حرب السودان: عنف التحول أم مخاض الحداثة؟

golden.wrist.sd@gmail.com
أمير حميده ابوالمك

قراءة فلسفية في سياق الصراع…

في قلب العواصف التي تجتاح السودان، يطفو سؤال وجودي: هل تمثل هذه الحرب مجرد دورة عنف جديدة، أم هي تجلٍّ لآلام التحول الجذري نحو الدولة الحديثة؟ للإجابة، نستعير عدسة فلسفية تفحص الصراع من خلال منظور التحولات الكبرى.

💠ثنائية الإصلاح والتحول الجذري

تقترح القراءة الفلسفية في كتاب “ثورة العقل” للمفكر جوناثان إسرائيل..
أن مسارات التحديث تنقسم إلى مسارين متباينين: إصلاح تدريجي ضمن الأطر القائمة، أو تحول جذري يمس أسس الشرعية والسلطة. في السودان، نحن أمام تجسيد حي لهذه الثنائية.

فمن جهة، قوى تدفع نحو إصلاح تدريجي يحافظ على البنى التقليدية للسلطة، مع إدخال تعديلات شكلية. ومن جهة أخرى، قوى تطالب بتحول جذري في مفهوم الدولة ذاتها، وفي مصادر شرعيتها، وفي علاقة الدين بالسياسة، وفي تعريف المواطنة.

💠الديمقراطية كثورة عقلية قبل أن تكون سياسية

تشير الأطروحة الفلسفية إلى أن التحول الديمقراطي الحقيقي يبدأ بثورة في العقل قبل أن يكون ثورة في المؤسسات. فهو تحول في المفاهيم الأساسية حول السلطة والحرية والمساواة.

في السياق السوداني، قد تكون الثورة الشعبية التي اندلعت عام 2019 قد مثلت بداية هذه “الثورة العقلية”، حيث طرح السودانيون أسئلة جذرية حول طبيعة الدولة التي يريدون، وحول مفهوم العدالة، وحول حدود السلطة. لكن الحرب الحالية قد تمثل رد فعل عنيف ضد هذا التحول الفكري، أو قد تكون المخاض العسير لولادته.

💠الصراع حول أسس الشرعية

في صميم العنف الحالي، نجد صراعاً حول مصادر شرعية الدولة: هل تستمد شرعيتها من الدين والتقاليد والعرف، أم من الإرادة الشعبية والعقد الاجتماعي؟ هذا السؤال الجوهري هو نفسه الذي شغل الفكر التنويري عبر قرون.

الحرب في السودان، بهذا المعنى، ليست مجرد صراع على السلطة بين نخب متحاربة، بل هي تجلٍّ لصراع أعمق حول الهوية ومصادر الشرعية وطبيعة النظام السياسي المنشود.

💠المساواة كفكرة ثورية…

تشكل فكرة المساواة الجوهرية بين البشر أحد الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة. هذه الفكرة، التي قد تبدو بديهية اليوم، كانت في وقت ما فكرة ثورية تهدم أسس الأنظمة التقليدية القائمة على التمييز.

في السودان، يمثل الصراع حول مفهوم المساواة – بين المركز والأطراف، بين الإثنيات، بين الجنسين – أحد الأبعاد الخفية للحرب. فالدولة الديمقراطية الحديثة لا يمكن أن تقوم دون تسوية مسألة الهوية والمساواة.

💠العنف والتحول الديمقراطي!!

تطرح الأطروحة الفلسفية إشكالية العلاقة بين العنف والتحول الديمقراطي. فمن ناحية، قد يكون العنف في بعض الأحيان نتيجة حتمية لاصطدام مشاريع متعارضة للدولة. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للعنف وحده أن يبني ديمقراطية حقيقية.

في السودان، قد تكون الحرب تمثل لحظة تحطيم البنى القديمة، لكن بناء البديل الديمقراطي يحتاج إلى أكثر من العنف – يحتاج إلى توافق حول الرؤية، وإلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، وإلى تحول ثقافي يرسخ قيم الديمقراطية في الضمير الجمعي.

💠نحو خاتمة مفتوحة

هل تمثل حرب السودان الحالية مرحلة في مسار التحديث والتحول الديمقراطي؟ الإجابة معقدة. فمن ناحية، العنف قد يدمر إمكانيات التحول الديمقراطي ويقوي نزعات التسلط. ومن ناحية أخرى، قد تكون الأزمات الكبرى أحياناً لحظات ولادة جديدة.

الأكيد هو أن الدولة الديمقراطية الحديثة تحتاج إلى أكثر من تغيير النظام السياسي – تحتاج إلى ثورة في العقل، إلى تحول في الثقافة السياسية، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم. والسؤال الذي يظل مفتوحاً هو: هل يمكن للسودان أن يختصر طريق التحول الديمقراطي ويتجاوز مخاضات العنف التي عرفها الغرب؟ الإجابة تكمن في قدرة النخب السودانية على تحويل الصراع من مواجهة عسكرية إلى حوار حول أسس الدولة الحديثة.

فالديمقراطية، في النهاية، ليست مجرد صناديق اقتراع ومؤسسات، بل هي ثقافة تقوم على احترام الاختلاف، والتسامح مع التعدد، والإيمان بحقوق الإنسان الأساسية. وهذه الثقافة تحتاج إلى وقت طويل كي تتجذر في التربة السودانية، وقد تكون الحرب الحالية اختباراً صعباً لقدرة المجتمع السوداني على ولادة هذه الثقافة من رحم المعاناة.

عن أمير حميده ابو المك

شاهد أيضاً

التحول الديمقراطي في السودان: عملية الولادة التي تم اجهاضها

أمير حميده ابوالمكمستشار حوكمة المؤسسات 💠الخطيئة التي قوضت التحول: الشراكة مع العسكر (البرهان – حميدتي) …