الخرطوم في الخامس عشر من ابريل 2023. لزم الناس بيوتهم فقلت الحركة في الشوارع حتى كادت ان تنفطع بفعل الخوف الذي ساد. ولم يعد احد يخاطر بالا تحت ضغط الضرورة بالخروج الى الشارع الذي تمدد فيه الجنجويد بعرباتهم القتالية. ولم يعد يُسمَعُ شيء خلا رزم المدافع وأزيز الرصاص وطائرات الجيش المحومة فانكمش المدنيون في قعر البيوت يترقبون. ولم يمض وقت طويل حتى أخذت الخرطوم تئن وهي ترزح تحت وطأة الاحتلال الاماراتي الجنجويدي. تواردت الأخبار عن وقوع انتهاكات مروِّعة اقترفها الجنجويد حوتها قصص يشيب لها رأس الوليد عن ضروب من التعذيب والقتل والاغتصاب وامتهان الكرامة تعرَّض لها مدنيون في أحياء متفرقة من الخرطوم. عندها أدرك المدنيون المحاصرون في بيوتهم أنهم لا يواجهون جماعة مسلحة عادية تقاتل، كما يزعم إعلام الجنجويد، في سبيل تغيير النظام السياسي، بل كانوا نقفون وجهاً لوجه أمام التنين نفسه ينفث الحمم في كل اتجاه، وانه لا أحد في الخرطوم كان بمنجاة من يد الجنجويد الطويلة الذين كانوا يضيقون الخناق على سكان الأحياء التي خضعت لسيطرتهم، ويوسَّعون من نطاق السيطرة يمدونها نحو أهداف جديدة في أحياء جديدة يعملون لضمها لخريطة النهب والسلب والاغتصاب والإذلال والتهجير القسري وسرقة الفتيات. كان المدنيون يفرُّون يومياً من الخرطوم، بينما الجنجويد يسخرون من الفارين : ماشين وين؟! مدني؟! محل ما انتو ماشين نحن جاينكم.
كان التنين القادم من جهة الصحراء محيطا وجهه بالكدمول يسحق الخرطوم سحقاً تحت أقدامه الثقيلة، بينما تقهقر أهل الخرطوم من أمامه وتراجعوا في اضطراب. مقابل كل تراجع من الأخيرين، كان الجنجويد يكسبون أراضٍ جديدة في رقعة شطرنج الحرب. واصل الجنجويد في زيادة أعداد إرتكازاتهم متوغلين في الأحياء السكنية في تخطيط منظم يهدف لإشاعة أقصى درجات الرعب بين المدنيين ليفرُّوا وحدهم أو يهجروا بالقوَّة. كان الجنجويد عمليا يفرَّغون العاصمة من أهلها، ريدونها خالية من البشر تماماً، يمحون كل أثر للحياة فيها. لايريدون فيها أي شهود على اجرامهم لينهبوها كيفما شاءوا. تلك كانت خطتهم وقد نجحوا في تطبيقها إذ أن الجنجزيد لم ينهبوا الخرطوم فحسب، بل وشلَّعوا البيوت، وخربوا العمائر فيها وأضرموا النيران في بعضها، وفتحوا صنابير المياه في البعض الآخر.
احتلَّ الجنجويد بيوت المدنيين، ومارسوا فيها الفواحش ممايعف عن ذكره اللسان. لوَّثوا الأسِرَّة في غرف النوم، قصقصوا ثياب النسوان وجعلوها كدمولات على الرؤوس، عبثوا بأثاث البيوت، عمدوا إلى خزانات الثياب والمقاعد فهشموها وأوقدوا بها النيران لصنع الطعام على البلاط في صوالين البيوت التي نجَّسوها وافرغونها وتركوها عند هروبهم كالخرابات. بخَّس الجنجويد تعب الملايين من عامة السودانيين وذروه للرياح. نهبوا المدخرات التي راكمها السودانيون بالعمل الشاق، وأعملوا في بيوتهم تحطيماً ونهباً. جاء الجنجويد كما تجيء الكَتَّاحة. فقط عندما حاصرهم الجَيَّش أدرك الجنجويد أنّ مغامرتهم للسيطرة على السودان قد فشلت، وأن سلاح المقاومة قد أُشهِر في وجوههم، فرضوا من مغامرة الانقلاب الفاشل بالغنيمة. فرَّوا مُغَنَّمين. أخذوا معهم كلَّ ما استطاعوا حمله من البيوت التي إحتلّوها ودنَّسوها وعبثوا بكل مافيها وخلعوه بالقوة وسرقوه، حتى الأبواب والنوافذ وكيبلات الكهرباء وألواح الطاقة الشمسية وأجهزة التبريد ومولَّدات الطاقة وموتورات الماء والمراوح الكهربية المعلَّقة في الأسقف لم تسلم من رغبة الجنجويد في الاستيلاء على ممتلكات الغير. وقد جنَّدوا لنهب الخرطوم حشوداً من المساجين وهم مدنيون مغلوب على أمرهم اعتقلهم الجنجويد من الشوارع، وحشروهم في اماكن جعلوها سجونا مرعبة منتشرة في أنحاء العاصمة من اشهرها سجن الرياض تمُّ فيها استعباد المعتقلين وتعريضهم لألوان من الهول والعذاب وتسخيرهم للأعمال الشاقة من تفكيكٍ وحملٍ ورفعٍ وحزمٍ للمسروقات.
ظل الجيش السوداني يدافع عن نفسه ومقاره فترة طويلة كان يعمل فيها ببطء على استجماع قواه حتى تمكن من النهوض وهذه هي المعجزة الوحيدة التي امام اعين السودانيين فالتفوا حول جيشهم يحمونه وينخرطون في القتال تحت رايته مدفزعين بغريزة الحفاظ على البقاء. ينهض الجيش السوداني مباغتاً الجنجويد وهم في سكرة تمددهم العشواءي حتى اقتربوا من القضارف وهددوا بالوصول إلى حلفا الجديدة. الحق الجيش الهزائم بالجنجويد وشتت شملهم، وساقهم أمامه سوق الأنعام الفارة من معركة جبل موية الفاصلة التي انكسر فيها ظهر الجنجويد صعوداً إلى الجزيرة ثم الخرطوم. مباغَتين، مهجومين هذه المرة، حمل الجنجويد ما استطاعوا حمله ثم هربوا وهم يقودون مركباتهم القتالية ومعها أرتال من الشاحنات المسروقة المثقلة هي الأخرى بأكداس من المسروقات المحزومة كالتلال المتحركة. انطلقوا بها يطلبون النجاة في الصحراء يلاحقهم طيران الجيش، وهم في مركبات تتقلب بهم من الخوف. نجا من كمَّاشة الجيش من كُتَبَ له عمرٌ جديد، لتتشتت بعد ذلك فلولهم المهزومة في مفازة الهروب إلى كردفان ودارفور، حيث تدور هناك الآن رحى المعارك الفاصلة.
ماذا صنع الجنجويد بالمسروقات ؟ : سخروا لها حشودا من المعتقلين وشحنوها واخرجوها من الخرطوم ليبيعوها في غرب السودان او فيما وراء الحدود. ماتبقى في الخرطوك من الكسروقات أقام له الجنجويد في أماكن مخصوصة في الخرطوم ما عرف بأسواق دقلو والتي هي أسواق غارقة في القذارة والمنكرات، تباع فيها المنهوبات والوقود المسروق والمخدرات والأسلحة النارية. اسواق دقلو المخلقنة، هي عبارة عن مسخ مشوه لفكرة السوق نفسها. هي امتداد وتطوير لتقليد مايعرف بأسواق الحرامية المنتشرة في بلاد أخرى. هي نموذج لامعان الجنجويد في إهانة السودانيين وتحقيرهم. هي أسواق تمدُّ لسان السخرية لأهل السودان كانما تقول لهم : نحن الجنجويد نفعل مانشاء ولانسال ولايطالنا جزاء. ننهبكم يا معشر السودانيين، ثم نبيع لكم المنهوبات التي هي في الأصل مَلكٌ لكم.
عثمان محمد صالح
تلبرخ، هولندا
16.02.2026
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم