٍ لمعقل الثورة ومسرحها ومكمن قوتها، حيث توجد الكتلة الأكبر من جماهيرها. وقد جرى استخدام عميل الاستخبارات الآخر، إبراهيم بقال، في إنجاز تلك المهمة الضخمة في مدن العاصمة الثلاث. ولا ينبغي أن ننسى أن كلَّ هذا الخراب الشامل، قد جرى على قاعدة: “يا نحكمكم يا نقتلكم”. وهي القولة الشهيرة التي صُوِّرَ بها أسلوب الأنظمة القمعية في التعامل مع شعوبها الثائرة. وقد أعتد الفريق الكباشي تلك المقولة، في صيغة جديدة ،حين قال: “يا سودان بفهمنا، يا مافي سودان”. وعقب ذلك، تواصل بث رسالة الفريق الكباشي هذه في إفطارات رمضان، قبل إشعال الحرب بأسبوع، بواسطة كلٍّ من أنس عمر، والحاج آدم، ومحمد طاهر آيلا، ومحمد الجزولي، وغيرهم. (راجعوا الفيديوهات على الانترنت).
بعد أن خلت الخرطوم من أكثرية سكانها، توجهت أسرٌ عاصميةٌ كثيرةٌ جدًّا إلى منطقة الجزيرة، بحكم أنها المنطقة الأقدر على استقبال النازحين، بسبب كثرة مدنها وقراها. كما أنها، إلى جانب ذلك، تتمتع بقدرٍ معقولٍ من الخدمات الأساسية، ما جعلها مقصدًا مفضَّلاً للأسر العاصمية. أيضًا، جاء كثيرون من أهل الجزيرة ممن انتقلوا منذ عقودٍ للعيش في العاصمة، إلى قراهم بسبب الحرب. أما مدينة ودمدني، فقد تزايدت فيها أعداد النازحين، في تلك الفترة، حتى أوشك العدد الكلي لسكان المدينة أن يصل إلى الضعف. لكن، الخطة الإخوانية الشيطانية في زعزعة الناس انتقلت في مرحلتها الثانية من الخرطوم إلى مدينة ودمدني، وإلى ولاية الجزيرة المكتظة بالنازحين. وكان هجوم كيكل على ودمدني هو الوسيلة لتنفيذ هذا الفصل الثاني من فصول الزعازع والتهجير. فحاق بالجزيرة المنكوبة، التي أضحت ملجأَ للهاربين، ما حاق قبلها بالعاصمة. ومرَّةً ثانيةً، نزح الذين هربوا إلى الجزيرة، ونزح معهم هذه المرة قطاعٌ من أهل الجزيرة أنفسهم، إلى سنار، وسنجة، والقضارف، وكسلا، وبورتسودان، وغيرها من المدن التي بقيت آمنةً نسبيا.
مسرحية تسليم ودمدني
لقد احتل كيكل مدينة ودمدني دون قتالٍ يذكر. والسبب أن خطة تسلميها له قد كانت معدَّةً أصلا. وقد كان الغرض من ذلك، توريط قوات الدعم السريع في المسؤولية عنها، لحرق صورتها. فقد جهَّزت استخبارات الجيش وجهاز الأمن الإخواني كل مسبِّبات الفوضى الأمنية، ومن بينهم أفرادٌ مُتخفِّين من هذين الجهازين أُسندت لهم مهام الترويع والسلب والنهب وقهر الناس وإهانتهم. هذا، إلى جانب عناصر أخرى مهمتها التخريب، جري إلباسها زي قوات الدعم السريع.
في الأمسية السابقة لتسليم مدينة ودمدني إلى كيكل، قامت استخبارات الجيش في الفرقة الأولى، اللواء الأول مشاة، ومعهم كبار المسؤولين المدنيين، ومنسوبي تنظيم الإخوان المسلمين، بمسرحيةٍ قصيرةٍ تمثَّلت في احتفالاتٍ بالانتصار على القوات الغازية. ثم تلى تلت المسرحية التي أُذيعت على أوسع نطاقٍ، هروب الجيش وقادته، ومعهم كبار المسؤولين من المدينة. إلى جانب ذلك، قام الجيش بمعركةٍ قصيرةٍ مفتعلةٍ في الجهة الشرقية من كبرى حنتوب، سقط على أثرها، وبسهولةٍ مريبةٍ، اللواء الأول مشاة. وجرى، فتح الكبري لتدخل قوات كيكل المدينة لتجد أن الجيش قد اختفى، وكأن الأرض ابتلعته. وقد شاهد المواطنون في اليوم السابق قادة الجيش وكبار المسؤولين يستقلُّون طائرة هيلوكوبتر ويهربون من المدينة، تاركينها تغرق في الفوضى. وبالفعل عمت المدينة الفوضى، وساد فيها الترويع، والسلب، والنهب، والإهانات البالغة.
عقب ذلك، خرجت الاستخبارات العسكرية بمسرحيةٍ أخرى للتضليل، جرى فيها الترويج إعلاميًّا أن قائد اللواء الأول، الفرقة الأولى مشاة، بالمدينة، اللواء، أحمد الطيب، قد خان شرفه العسكري، وهرب إلى سنار. وأنه قد جرى نقله منها إلى سنجة للتحقيق معه ومحاسبته. لكن، لم نسمع، إلى يومنا هذا، شيئًا عن نتائج ذلك التحقيق. كما لم نسمع بأنه حُوكم، أو أُدين أو ثبتت براءته؟ وكلُّ ذلك، من مبتدئه إلى منتهاه، كان “علفًا” استخباراتيًّا مفضوحًا، لكنه، مع ذلك، جاز على كثيرين.
التمدُّد في ولايتي الجزيرة وسنار
أدى سقوط مدينة ودمدني المُمسرح، والذي جرى بتلك السهولة إلى تبلور انطباعٍ عامٍ كان متوقَّعًا له أن يتبلور، وهو أن الجيش ضعيفٌ وستتوالى هزائمه. وأن في وسع قوات الدعم السريع أن تبسط سيطرتها على كامل ولاية الجزيرة. وبالفعل قام أبوعاقلة كيكل بنشر ارتكازاتٍ لقوات الدعم السريع على مساحة شاسعة امتدت، في مرحلتها الأولى، من ود مدني إلى تخوم الخرطوم بطولٍ ما يقارب 200 كيلومترًا. ثم ما لبثت أن توجهت تلك القوات بقيادة كل من كيكل والبيشي صوب مدينتي سنار وسنجة، فاتسعت مساحة انتشارها. وفي نهاية يونيو 2024 سيطرت قوات الدعم السريع على قيادة الفرقة 17 مشاة بمدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار. كما تمدَّدت في المناطق الواقعة شرق ضفة النيل الأزرق، فاحتلت مدينتيْ السوكي والدندر. وفي محاولتها الإلتفاف على مدينة سنار انتشرت في منطقتيْ مصنع سكر غرب سنار وجبل موية. كما ذهبت بعيدًا لتتوغل جنوبًا، في المنطقة الواقعة غربي مدينة الدمازين، واحتلَّت قاعدة السلك في محلية باو.
أيضًا تقدَّمت قوات الدعم السريع في منطقة شرق النيل الأزرق، المقابلة لمدينة ودمدني، فوصلت إلى مدينة الفاو على تخوم ولاية القضارف. بهذا أصبحت المساحة التي انتشرت فيها قوات الدعم السريع تمتد بطولٍ يزيد على 500 كيلو مترًا، وعرضٍ يزيد على 100 كيلومترًا. وبسبب هذا الانتشار الواسع، الذي جرى في شهورٍ قليلةٍ، ما لبثت قوات الدعم السريع أن فقدت، وفي فترةٍ قصيرةٍ جدًا، مدينة الدندر، بعد أن استعان الجيش بمرتزقة من التقراي الإثيوبيين. وتلى ذلك فقدانها السوكي، ثم سنجة. ثم جرت معركة جبل موية التي انهزمت فيها بتدخل الطيران المصري، الذي قام الفريق الكباشي بتقديم الشكر إليه وخاطبه في حديثٍ مبثوثٍ على الوسائط، بقوله باللهجة المصرية: “شكرًا آوي، آوي”. وانسحبت القوات من تخوم سنار إلى المناطق الوسطى جنوب غربي الخط الحديدي الواصل بين سنار وربك. بعد أن أنجز كيكل مهمته، هرب عائدًا إلى حضن جيشه، وانكشف أمره لقوات الدعم السريع. لكن، بعد أن نجح في خطته التي هدفت لبعثرة قوات الدعم السريع في نطاقٍ شاسع، وتشويه سمعتها، والتسبب في قتل واحدٍ من أشجع وأمهر قادتها، عبد الرحمن البيشي. تراجعت قوات الدعم السريع تدريجيا إلى الخرطوم، حيث جرى استخدام السلاح الكيماوي ضدها هناك، ما اضطرها للانسحاب إلى كردفان ودارفور. لكن، هل كان ذلك انتصارًا للجيش الإخواني؟ لا، لم يكن بالتأكيد نصرًا، بل كان نكسةً.
في الشهور السبعة التي تلت الانسحاب من الخرطوم أعلن تحالف تأسيس حكومته، وجعل مقرها مدينة نيالا. كما تحرَّرت في شمال كردفان، بعد معارك ضاريةٍ، عديد المدن، نذكر منها: النهود، والخوي، وأم صميمة، وكازقيل، وبارا. كما أصبحت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وأكبر مدن كردفان الكبرى قاطبةً، قاب قوسين أو أدني من التحرير. ويجري نفس هذا الزحف في ولاية جنوب كردفان. باختصارٍ شديد، انقلب السحر على الساحر. فقبل أيامٍ تحرَّر كامل إقليم دارفور، وأصبحت مدينة الفاشر، ذات الأهمية الاستراتيجية الأكبر، في قبضة تحالف تأسيس.
