حرب الكل ضد الكل .. جحيم العبث في أبهي صوره

قصة قصيرة
mohamed.abdommm@icloud.com
محمد عبد المنعم صالح

بالكاد كان يمسك تلك الدموع التي تُحاولُ أنْ تُخترقَ حصونَ شجاعتهِ، فَكُلّ دمعةٍ تُسقطُ ستكون نبوءة بِقُربِ الانهيار، كان الأمل قد تلاشى، أو أوشك.. لم يبق له سوى خيارٌ واحد، النهر ، النهر البارد الغامض ، الذي يجري بسرعة لا ترحم، ومنفذٌ ضيق على الضفة الأخرى، حيث قد يجد ملاذًا، أو ربما موتًا آخر، في قلب ذلك الليل الذي يغلي بالظلام، حيث تلتهم النار ما تبقى من سماء.
لم يكن أمامهم إلا النهرٌ، هادر يحرسه الموت نفسه، مياهه كالسكاكين، يلتف كأفعى بين الصخور، ومن خلفه عدو يزحف كظلٍ ثقيل، يضيق الخناق ، خطوطه تحكم الإغلاق كشبكة عنكبوت قاتلة. وأصوات المدافع والرصاص تقترب كأنها دقات ساعة تنذر بالموت.
النهر أمامه كان مثل شبحٍ يناديه.. سريع، جارٍ، بارد وغامض في ذات الان .. كأنما ينوي ابتلاعه، وحوافه تزفر الغرق. يقلب أفكاره بين نيران العدو وآماله المطفأة، وكل مرة لم يكن يهتدي الا لمنفذٌ واحد.. النهر.
كانت نظراته تتجول بين الجسد الممدد الى جانبه ووجوه جنوده، وجوهٌ شاحبةٌ من التعب، وعيونٌ تقطر فزعاً.. أصوات الرصاص تقصف الأفق، الريح تعوي حوله كما لو كانت تحمل رسائل الموت، والأرض تحت قدميه تتنفس أنفاسًا ثقيلة من دماء رفاقه الذين تكوموا كأوراقٍ مهملة في صخب المعركة.
يعدل من وضع قطعة القماش على الوجه المنطفيء ، يتحسس جثة صديقه، الذي سقط بجانبه قبل قليل في معركة كسر الأمل.. يسترجع كيف أنه قد ابتسم قبل أن يسقط، ابتسامة تكاد لا ترى في الظلام، وكأن الحياة قد أعطته لحظة وداعٍ أخيرة.. يقف أمام تلك الجثة، وصراعٌ مرير يلتهم عقله وقلبه.. هل يتركه هنا؟ هل يترك رفيق سلاحه في ساحة الموت، حيث لا قبر ولا ذكرى، فقط الرياح الباردة التي تنقض على الجسد الفاني؟ أم يحمل جسده الثقيل على كتفيه ويمضي في طريق الهروب، في نهرٍ متسارع، يلعنه البرد وتلاحقه نيران العدو؟
ذلك القرار كان بحد ذاته معركة أخرى؛ فكيف يترك صديقه وراءه؟ كيف يتركه يتناثر في العدم، في تلك الأرض التي لا تعرف العزاء؟ كيف يهرب وهو يعلم أن الجسد الممدد الى جانبه هو آخر ما تبقى من رائحة الحياة في قلبه؟
اجتمع الجنود حول قائدهم، ووجوههم كأنما سُرقت منها الحياة.

