حرب المخاطر العشرة غير المحسوبة.. العدوان المركب

كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، اعتدت الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. فما كان من إيران إلا أن اعتدت بدورها على دول الخليج. فيما يمكن تسميتها بحرب العدوان المركب كسابقة خطيرة في نمط تسارع التعقيد العدواني في العلاقات الدولية، عندما يتحول العدوان الثنائي إلى دوامة إقليمية لم يُخطط لها أحد ولم يضع أحد حسابات مستويات مخاطرها.
لقد كانت الضربة الأولى مذهلة في دقتها.. في اللحظة التي اغتيل فيها المرشد الأعلى علي خامنئي في بيته، مع عدد من أفراد أسرته وكبار قادة النظام. كان ترمب في منتجعه بمورالاغو يراقب على الشاشات نجاح العملية التي حسبها خاطفة على غرار ما فعله في فنزويلا. لكن روبرت بيب Robert Pape ، الأستاذ في جامعة شيكاغو الذي أمضى ثلاثين عاماً يدرس منطق الحروب ومآلاتها، كان سيقرأ تلك الشاشات بعين مختلفة تماماً على نو ما سنرى.
عموما يرتكز كاتب هذا المقال على تأمل في المخاطر غير المحسوبة ينبع من خبرة ميدانية وأكاديمية تربو على خمسة وعشرين عاماً في إدارة مخاطر الكوارث — ذلك العلم الذي نادراً ما يجد طريقه إلى حسابات السياسيين عندما يجلسون إلى طاولات القرار، فيدفع الجميع ثمن غيابه.
في رؤيته الثاقبة، يصف روبرت بيب ظاهرة متكررة في تاريخ الحروب الحديثة.. الضربات الدقيقة تنجح تكتيكياً بنسبة تقترب من المئة بالمئة، وهذا بالضبط ما يجعلها خطيرة. عندما تصيب الضربة هدفها بدقة متناهية، يقع القادة في وهم أن المزيد من الدقة سيُحقق المزيد من النتائج السياسية. لكن الهدف الحقيقي للحرب لم يكن خامنئي في بيته، كان تغيير النظام الإيراني، وهذا ما لا تحققه القنبلة التي تسقط من علٍ مهما كانت دقتها. فالنظام لم ينهار. الشعب الإيراني لم ينتفض. وهنا بدأت المرحلة التي حذّر منها روبرت بيب بالضبط.
التاريخ يعلّمنا درساً قاسياً يتجاهله صانعو القرار مراراً.. الضربة الخارجية لا تُفكك المجتمعات، وإنما تجعلها أكثر التفافا حول النظام القائم.. هذا ما أثبته القصف البريطاني على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وما أثبتته الضربات الأمريكية على صربيا في عهد كلينتون، والآن ما تُثبته إيران مرة أخرى.
لقد شُنت هذه الحرب بناءً على قرار أحادي في عالم متعدد. لم يُقرّها مجلس الأمن. ولم تسبقها مشاورات جدية مع الحلفاء. ولم تستند إلى تهديد وشيك موثّق أمام المجتمع الدولي. هذا الفراغ القانوني فوق أنه إشكالية إجرائية، فهو سلاح حاد وضعه المعارضون للحرب في أيديهم، وقد استخدموه بكفاءة على المنابر الدولية. فعندما تخوض حرباً خارج إطار الشرعية الدولية، فأنت لا تخسر الأرض فحسب، انما تخسر السردية، وخسارة السردية في عالم اليوم لا تقل خطورة عن خسارة المعركة. (هنا يمكن أن نلاحظ أن دول الخليج تحاول بذكاء مفرط طرح سرديتهم الخاصة بالحرب تجعلهم أقرب للضحية مما يستوجب حالة من التضامن معهم)
العدوان الأمريكي-الإسرائيلي لم يؤد الي إسقاط النظام في إيران، وإنما أعطاه ذريعة بالرد بضربات صاروخية بالستية على إسرائيل بصورة غير مسبوقة في تاريخها، ثم استهدفت دول الخليج العربي بصواريخ وطائرات مسيّرة، مبررةً ذلك بأن هذه الدول تحتضن منشآت أمريكية على أراضيها. وهكذا تحولت الحرب التي بدأت ثنائية ومحدودة باتت إقليمية وربما تنزلق فيها أرجلٌ أخرى اذا ما استمرت.
هنالك الورقة التي لم يحسب لها أحد حساباً كافياً وهي مضيق هرمز الشريان الاقتصادي العالمي الذي يتجاوز منطق الجغرافيا. فعندما فرضت إيران سيطرتها عليه، لم تكن تُهدد واشنطن وحدها، كانت تُهدد طوكيو وبرلين وبونس آيرس وكل عاصمة يعتمد اقتصادها على استمرار تدفق النفط. الجغرافيا هنا تحدثت بلسان استراتيجي مبين، فإيران دولة ساحلية تطل على المضيق من كلا جانبيه تقريباً، وقوتها البحرية وصواريخها الساحلية وزوارقها وألغامها تجعل تأمين الملاحة فيه مهمة مستحيلة التكلفة حتى للأسطول الأمريكي. الجغرافيا في هذه الحرب كانت في صف إيران، وهي مصدر لمخاطر أغفلها صانعو القرار الذين شنو الحرب.
لم تقتصر مخاطر إغلاق المضيق على أسعار النفط. فمنظومة التجارة الدولية بأسرها تعرضت للاهتزاز. أسعار التأمين البحري ارتفعت ارتفاعا حاداً على جميع الممرات المرتبطة بالمنطقة. شركات الشحن غيّرت مساراتها وضاعفت تكاليفها. أسواق السلع الزراعية والمخصبات الكيماوية المرتبطة بالطاقة تأثرت بدورها. حتى برنامج الغذاء العالمي WFP اخذ يجأر بالشكوى… في عالم ما زالت ذاكرته طازجة بدروس اضطرابات سلاسل التوريد إبان جائحة كوفيد 19، عاد شبح الأزمة بقوة مضاعفة. كل هذا لم يكن في معادلة القرار، وكل هذا كان يمكن توقعه لمن أراد أن يقرأ.
هنالك مخاطر غير مرئية لكنها حاضرة بشدة فموسكو وبكين لم تتدخلا عسكرياً، لكنهما لم تصمتا ولم تقفا متفرجتين. كلتاهما ترى في هذه الحرب ما تتمنى أن تراه.. أمريكا تغوص في مستنقع إيران، مواردها العسكرية واللوجستية والسياسية مستنزفة في مواجهة لا تعرف متى تنتهي. روسيا تجد في هذا الانشغال هامشاً أوسع لتحركاتها في أوكرانيا وجوارها الأوروبي. والصين تُعيد في هدوء حساب اللحظة المناسبة في ملف تايوان. الغائب الأكبر عن طاولة القرار الأمريكي كان السؤال البديهي.. ماذا يربح الآخرون عندما ننغمس هنا؟
ما حدث على الجبهة الأوروبية كان ربما الخسارة الاستراتيجية الأعمق، تلك التي لن تظهر في نشرات الأخبار العاجلة لكنها ستُشكّل خارطة التحالفات لعقود. وهنا تبرز مخاطر من نوع مختلف عندما رفضت أوروبا المشاركة في الحرب، وأعلنت صراحة أنها حرب غير قانونية وأنها ليست حربها. وكان رئيس وزراء إسبانيا الأعلى صوتاً في انتقاد الرئيس ترمب وسياسته. في المقابل، لم يجد ترمب حرجاً في وصف قادة أوروبيين، بمن فيهم حلفاؤه التقليديون، بالجبناء. أكثر من سبعة عقود من بناء تحالف عابر للأطلسي قائم على التشاور والقرار المشترك تصدّعت في أسابيع كمنظومة عسكرية بين ديمقراطيات تتشارك القيم قبل أن تتشارك الأسلحة. وعندما يُقرر طرف وحده ويطلب من الآخرين الانصياع، يبدأ ذلك العقد في الانهيار الصامت.
أما مخاطر الجبهة الداخلية الأمريكية فهي نقطة ضعف ترمب التي لم يتحسب لها. حيث ارتفعت أسعار الطاقة والسلع في الأسواق الأمريكية، وبدأ المواطن العادي يشعر بتكاليف حرب لم يُسأل عنها ولم يختَرها. وكانت الأعلى دلالةً استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جوزيف كنت، وهو مسؤول أمني رفيع من داخل المنظومة، لا معارض سياسي خارجها، اختار أن يقول “لا” من الداخل بشكل علني. هذه الاستقالة لها صوت مختلف تماماً عن خطابات المعارضة في الشوارع، إنها شهادة من كان في الغرفة ويعرف ما جرى.
ثم جاءت المخاطرة العاشرة، وهي ربما الأخطر على الإطلاق لأنها الوحيدة التي يصعب التراجع عنها.. العتبة النووية. إيران اليوم قاب قوسين أو أدنى من امتلاك سلاح نووي، وكانت سياستها الرسمية طوال السنوات الماضية قائمة على “عدم التصنيع”، أي الاحتفاظ بالقدرة دون تجاوز الخط الأخير. لكن أي ضربة استباقية بهذا الحجم وهذا العنف لا بد أن تُشعل نقاشاً داخلياً عميقاً في إيران… حول ما الذي يمنعنا الآن من تجاوز ذلك الخط؟ لاسيما عندما يرى النظام أن الردع التقليدي لم يكفِ لحمايته، وأن شرعيته الدولية لم تردع العدوان، يصبح السلاح النووي في منطق القادة الباحثين عن ضمانة البقاء الخيار الوحيد. هذا المتغير لم يكن في معادلة القرار، وهو الذي قد يحوّل أي مغامرة عسكرية محدودة إلى لعبة بأعلى الرهانات في تاريخ العلاقات الدولية.
روبرت بيب لم يكن يتنبأ عندما كتب نظريته حول فخ التصعيد، كان يصف نمطاً يتكرر في التاريخ. الحرب التي تبدأ محدودة وجراحية تُفضي في كل مرة إلى اتساع لم يُخطط له، لأن منطق التصعيد ينبثق من النجاح والفشل.. وكلاهما مغري للتصعيد (النجاح في دقة الضربات العسكرية والفشل في تحقيق الأهداف السياسية). وهكذا ينصب الفخ حيث يبدو الحل دائماً في ضربة أقوى.
حرب العدوان المركب جمعت عشرة مخاطر غير محسوبة في آنٍ واحد.. الوهم العسكري، والقومية المُستثارة، والشرعية الغائبة، والجار المُستهدف، والجغرافيا المُعادية، والاقتصاد العالمي المُتضرر، والمنافس المُستفيد، والحليف المُنتفض، والداخل المتململ، والعتبة النووية المفتوحة. لم تكن أيٌّ منها مفاجأة لمن قرأ التاريخ. كلها كانت مخاطر مؤكدة — لكن أحداً لم ينهض لحسابها.
د.محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

من ملاعب الكرة إلى منصات دافوس..تجلي عظمة القيادة

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.comتجلت روح القيادة الملهمة قبل أيام في ملاعب القارة …