الانسحابات والتضحية بالمدنيين
لم تتاجر أي جهة سياسية أو عسكرية في السودان، بدماء السودانيين، وأعراضهم، وممتلكاتهم، مثلما تاجرت بها هذه الفئة المجرمة، الباغية، المسماة، زورًا وبهتانا: “الإخوان المسلمين”. لقد مارسوا هذه الاستهانة بالدم والعرض حين كانت كل السلطة في أيديهم لثلاثين عامًا. فقد قتلوا مليونين في الجنوب، ومئات الآلاف في دارفور، ومئات الآلاف في جبال النوبة، والنيل الأزرق، وفي مدن شرق السودان وفي كجبار في الولاية الشمالية. كما قتلوا الشباب والطلاب في معسكر العيلفون، وفي انتفاضة ديسمبر 2013، وفي اعتصام القيادة وفي كل التظاهرات التي جرت في شوارع العاصمة المثلثة، أثناء ثورة ديسمبر. كما اغتصبوا النساء والرجال في معتقلات الأمن، وأخفوا قسريًا العديد من الناشطين. ومع كل ذلك لا يستحون من التباكي على سلامة المدنيين في الوسائط الإعلامية!
الخط الثابت للإخوان المسلمين وجيشهم هو أن يكسبوا بكل وسيلة. فقد توالى التكتيك الإجرامي، المتمثل في الانسحابات من المدن وتركها للفوضى في تتابعٍ أصبح يشكل نمطًا واضحًا متكررًا، لا تخفى ملاحظته إلا على مُغيَّب. والمدهش أن كثيرين لم ينتبهوا بعد إلى هذا النمط المتكرر، المتسم بالوضاعة والانحطاط الأخلاقي، وعدم الشرف العسكري. الأمر الذي لم يره العالم قط، إلا في هذا الجيش الإخواني الوضيع، الذي لا يبالي من التضحية بحياة المواطنين من أجل الكسب العسكري والسياسي.
لقد انسحب الجيش دون قتال، من كلٍّ من ودمدني، وسنجة، ومحلية أم القرى، والسوكي، والدندر، وغير ذلك من المدن والمواقع. كما انسحبوا مؤخرًا من الفاشر، ولكن بعد قتالٍ طويلٍ قامت به القوات المشتركة لأسبابٍ تخصُّها هي. بل لقد كانوا يجعلون من المستشفيات وبيوت المواطنين وأسطح منازل المواطنين، وغيرها من المواقع المدنية، دشمًا عسكرية ليشلِّوا القوة التي تهاجمهم بتضييق خياراتها. ويقومون بالانسحاب وزرع بؤر الفوضى خلفهم ليتَّجروا دعائيًا بإصابات المدنيين. وكلنا يذكر، كيف اختبأوا بسلاحهم وسط مواطني معسكر زمزم حول الفاشر، جاعلين منهم دروعًا بشرية، لفترةٍ طويلة. ثم ما لبثوا أن جعلوا من مواطني الفاشر، أيضًا، دروعًا بشرية. بل منعوا المدنيين من الخروج من الفاشر. وحتى القدر الذي خرج بمساعدة قوات حركات دارفور التابعة لتأسيس، فإنه قد جرى بعد أن يئسوا، وعرفوا أن تحرير المدينة قد أضحى قاب قوسين أو أدنى. وهاهم في هذه الأيام، يمنعون مواطني الأبيض المهددة بالاجتياح، من الخروج من المدينة. كما، هاهم يراوغون في قبول الهدنة المقترحة للأسباب الإنسانية، ليواصلوا تعريض المواطنين للهلاك، دون رحمةٍ، واستخدامهم وقودًا لمسيرتهم نحو تحقيق هدفهم الذي لا يحيدون عنه، وهو العودة بمفردهم إلى السلطة.
سوف أتحدث في الحلقة القادمة، وهي الرابعة، وأرجو أن تكون الأخيرة، عن جذور عدم انضباط الجنود وجنوحهم للتنكيل والتشفِّي والتفلُّت. وهي ظاهرة تتشاركها كل القوى العسكرية السودانية، دون استثناء، وعلى رأسها الجيش ما قبل الإخواني، والجيش الإخواني الحالي، وكتائبه. وهي ظاهرة تنتشر، أكثر ما تنتشر، على المستوى الدولي، وسط الجيوش والميليشيات التي تنتمي إلى السياقات التاريخية ما قبل الحداثية. وبهذا المعنى هي ظاهرةٌ خطيرةٌ للغاية، تحتاج البحث العلمي الذي يتعرف على أسبابها، ويضع طرق وأساليب معالجتها. أما ما يجري حولها حاليًّا فليس سوى اتِّجارٍ غوغائيٍّ وانتقائيٍّ هدفه التكسب السياسي الوقتي، لا أكثر. (يتواصل).
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم