نزار عثمان السمندل
الوطن في السودان لم يعد جغرافيا تتنازعها البنادق، بقدر ما أضحى فكرة تتعرض للاستنزاف. حربٌ تمتدّ إلى المعنى نفسه، إلى الإحساس بالمشترك، إلى الثقة التي تجعل الناس شعباً لا مجرد أفراد يتقاسمون الخوف.
الحرب في بلدنا المنكوب لا تُحصى بأرقام القتلى وحدهم، ولا تُختزل في بيانات عسكرية تتناسل كل يوم، فالنار تتمدّد في الجغرافيا والذاكرة معاً، تقتلع البشر وتترك في الروح فراغاً واسعاً.
عامان وأكثر؛ من الاقتتال بين الجيش و«الدعم السريع» بدّلا السؤال من موعد النهاية إلى جدلية البقاء نفسها… أيُّ وطن ينهض بعد هذا الاستنزاف؟ وأيُّ معنى يبقى للاسم حين تتآكل ركائزه حجراً حجراً؟
تفكيكٌ بارد لمقومات الحياة يمضي بإيقاع ثابت. بلدٌ عُرف بسلاله المليئة بالقمح والقطن يختبر انكماشاً زراعياً يتجاوز الأربعين في المئة، وخسائر بمليارات الدولارات في قطاعٍ كان عصب الاقتصاد.
مشروع الجزيرة، الاسم الذي ارتبط بخصوبة الأرض واتساع الحلم، خرج أكثر من نصف مساحته من دائرة الإنتاج. بنوك الجينات التي صانت تنوع البذور تعرّضت للتدمير، آلات الحصاد سُحبت من الحقول إلى أسواق الظل، ومزارعون صاروا نازحين على أرصفة الانتظار الإنساني. الأرض التي منحتهم الاستقرار دفعتهم إلى التيه.
الاقتصاد يتشظّى على إيقاع المدافع. الجنيه السوداني فقد معظم قيمته، والتضخم يلتهم المدخرات كما تلتهم النار الهشيم. رواتب تتبخر، أسواق تضج بالندرة، وطبقة وسطى كانت تمسك بتوازن المجتمع تنزلق نحو العراء.
هذه الطبقة شكّلت ذات يوم جسر الأفكار والحرف والمهن؛ انكسارها أحدث فراغاً هائلاً في بنية الدولة. في المقابل، تنمو شبكات اقتصاد الحرب، تتغذى على الفوضى وتراكم الأرباح في جيوب ضيقة، بينما يتسع طابور الفقراء بلا نهاية مرئية.
المأساة تتجاوز الخبز والعملة. الذاكرة الوطنية نفسها تتعرض لاقتلاعٍ منظم. معامل بحوث تُقفل أبوابها، مدارس تتحول إلى ملاجئ أو ثكنات، وأطفال يُدفعون خارج مقاعد الدراسة بالملايين. جيل كامل يُسحب من ضوء المعرفة إلى عتمة المجهول. العنف الجنسي يُستخدم لإذلال المجتمعات وكسر إرادتها، جراحٌ نفسية تغوص عميقاً في جسد البلاد وتبقى هناك طويلاً.
الكرامة الإنسانية تُستهدف في صميمها، ويترسخ شعور عام بأن الأمان صار ترفاً بعيد المنال.
النزوح يعيد رسم الخريطة السكانية بيدٍ مرتجفة. أكثر من اثني عشر مليون إنسان غادروا بيوتهم قسراً، غالبيتهم من النساء والأطفال. القرى تفقد نساءها اللواتي حملن عبء الزراعة وإعالة الأسر، فتختل دورة الإنتاج الغذائي برمتها.
علاقات الجوار التي تشكّلت عبر عقود تتفكك، والتضامن الأهلي يتعرض لاختبار قاسٍ تحت ضغط الحاجة والخوف. المدن تستقبل أفواجاً مثقلة بالخسارة، والريف يشيخ فجأة بعد أن فرغ من شبابه ونسائه.
وهنا يطلّ الجيل الشبابي الذي ظنّ أنه انتزع حقه في الحلم. شباب ديسمبر، الذين ملأوا الساحات بهتاف الحرية، يجدون أنفسهم في مواجهة زمن يعاكس كل ما طالبوا به. جامعات مغلقة أو معطّلة، معامل صامتة، سُبل دراسية تلاشت في دخان القتال. آلاف الخريجين يقفون أمام اقتصاد مبتور، أو أمام طرق هجرة محفوفة بالمخاطر، أو أمام بطالة طويلة تمضغ أعمارهم ببطء.
الصدمة النفسية تتحرك بصمت داخل هذا الجيل. من شهد العنف في الشوارع، ومن فقد صديقاً أو قريباً، ومن ذاق النزوح أو الجوع، يحمل في داخله ارتجاجاً لا يظهر في التقارير. اهتزاز الثقة يتسلل إلى الإحساس بالانتماء، وتضعف القدرة على تخيّل غدٍ مختلف. حين يتآكل الأفق، يصبح البقاء هدفاً يومياً، ويتراجع الطموح إلى حدود النجاة.
مع ذلك، لا تنطفئ الطاقة بالكامل. “التكايا” التي انتشرت في الأحياء تحمل بصمة شبابية واضحة؛ مبادرات تنظّم الطعام، توثق الانتهاكات، وتحاول إبقاء الفضاء العام حيّاً رغم ضغط السلاح.
رأسمال السودان الأهم يتجسد في هذه الحيوية العنيدة. إقصاء هذا الجيل عن مائدة القرار يضاعف الخسارة، وإشراكه شكلياً يعمّق الفجوة. إعادة التأسيس تحتاج إلى عقولهم وأولوياتهم وأسئلتهم القلقة. البلاد تخوض معركة على الغد، والغد يسكن وجوههم.
وسط الدمار الهائل، محاولات إنقاذ تتشبث بما تبقى من خيوط. مشروع “ثبات” الذي يديره البنك الدولي يسعى إلى إعادة تنشيط الزراعة في ولايات أكثر استقراراً عبر دعم البذور والأسمدة وآلاف المزارعين. مبادرات لوقف إطلاق النار وتجميع المقاتلين ونزع السلاح تُطرح على الطاولات. غير أن الرصاص حين يعلو صوته يخفت كل اقتراح، ويغدو الإعمار فكرة مؤجلة إلى وقتٍ غير معلوم.
جوهر الأزمة يستقر في غياب إرادة سياسية تحسم خيار السلام. خطط التعافي الاقتصادي تفقد معناها في بيئة تتنازعها البنادق. طرق غير آمنة تخنق حركة السلع، ومشاريع صغيرة تتعثر قبل أن ترى النور، وعدالة غائبة تترك الضحايا معلّقين بين الألم والانتظار. جريمة بلا مساءلة تتحول إلى بذرة لجريمة أخرى، ودائرة العنف تواصل دورانها بطاقة متجددة.
جذور الحرب تمتد في تربة قديمة من التهميش وعدم المساواة واحتكار السلطة. معالجة السطح تترك العمق يغلي. إعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية عادلة تبدو مهمة شاقة، لكنها الطريق الوحيد إلى استقرار قابل للحياة. إشراك جميع المكونات في صياغة العقد الوطني يمنح الفكرة فرصة للنضج، ويكسر احتكار القرار الذي قاد إلى الانفجار.
السودان يقف على حافة مفترق حاسم. استمرار النزيف يراكم خسائر يصعب تعويضها، وخيار السلام الشامل يفتح نافذة ضيقة نحو التعافي. اللحظة تفرض شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بحجم الكارثة وتواجه جذورها بلا مواربة.
وطن أنهكته الحرب يحتاج إلى عقد جديد يعيد تعريف السلطة والعدالة والمواطنة، ويمنح أبناءه سبباً حقيقياً للبقاء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم