(Hashimhag@yahoo.com )
هل يبقى السودان بعيدا عن ظروف الواقع العربي والاقليمي المتغير ..؟
تغير على النطاق السياسي- الاجتماعي يشمل العديد من الدول العربية سواء من فرض فيها الواقع الجديد ظروفه او من هي الان في حالة تحول..تغير سياسي لواقع جديد تشهده العديد من الدول العربية ذات الوزن الثقيل سوريا ، العراق ، مصر ،تونس ، ليبيا ، اليمن.. الى جانب ما يطرأ من تغير اقليمي على دول جوار هي الاخرى تنتظر دورها ضمن ظروف المتغيرات السياسية الجديدة او ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي..
السودان اذا حاولنا وضعه ضمن المنظومة العربية في الظروف والملابسات السياسية.. له وضع خاص فهو اصلا يعاني من مشاكل بنية قومية لم تستطع الحكومات السودانية المتعاقبة حل اشكالياتها بنظام سياسي يلبي طموحات تبايناته .. وعندما استشرت ظروف التظلمات السياسية في البلدان العربية جاءت والسودان مشغول بمشاكله الخاصة والمعقدة ومن ثم وجد النظام الحاكم فرصة اكثر في قمع معارضيه سواء بحجة تلك المشاكل في دارفور وغيرها، او اعتمادا على الوضع الاقليمي العربي الذي ساعد وقتها على التكتم في ممارسات الحكومة التي اجهضت بعنف ربيع السودان الذي وصفه الرئيس البشير بأنه صيف يهريء..
لكن مهما يكن من حديث فما يشهده السودان من واقع سياسي واجتماعي في ظل حكومة الانقاذ، والحكومة الآن تعد العدة لدورة حكم جديدة للرئيس البشير ليحكم خمسة دورات متتالية لما يزيد على ال 30 عاما، يعطي قناعة حقيقية بحدوث التغيير السياسي مهما يقال ويفعل لان ذلك التغيير يحمل مسبباته.
اولا في – التظلمات التي تشكوى منها الساحة السياسية والمعارضة من نظام استهوته السلطة فاصبح مغرورا لا يبالي بما يرتكبه من تجاوزات.
ثانيا في – القضية القومية التي لم تحسم ولا تزال تؤثر تأثير مباشرا على السلام والاستقرار والتنمية.
ما يقال عن الربيع العربي في وصفه واسبابه ونجاحاته واخفاقاته يمكن تلخيصه في كونه واقع عربي نادى بالتغيير في زمان متغير في حياته واساليبه – ومن ثم فحتى مصطلح الربيع العربي لا يعطي حقيقة الوصف لتلك الثورات التي لا تزال تلقي بتأثيراتها- فهو في الواقع دورة زمان تاريخية لابد من حدوثها كسنة كونية من التغيير في حياة البشر- وفي هذه الحالة فــــ (مصطلح الربيع العربي ) ليس تسمية دقيقة في وصف الحاصل الا اذا كان كتعبير ادبي .. مهما يكن من امر وضمن هذه الفرضية في التغيير والسنن الحياتية يطرأ سؤل بدهي لابد من طرحه هل يبقى السودان بمنأ عما هو حادث والى متى، رغم المحاولات اليائسة من النظام لاظهار كونه بعيدا من ان تغشاه تلك الظروف في قبضته الحديدية على السلطة..؟
العقلية التي تحكم السودان تحاجج نفسها بما يحدث وتبرر بقاءها في السلطة بحجة ان المستقبل في ظل ما هو حادث عربيا واقليميا وما يشهده السودان محليا مستقبل قاتم .. هناك من يردد القول للقائلين بضرورة التغيير السياسي انكم ستبكون على عهد الرئيس البشير الذي ترفضون ولايته الجديدة .. وفي جانب اخر هناك من ارتبطت حياتهم ببقاء سلطة الانقاذ ومن ثم فهم يرفضون اي حديث عن تغيير حتى لو كان لمستقبل السودان وحياة اهله طالما انه يهدد مصالحهم وعيشة أولادهم.. بل هناك المستفيدين من سلطتهم وسلطاتهم وهم ضمن هذه الحيثية يقاومون التغيير ولو كان للمصلحة القومية وبناء دولة شبيهة بالدول طالما انه يهدد مصالحهم وطموحاتهم ..
الحديث في كون المستقبل في بقاء الانقاذ حديث خاطيء في ظل متغيرات حتمية لابد ان تغشى السودان .. الظرف المحلي والفئات الشبابية الناهضة التي منذا ان فتحت عينيها، وتقترب الآن من سن الاربعين وهي لم تجد رئيسا سوى البشير، ولم تسمع خطابا سوى التهديد، او نشيد سوى الدم النقع.. بل ظرف التململ القومي والحركات المسلحة والمعارضة التي تتسع قاعدتها كل يوم، حيث تسببت سياسات خاطئة لا تزال تلاحق الراي الاخر من ادباء ومفكرين اخرها قمع الصحافة والتضييق على نشاط اتحاد الادباء السودانيين – في خلق شرائح سياسية مهنية (تستوعب فئات شبابية ومهنية اصابها اليأس من ممارسات اهل الانقاذ) واصبحت الآن صوتا معارضا قويا داعما للمعرضة التقليدية.. الى جانب زيادة الرتق في مكونات المجتمع بدلا من الاستفادة من توظيف التنوع في خلق مجتمع متماسك وايجاد صياغة قومية مرضية ومتفق عليها كما هو الحال في الكثير من الدول ذات التنوع القومي ..
اذا حاولنا قراءة الخارطة الحضارية لاهل السودان فاهل دارفور الذين تشكل قضيتهم الان قضية رئيسية (مشكلة وهاجس سياسي تخطى حدود البلاد الى العالم وادى الى التدخل الدولي..) فقضيتهم ينبغي التعامل معها برؤية واعية لا تغفل عن التاريخ الحضاري للمنطقة فهي منطقة ملك كان يمتد سلطانه الى بقاع واسعة من بلاد السودان القديمة على عهد ملوك الفور والسلطان علي دينار- كما ينبغي الاهتمام بالجغرافية والواقع الحياتي للسكان ضمن رؤية منصفة في الحياة السياسية المشتركة في الوطن- هذه القضية وما تشهد من ظروف تدخلات دولية واقليمية تطلبت حلا حقيقيا ينأ عن الشطارة السياسية الى شفافية سياسات وحلول تستوعب القضية في جميع ابعادها.. فبعد فشل حوارات الدوحة التي لم تقدم حتى الان حسما سياسيا، فضلا عن فشل الحسم العسكري الحكومي ينبغي طرق وسائل اخرى للحلول وحكومة الانقاذ التي تعمل جهدها في الاصرار على ايجاد حلول عبر رؤيتها ووسائلها ،هي التي فشلت سياساتها في الابقاء على جنوب السودان موحدا مع الشمال بعد ان دفعت ولا تزال تدفع للجنوب كل يوم تنازلا جديدا في السياسات والارض.
الواقع الذي يحياه السودان ليس محصنا عن المفاجآت اذا تثنى للحركات المسلحة سواء في العدل والمساواة، او في الحركة الشعبية لتحرير السودان، أو تحالف المعارضة.. ظروف اقليمية ودولية تتكامل مع الظروف المحلية.. اي ظروف كهذه يمكن ان تتسبب في دخول هذه الحركات الى الخرطوم والاستيلاء على السلطة عنوة.. وبقدر ما يمثل حادثا كهذا من خطر، يمثل امرا يتوقع حدوثه عندما تكتمل أسبابه، والشواهد على غلبة اقلية متظلمة تشعر بالغبن يعضدها الواقع المعاش في العديد من الدول سواء في دول الجوار الافريقي، فضلا عما يحدث الان على المستوى العربي في اليمن بعد استيلاء جماعة الحوثيين على السلطة وتساقط الوحدات العسكرية في ايديهم كتساقط الجراد.
ما يحدث في دارفور لا زال يسوق في معيته مناطق اخري الى التمرد في المناخ الحالي ويوسع من دائرته في كردفان والنيل الازرق وجبال النوبة، وهنا ليس من سبيل سوى السعي لايجاد وسائل حل منصف ينأ عن التوجهات الفردية والموازنات.. المعارضة المعروفة في منافستها السياسية للنظام الحاكم على المستوى التقليدي لم تعد في السودان هي تلك المعارضة بل اصبحت الان معارضة يعلو صوتها تجاه نظام ديمقراطي وروىء تتمثل بنية السودان كدولة وشعوب وحقوق فضلاعن مكاسب سياسية تأتي لاحقا.
الرئيس البشير الذي نهنئة بولايته الخامسة المحسوم امرها (بأدوات الدولة).. له خيار واحد تجاه خاتمته السياسية في ان يستجيب للحلول السياسية العلمية والعالم مليء بتجارب الديمقراطيات والانظمة الفيدرالية اذا صدقت النوايا وبعدت الاطماع، هذه المرة ليس مطلوبا منه حوارا سياسيا مع المعارضة ومناورات في ادارة الدولة وتوزيع مناصبها، لكن حوارا في بقاء السودان ورفع الظلم عن اهله وكيفية ادارة اصقاعه، وتلافي مفأجأت التغيير التي ربما تأتي عنوة ضمن نظام عالمي جديد يتشكل الآن اي شيء فيه وضع الاحتمال..!
اذا اتي التغيير وفق حوار صادق يخلو من المناورات السياسية فهذا ما يتمناه العاقلون لما يحققه من درء مخاطر حقيقية تترأ في ظل الظروف الداخلية والمحيطة.. لكن ما يحدث كل يوم من جديد على النطاق السياسي لا يبشر بخير بل هو الخطر الحقيقي المتوقع حدوثه واهل المؤتمر الوطني مشغولون فيمن يكون نائب البشير ، ومن يرث البشير..؟
السنن الكونية في الامم والازمان تمهل ولا تهمل خاصة اذا استمرأ الانسان واقعه ونسي في ان يفكر عما حوله من فساد وظلم .. وهذه السنن لابد للعقلاء من مسايرتها ومحاولة الاستفادة منها في تخفيف غلبتها بارادة ذاتية نابعة من صدق وواقع يريد التغيير..
اي دولة ترغب في النهضة ينبغي عليها اولا ان تحل المظالم وسط اهلها، الحاكم الموهوب باخلاص وزهد هو الذي يصنع المستقبل من عمق حاضره المحاط بالمشاكل، تكون له رؤية ينام ويصحو عليها، حياته ليست كحياة الآخرين في همومه ومسؤلياته، لايمازح ولا يضاحك….
لا وقت له في ذلك لان كل دقيقية وثانية تمر هناك حدث في مملكته طفل يموت جوعا، وشيخ يموت بردا، وامرأة ثكلى يضيع طريقها ولا تجد من يعولها، وظلم يرتكب، كل كبيرة وصغيرة أنت مسؤل عنها يا عمر..
دولة كأندونيسيا عدد سكانها يبلغون 240 مليون نسمة بها ما يزيد على ال (300 قومية) تتحدث ثلاثمائة لغة، فهي رغم مشاكلها الاثنية استطاعت قيادتها النهوض بها بعد ان ارست لتلك القوميات المتباينة صيغة تعايش حضاري لنظام ديمقراطي عادل، تعمل كل يوم على ترقيته ضمن حياة سياسية مزدهرة لا تزيد فيها فترة رئاسة الرئيس المنتخب ديقراطيا عن دورتين اثنتين مجموعهما ثماني سنوات فقط.
اندونيسيا الآن تصنع السفن والطائرات والغواصات ويتمتع شعبها بقومياته المتعددة بقدر من الرفاهية والرغد وهي تحتل الآن المرتبة السادسة عشر ضمن اقتصاديات العالم واحدى النمور الاسيوية المنطلقة.
جمهورية اثيوبيا الفيدرالية التي بها ما يقارب ال 90 قومية وعدد سكانها يبلغون المئة مليون نسمة، خلال سنوات قليلة على عهد الرئيس الراحل ملس زيناوي(1991-2012) الذي ارسى نظاما فيدراليا ديمقراطيا عادلا محاطا بالشفافية والمحاسبة – استطاعت هي الاخرى الخروج من مشاكلها وان تهدي تجربتها الفيدرالية الافريقية الى العالم وخاصة القارة الافريقية وهي الآن مرشحة الى مصاف الدول المتوسطة مودعة افريقيا ومشاكلها.
////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم