جُرحك يا وطن…

umniaissa@hotmail.com
الصادق حمدين

ليس من السهل أن نستدعي الذاكرة دون أن تفيض بما يفوق قدرتنا على الصبر والاحتمال. فبعض الذكريات لا تُستعاد بوصفها ماضياً منتهياً، بل تعود إلينا ككائن حيّ، نابض بالعاطفة، مثقل بالأسئلة الحيرى، ومشحون بالمعنى. هكذا هي الأمكنة التي ارتبطت بمراحل حياتنا من فشل ونجاح وضحك وحزن؛ فالأماكن ليست مجرد جغرافيا عابرة، بل هي خلاصة التاريخ والهوية، الماضي الذي لم يغب، والحاضر الذي لم يكتمل، وربما المستقبل الذي نراهن عليه لتشكيل ذواتنا الوطنية.

تلك الأمكنة ليست حجراً وشوارع، و “مزيرة”، و “جالوص” وطين، واسمنت، ولمبات “نيون” ودكان، وبقالة، ومسجد في الزاوية و “تمنة شرطة”، وأماكن مخملية حالمة، وسيارات فارهة، بل علاقة وجدانية عميقة بكل ما هو صغير وبسيط: رائحة “الآبري” وهي تعانق شعاع شمس ساطعة معلنة عن قرب طقس ديني مقدس، “قدرة فول” في زاوية منسية. دفء الفقر حين نتقاسمه بابتسامات رضا، وبدايات الوعد بيوم جميل رغم قسوة الواقع.

فالأمكنة هناك، حيث تتجاور الهشاشة، والبشاشة، وحبابكم عشرة، والكرم والجود الذي يتشارك مع الفقر والعدم، وتقاسم اللاشيء حتى ولو كان “بليلة مباشر”، تعلمنا أن الوطن لا يُقاس بما نملك، بل بما نشعر به تجاه بعضنا البعض من أشياء بسيطة لا تساوي شيئاً خارج سياقها.

ذاكرتنا الوطنية هي سيرة متشابكة من الفشل والنجاح، من الانتصار والانكسار، من الحزن والفرح، من الغم والسعادة. ثنائيات لا تنفصل، لأنها تشكّل جوهر التجربة الإنسانية في هذا الوطن الجريح. غير أن مأساتنا، في كثير من الأحيان، تجاوزت قدرتنا على الاستيعاب؛ بدت أكبر من تصوراتنا، وأقسى من لغتنا وأوسع من خيالنا، حتى صرنا نخشى تسميتها بأسمائها الحقيقية.

ومع ذلك، يبقى الموقف الأخلاقي والسياسي واضحاً: لا “تصالح”. مع من يفرّغ الوطن من معناه لا تصالح مع من أشعل ثقاب الكراهية وحرق الوطن بما فيه ومن فيه، ولا تصالح مع من يساوم على كرامته. فالوطن ليس صفقة تُعقد، ولا ذهباً يُمنح. ولو أُطفئت أعيننا ووضعت مكانها جواهر، فهل سنرى؟ الوطن يبصر بالقلب قبل العين، ويسكن في الوجدان قبل الخرائط.

إنه وطن واحد أوحد لا بديل له، لأنه يسكننا قبل أن نسكنه. وحتى إن اضطررنا للعيش في أوطان أخرى، يظل هو المقيم الدائم فينا: في لغتنا، في موسيقانا، في أحزاننا الصغيرة في إرثنا وتراثنا، وفي أحلامنا المؤجلة. ذلك هو الوطن الذي لا يُختزل في سلطة، ولن تسكت ضجيجه صوت طلقة ليصمت، ولا يُصادره خطاب نفاق، ولا يُمحى بالمنفى. وطن يُقاوم فينا، وبنا، وإلينا يعود المعنى كلما ظننا أنه تلاشى.

ندرك اليوم، متأخرين ربما، أن البيوت يمكن أن تصاب بالحزن كما البشر. فالأشجار نفسها تذبل حين تفقد ذلك الشيخ الجميل الذي كان يستظل بها، يبادلها الصمت والطمأنينة. والأبواب أيضا تبكي في صمت حين تفتقد إلى عبارة “حضرنا ولم نجدكم”. أو حين تكف الأيدي عن طرقها فيخنق الدار السكون.

والجدران تتشقق وتنهار حين يقتلها الصمت الحزين، وهي التي اعتادت ضجيج الأطفال، أصواتهم الخارجة عن كل سلالم الموسيقى، صعوداً وهبوطاً بلا تناغم، لكنها كانت حياة خالصة. حتى الغرف تنتحب حين يسكنها الفراغ والعدم، إذ يفقد المكان دفئه الحقيقي لحظة يهجره ساكنوه. فليس البيت جدراناً وسقوفاً وحدائق، بل أرواح تعبره وتمنحه المعنى الحقيقي لكلمة “الدار عامرة بناسها”.

ولعنةٌ من الله على الحرب التي لم تقتل الناس بالرصاص والدانات والمسيرات وحدها، بل فتكت بهم هماً وحزناً وانكساراً وذل منفى، حرب امتدت إلى الذاكرة والبيوت والأشجار، فحوّلت الحياة اليومية إلى فقد دائم. ويا ليتنا أدركنا مآلات مستقبلنا باكراً، لما تركنا “الجراد الملتحي” يقودنا نحو هذا الهلاك الجماعي، متستراً بالشعارات، ومصادراً أحلام البسطاء باسمهم.

من هنا، لا يعود النداء ترفاً ولا حنيناً، بل واجباً أخلاقياً وسياسياً: قوموا إلى ثورتكم، لا انتقاماً بل استعادة للمعنى، لا هدماً بل إعادة بناء، ثورة تعيد الوطن إلى أهله، وتعيد للبيوت دفئها، وللأشجار ظلالها، وللأطفال أصواتهم الحرة، وللغرف الصامتة ضجيجها، وللوطن حقه في الحياة الكريمة، استردوا وطنكم فلن يأتي أحد نيابة عنكم لاعادة حياة وطن قتله ابناؤه.

الصادق حمدين

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

قناة الجزيرة: ماكينة تدوير الأكاذيب وتسويقها

umniaissa@hotmail.comالصادق حمدين لماذا هذا الإصرار المحموم على مطاردة الذباب الإلكتروني بمشبك “الصدق”، وسحقه بشِباك الأخلاق، …