  • سيدي… العدو لا يُهزم، ونحن بلا طعام ولا سلاح. النهر أمامنا موت، والعدو خلفنا جحيم. ما العمل؟”
    كان يدرك أنهم في مأزقٍ لا مفرّ منه، محاصرين من كل جانب، عدوٌ غاشمٌ يحيط بهم، وهم قلةٌ قليلةٌ، تُحارب من أجل بقايا شرفٍ يوشك أن ينتهك.. يُحاول أن يُخفي حيرته وخوفه عن جنوده، فهم يحتاجون إلى قائدٍ شجاعٍ يُلهمهم الأمل، ولكن دون ذلك الأمل صعوباتٌ لا تُحصى، النهر أمامهم يزأر كوحشٍ جائع، مياهه سوداء ، باردة كأنها وُلدت من رحم الشتاء. التيار يجرف كل ما يقترب منه، والصخور الحادة تلمع كأنها أسنان حيوان مفترس.
  • سيدي، العدو أقوى منا بكثير. ذخائرنا قليلة، ولا طريق أمامنا سوى النهر. لكن النهر… ماءه جليدي، والتيار جارف. كيف نعبر؟
    أشفق أن يحملهم ما لا طاقة لهم به وهم في جفن الردى يتشبثون ببقايا رمق من دعاء الأمهات وصلواتهن، نظر إليهم، عينيه تحملان ما لا تحمله الكلمات، داهمه إحساس بالإرهاق والعجز ، شعر باندفاعه يخور ، ولم تعد له القدرة على السيطرة لقلة عدد من بقى معه من الجنود، ولا يعلم ماذا يفعل أمام هذا الجمع من الاعداء، أدرك أن الوضع لا يحتمل، ولابد من اتخاذ القرار الحاسم.
    النهر كان يشق الأرض أمامه كوحشٍ جائع، يلح عليه أن يتراجع، أن يبتعد، لكن الموت كان أقرب إليه من أنفاسه. العدو يقترب، يقترب في ضجيج مرعب كالسياط، أسلحته تتناثر في الهواء كعواصفٍ من حديد، والرصاص يخترق الليل بصريرٍ غاضب. كان يعرف أن ممره الوحيد للنجاة هو عبر ذلك النهر، لكنه كان يحس بثقل لا يُحتمل في قلبه، ثقل جثة رفيقه التي كانت لا تزال ممددة الى جانبه، كما لو أن الدنيا كلها قد تجمعّت في ذلك الجسد البارد.
    كان الخوف يلتهمه. ليس من العدو، بل من نفسه، من قراره الذي لا يجد له مخرجًا. وها هو الآن، على وشك أن يُنهي ذلك العهد. “هل أتركك هنا يا صديقي؟ هل أتركك وحدك؟” كانت الكلمات تخرج منه باهتة، ممزقة، كما لو كان هو الآخر يختنق. كانت رياح الموت تهب في كل الاتجاهات، والعينان الزجاجيتان لرفيقه كانت لا تزال تلاحقانه، تُحدّقان في عمق روحه، وكأنهما تفتشان عن ردٍ غير قادر على إيجاده.
    كان الضجيج الذي يحيط به لا يُحتمل، حتى نبرات الرياح كانت تُسمع وكأنها تهمس له: اتركه، دع الموت يستقر في مكانه. لكن في أعماقه، كانت الروح تُصرخ: كيف تتركه هنا؟ كيف تتركه وحده في هذا الجحيم؟
    كانت الذكريات تتقافز أمامه كأشباحٍ متسارعة، لحظات الرفاق، الضحكات الهاربة من بين أسنانهم وهم يقاتلون في عتمة الحروب. كان رفيقه هو الذي سحبه من هوة اليأس في لحظات الضعف، هو الذي كان يمسك به عندما يتلاشى كل أمل. كان هو العهد الذي حمله بين يديه.
    رفع الجثمان بين ذراعيه بحذر، وكأنما يحاول أن يحفظه من البرودة، من السكون. كان الجسد ثقيلًا، ثقيلًا كأنه يثقل روحه بكل ما فيه من حزنٍ وألم. ومع كل خطوةٍ يخطوها، كانت الأرض تحت قدميه تئن من ثقل القرار. هل يتركه هنا؟ هل يترك رفيق الروح في أرض المعركة، حيث لا ذكرى ولا قبور؟ أم يحمل جثته عبر النهر المتوحش، رغم أن الموت ينتظره عند كل زاوية؟
    رفعه على كتفيه بشجاعةٍ أخيرة، رغم أن الجسد كان يثقل كجبلٍ فوق صدره. لم يكن الأمر مجرد حمل لجثةٍ باردة، كان الأمر حملًا للوفاء الذي لا يمكن أن يُداس. ذلك الجثمان لم يعد مجرد ذكرى لشخصٍ عابر في حياته ، بل صار جزءًا من قلبه، جزءًا من كيانه، وعليه أن يثبت أنه لا يزال كما كان. لن تذهب وحدك ، حتى لو دفعت حياتي ثمنًا لذلك.
    سار نحو النهر. في كل خطوة، كان الماء يهاجمه، يشده إلى أسفل، يحاول أن يغرقه، كما لو أنه هو الآخر يرفض تلك الرحلة المستحيلة. كان النهر صوته، في كل موجةٍ يضربها قدماه، يصرخ في وجهه: اتركه، لست مضطرًا. لكنه وهو يشعر ببرودة الماء تتسرب إلى عظامه، كان يرى في أعماق النهر شيئًا غير مرئي، شيئًا أكبر من الموت، شيئًا يدفعه للاستمرار.
    كان العدو يقترب أكثر، أزيز الرصاص أقوى، ومع ذلك، لم يلتفت. كل ما كان يُحس به هو ذلك الجسد على كتفيه، والشعور الذي لا يُقاوم بأنه حتى في موته، كان حيًا في روحه، وكان جزءًا منه. عبور النهر لم يعد مجرد هروب، بل كان اختبارًا أعمق: اختبار للحب، للوفاء، للروح التي لا تعرف الخيانة.
    “لن أتركك هنا، حتى لو كان الطريق إلى الجحيم.. وليس للنهر” همسها بصوتٍ خافتٍ، كأن الكلمات تحمل وزنًا يعجز عن تحمله القلب. لكنه كان يراها، تلك الذكرى التي لا تفارقه، تلك النظرة الأخيرة التي كان فيها كل شيء، في تلك اللحظة، كان يراهن على قلبه، على وعدٍ قديمٍ قطعه لصديقه: “نحن معًا، إلى النهاية.”
    رفعه بين ذراعيه ببطءٍ، والدموع التي تجمعت في عينيه كانت تتساقط على وجه رفيقه، كأنها نهرٌ آخر يروي جسده الطاهر. لقد مضى الوقت، ولا مجال للتفكير. حمله في خطواتٍ بطيئةٍ لكن ثابتة، والشعور بالقسوة يزداد مع كل خطوةٍ تخترق أرض المعركة الملوثة بالدماء.
    كانت مياه النهر كالسكاكين، التيار يجرف كل شيء في طريقه، والبرد يخترق الأجساد كأنها ورق. وقف القائد على الحافة، ثم تقدم نحو الماء. تبعه الجنود واحدًا تلو الآخر، أقدامهم تغوص في الوحل، وأجسادهم ترتعش من البرد القارس.
    كان النهر أمامهم، موجاتٌ باردة وسريعة كأنها تسخر منه، تعترضه كوحشٍ لا رحمة فيه. لكن في قلبه، كان هناك عزيمةٌ لا يعرفها سوى من اختبر معنى الوفاء. سقطت قدمه في الماء، فتجمد جسده من البرودة، وعيناه تراقبان العدو الذي يقترب شيئًا فشيئًا. “لن أتركك هنا”، همس في نفسه، وكأن الكلمات تخرج على استحياء من قلبٍ غارقٍ في الوجع. “لن أتركك… حتى لو غرقنا معًا.”
