جيل الدردرة في رأس السنة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

(أنشر في كل جمعة وسبت مقالاً من إرشيف “ومع ذلك” في مناسبة مرور ربع قرن على بدئه في 1987)
سعدت بقضاء ليلة رأس السنة بين جمهرة غفيرة من جيل الإنقاذ شباباً وشابات نستمع الي عقد الجلاد بكازينو النيل الأزرق. . . ولم يفتني بالطبع أن ألحظ فرط عدد الحضور. فلم يكن مثل هذا العدد علي أيامنا ليحضر حتي مباراة مشهودة للهلال والمريخ ناهيك عن حفلة واحدة بين عشرات الحفلات التي انعقدت في ليلة رأس السنة.
لقد جاء شباب تلك الليلة من عاصمة إسكوب لم نقتحمها بعد بالفكر لنتعرف علي تضاريسها. فما زالت الخرطوم عندنا هي خرطوم زمان. فقد لاحظت في الحفل أن المدينة قد استكملت لها عدة إزجاء الفراغ. فقد راقبت الطريقة التي غني بها كل شاب نص الأغنية مع المغني سطراً سطراً إما لنفسه او لشلته. وهذا وجد عجيب و”نهب” للأغنية و”تخصيص” لها صدق فيه قول أهلنا يغني المغني وكل زول علي هواه. كما شدتني حركة المجموعات الراقصة التي تنعقد وتنفض ثم تعود الي الرقص مرة أخري. وأخذتني عموماً طلاقة الجسد وإندلاقه بين الذكور خاصة. فالواحد منهم ينهض راقصاً متي انتشي ثم يعود الي مقعده. ولم نكن نفعل ذلك في جيلنا إلا بعد أن يغيب منا الوعي في قعدات ليلية قاصرة علي الشلة ثم نظل نسخر في نهارنا ممن فقدوا وقارهم بالطشمة. ولازلت أذكر كيف سارت الركبان بذكر الاستاذ عبدالله مسعود حين اعتلي كرسيه مصفراً راقصاً في حفل أم كلثوم الشهير بالمسرح القومي. وكنا إذا  انتشينا صفقنا أو قلنا “أحسنت”. وهذا تجاوب ناشف جاء من قلتنا وطليعيتنا ومراقبتنا جسدنا وضبطه حتي لا تلهيه أغنية عن ذكر الصرامة الإدارية التي تربينا عليها.             
كلبت شعرة جلدي حين حل منتصف الليلة ووقف الحضور عن بكرة أبيهم بفرح حقيقي لدي سماعهم  “لن ننسي أياماً مضت” من عقد الجلاد. ثم تكرر المشهد لما أعقبوها بالسلام الجمهوري. أصدقكم القول إن عيني جرت بدمعة. وقلت لنفسي أي أيام مضت أسعدت هذا الجيل الذي وصفته اغنية للجلاد بأنه جيل “الدردرة”! وكيف ما يزال يدين بسلام جمهوري لم يدن به جيل بعد جيل من الحكومات القميئة والمعارضين البائسين الذين استرخصوا بالوطن و “شعبه” الفضل”! ونشروا  ثقافة اليأس فوق البلاد تشفياً من حكومة غلظت عليهم. هل ماشعر به الحضور سعادة حقاً أنهضتهم علي أمشاطهم أم أنها “فسحة الأمل” المشهورة؟
ووجدت نفسي افكر طوال استماعي الي “لن ننسي اياماً مضت” في الاستاذ أحمد محمد سعد الذي قال لي في معتقل كوبر عام 1971 إنه ترجم نص هذه الإنشودة العالمية الي العربية. فلنذكره بالخير لأننا حين “وقفنا حذا” مع العام كان الرجل قد وفر لنا من لغتنا ما نهتف به فرحاً للقاء الدنيا.
تأكد لي من الاستماع الي أغاني عقد الجلاد وتجاوب الشباب معها أنني أحضر كرنفالاً للعلمانية. وقد أوحي بهذا المفهوم الدكتور سيمون الذي كتب عن إسلام الخرطوم. فقال أن خلطة لناس في العاصمة أنشات فيها مجتمعاً حضرياً متساهلاً تجاه الآخر. فالأغنية الغالبة عند عقد الجلاد هي “الكولاج” أي التي تحتشد فيها أصوات من كل الوطن. وقد أعجبتني مثلاً الطريقة التي جعلوا من “يا ربوع سودان” إطاراً لكولاج عذب. وكما خرج فنانو الكولاج يصهلون بهؤلاء الشباب في ضوضاء المدينة سيخرج سياسيو الكولاج يرتبون للمدينة مجتمعها المتآخي لتكسد بضاعة ساسة الخلاف والثوابت والصفاء.   

Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً