نزار عثمان السمندل
يأتي الحديث عن الحوار السوداني في لحظة تبدو فيها السياسة كأنها تحاول اللحاق بالحرب، بينما تسعى الحرب إلى أن تكتب بنفسها شكل السياسة المقبلة. ولهذا تبدو الدعوة التي طرحتها سلطة الأمر الواقع أكثر من مجرد مبادرة لفتح باب التفاوض؛ فهي تطرح سؤالاً سابقاً على الحوار نفسه، ومفاده من يملك حق الدعوة إليه، ومن يحدد مكانه وشروطه، ومن يدخل قاعته حاملاً صفة الدولة، ومن يدخلها باعتباره طرفاً في حرب لم تنته؟
تلك هي العقدة التي تجعل مواقف القوى السياسية والمدنية تتباعد.
الكتلة الديمقراطية رحبت بالمبادرة، وأبدى الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل انفتاحاً، وشارك مستشار رئيس الحزب حاتم السر في المشاورات التمهيدية.
في المقابل، رفض التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» المشاركة في حوار يجري داخل مناطق سيطرة الجيش، وانضم إليه التجمع الاتحادي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، إلى جانب حزب الأمة ـ الإصلاح والتجديد بقيادة مبارك الفاضل المهدي وقوى مدنية ونسوية وشبابية أخرى.
المسألة، في جوهرها، لا تتصل برغبة هذه القوى في إغلاق باب الحوار. الاعتراض ينصب على تحويل الحوار إلى طريق منفصل عن الحرب، كأن السياسة تستطيع أن تبدأ من فوق أنقاضها، وكأن وقف القتال يمكن أن يأتي لاحقاً بعد أن تكون الطاولة قد رتبت شكل السلطة ومواقع الجالسين إليها.
فأي حوار يمكن أن يولد تحت دوي المدافع؟
السؤال أكثر خطورة من مكان انعقاد المؤتمر. السودان نفسه صار موزعاً بين مناطق نفوذ عسكرية متعددة، وتداخلت فيه الجغرافيا السياسية مع خرائط القوة المسلحة. عقد الحوار داخل منطقة يسيطر عليها أحد طرفي النزاع لا يصنع اختلالاً في التمثيل فقط، وإنما يحمل معه احتمالاً أخطر، هو تحويل السيطرة العسكرية إلى أساس للشرعية السياسية.
ومع الوقت قد يصبح من انتزع الأرض بالسلاح هو من يحدد شكل الدولة التي ستنشأ فوقها.
هنا تظهر المسألة التي يجري القفز فوقها.. السودان لم يخرج بعد من الحرب، ولم تستقر فيه سلطة دستورية قادرة على احتكار القرار العام. مؤسسات الانتقال غائبة، والبرلمان غائب، والبلاد موزعة بين قوى السلاح، بينما يجري تقديم سلطة الأمر الواقع باعتبارها الجهة التي تستطيع أن تستدعي الآخرين إلى حوار حول مستقبل البلاد.
ذلك يقلب ترتيب الأشياء.
المطلوب أولاً إيقاف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وفتح ممرات آمنة للمدنيين والمساعدات، ثم بناء عملية سياسية مستقلة ومتوازنة تستوعب السودانيين بعيداً عن مظلة أي طرف عسكري. الأمن والسياسة والعمل الإنساني مسارات متشابكة، وفصل أحدها عن الآخر يخلق تسوية ناقصة منذ لحظة ولادتها.
خطورة المشهد تزداد عندما يأتي الحوار في ظل مكاسب عسكرية حققها الجيش في بعض الجبهات، وتراجع أو انقسام داخل قوات الدعم السريع. فميزان القوة المتحرك قد يتحول بسهولة إلى ميزان سياسي، وما تفرضه البندقية في الميدان يمكن أن يحاول أصحابه تحصيله على طاولة التفاوض. عندها يصبح الحوار امتداداً للحرب بوسائل أخرى، لا خروجاً منها.
المشكلة الأكبر أن قبول هذا المنطق قد يعني، بصورة غير مباشرة، قبول انقلاب 25 أكتوبر وما ترتب عليه، ثم الانتقال خطوة أخرى نحو تثبيت قائد سلطة الأمر الواقع باعتباره المرجعية الشرعية التي تدعو السودانيين إلى الاتفاق على مستقبل بلادهم.
وهنا لا تعود القضية قضية اسم أو شخص؛ إنها قضية مبدأ؛ هل تصنع الشرعية من الدستور والتوافق الشعبي، أم يمكن أن تنتظر حتى تنتصر القوة ثم تستدعي الآخرين لتوقيع شهادة ميلادها؟
حتى الحديث عن «العفو» عن القوى المدنية يحتاج إلى قلب هذه الرواية. فالإجراءات التي طاولت قوى سياسية ومدنية كانت ذات طبيعة سياسية، ولذلك لا يجوز تقديم العفو عنها كمنحة من سلطة إلى مواطنين، وكأن العلاقة بين الطرفين علاقة صاحب شرعية بمن خرجوا عليها.
العدالة تقتضي محاسبة الجميع؛ من أشعل الحرب، ومن أطالها، ومن تكسب منها، ومن ارتكب الجرائم بحق المدنيين، مع تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وإسناد العدالة إلى مؤسسات مستقلة ونزيهة لا تستخدمها السلطة لتصفية خصومها.
أما الموقف الأفريقي والعربي المرحب بالحوار، فيحتاج بدوره إلى قراءة دقيقة. دعم أي مسار سياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لسلطة نشأت خارج المسار الدستوري. فالترحيب بحوار يجري تحت مظلة طرف عسكري قد يمنح شرعية إقليمية لواقع لم تُحسم مشروعيته السياسية أصلاً، ويضعف الجهود الرامية إلى بناء عملية سودانية مستقلة وشاملة.
السودان يحتاج إلى حوار ينهي الحرب، لا إلى حوار يتكيف معها.
يحتاج إلى سلام يعيد بناء الدولة، لا إلى تسوية تعيد توزيع السلطة بين القوى التي أنتجت الحرب.
ويحتاج إلى عملية سياسية تسترد شرعية الدولة من فوهة البندقية، وتحفظ وحدة الأرض والشعب، وتمنع تحويل الانقسام العسكري إلى واقع سياسي دائم.
فإذا كان الحوار يبدأ من داخل منطقة يسيطر عليها طرف في الحرب، وتحت حمايته، وفي ظل استمرار القتال، فمن يضمن أن تكون الطاولة طريقاً إلى السلام، لا مجرد طاولة أخرى تجلس إليها الحرب بثياب مدنية؟