    في عينيه، كان النهر يرسم له مصيرًا لا مفر منه. أمواجه تتسارع، تتسارع كما لو أنها تستهزئ به. لكنه لم يتراجع، ولم يتردد. رفع الجسد الطاهر على كتفيه، واستقبلته البرودة كما لو كانت تعاتبه على ذلك القرار. خطا نحو الماء، والماء كأنه يزأر ضده، يبتلع قدمه الأولى في ظلامٍ باردٍ، في قسوةٍ لا تُحتمل.
    كان النهر جارفًا، الماء يلاحقهم كما لو كان يريد أن يبتلعهم. لكنه كان يتنفس بصعوبة، ويشعر أن رفيقه ما زال حيًا في قلبه، كل خطوةٍ على الضفتين كانت تزنها الذكريات، وكل قطرةٍ من الماء كانت تحمل معه وعدًا بالنهاية، سواء كانت حياةً أم موتًا.
  • سيدي، لا أستطيع!.. سيدي، الماء يجرّني! لا أستطيع المقاومة
    كان النهر ينبض بالغضب، مياهه السوداء، التي تلمع تحت ضوء القمر الشاحب، بدت كعيني صائدٍ يترصد فريسته. كان يتلوى، يلتف حول أجسادهم، يحاول اقتلاعهم من الحياة كما تقتلع العاصفة ورقة شجرٍ يابسة.
    كان يئن تحت وطأة الجسد الذي لم يَعد يحمل سوى الذكريات، أدرك أن الموت قد يكون أقرب إلى الحياة من أي وقتٍ مضى. رفيقه كان قد رحل، ولكن روحه كانت في قلبه، في تلك الخطوات التي لا تتوقف. الوفاء هو الحياة… والموت هو تلك اللحظة التي تعرف فيها أن الروح لا تموت أبداً.
    يسمع النهر يهمس في أذنيه، صوتًا لا يشبه صوت الماء، بل صوتًا عميقًا، ثقيلًا، كأنه يأتي من أعماق الأرض، لكن عقله مشغولًا بنداءٍ آخر، نداء كلماتهما القديمة، ضحكاتهما، ووعودهما التي قُطعت في ليالٍ خالية من الحرب.
    قلبه كان يغرق في كل خطوةٍ تلامس الماء. كان رفيقه حيًا في روحه، لكن جسده كان يثقل أكثر وأكثر، وكأنما يحاول أن يخبره أنه لم يكن يستحق أن يترك وحده في هذا العالم الجحيمي. كان الماء يغتاظ تحت قدميه، وكلما اقترب من الضفة الأخرى، كلما زادت نبضات قلبه، وكلما ازدادت تلك الذكرى الخالدة في عقله، كأنما يقول له: “لن أتركك، لن تذهب، فأنت جزء مني.”
    كل خطوة كانت معركة. التيار كان يشتد، والبرد يزداد قسوة، لكنهم مضوا. مضوا كأنما يحملهم وعدٌ بالحرية، أو إيمانٌ بأن النهر لن يكون نهاية الطريق.
    لكن النهر قرر أن ينهي اللعبة. التف التيار حول قدمي القائد، وكأنما يجره إلى رقصةٍ أخيرة. تعثر، والجثة التي يحملها انزلقت قليلاً من بين يديه. حاول أن يستعيد توازنه، لكن المياه كانت قد حسمت أمرها.. شعر وكأن النهر يهمس له،: “لقد حان الوقت” ابتلعته الظلمة شيئًا فشيئًا، وكأنها تحتضنه هو ورفيقه في عناقٍ أخير. القمر كان يطل بخفوت، وكأنه شاهدٌ صامت على تلك اللحظة، حيث غمرته فكرة غريبة، أن النهر لم يكن عدوا له ، بل كان يمنحه نهايةً تليق بمثله.. ومع آخر زفرةٍ، شعر كأن رفيقه يبتسم له من جديد، وكأنهما أخيرًا، في أعماق هذا النهر الغاضب، وجدا السلام.

عن محمد عبد المنعم صالح

محمد عبد المنعم صالح

شاهد أيضاً

ربما تحولات في أوطان إحترفت إذلالنا ..

محمد عبد المنعم صالح الأمينmohamed.abdommm@icloud.com منذ طفولتنا الغضة ونحن نتربى على مايسمي بحب الوطن بدون …