دكتور الوليد آدم مادبو
كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ
فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
— أبو تمّام
لم يكن نعيُ حيدر إبراهيم خبرًا يُقرأ ثم يُطوى، بل كان بابًا انفتح على ذاكرة كاملة. عدتُ بالخاطر إلى مكتبه في الخرطوم، حيث كنت أتردد عليه، فأمضي معه أوقاتًا من المثاقفة والمفاكرة؛ من جدّيتها تحسبها مساجلةً في قاعة القضاء، ومن خفّتها تبدو جلسة قرفصاء على امتداد الصحراء. أعود إلى ذلك المكتب اليوم بالذاكرة وحدها، فأجد المقعد خاليًا والفكرة باقية. ولعلّ أصدق ما يُكتب في رثاء رجلٍ عاش للعقل أن يُكتب بالعقل أيضًا: أن نحزن عليه كما يليق بالحزن، ثم نسأل: ماذا ترك لنا، وماذا نصنع بما ترك؟
الرجل كما عرفته
كان حيدر محبًا للوطن وأهله، باذلًا جهده غير مدّخرٍ وسعًا في خدمته، مدركًا جلالة قدر شعبه، مضحيًا بوقته وصحته، ناذرًا عمره حتى آخر لحظة كي يسهم، مع زملائه وأحبائه، في نهضة الوطن على أسس علمية ومنهجية. وكان صارمًا في مادته، غير ضنين بخبرته، ودودًا في رفقته، باسمًا في طلعته، صاحب طرفة ووقفة مع الحق لا تشوبها وجفة ولا تنوبها زلفة؛ فلا خوف يثنيه، ولا تزلّف يغريه.
وكانت هذه، في ظني، من أجمل خصاله: أن يجمع بين ما يبدو متناقضًا. فكثير من الجادّين عابسون، وكثير من الظرفاء خفاف، أما هو فكان يحمل الجد في يد والبشاشة في الأخرى. ومع الأيام اكتشفت أن ضحكته لم تكن استراحة من الفكر، بل كانت أحيانًا طريقًا إليه؛ وأن النكتة عنده لم تكن هروبًا من السؤال، وإنما طريقة أخرى للاقتراب منه.
النكتة مفتاحًا للمعضلة
كنت أناقشه في قضايا عويصة مثل الحكم والدين والثقافة والجمال والجنس، فيعالجها أحيانًا بنكتة تعينك على الولوج إلى عمق القضية دون وجل أو تعب. أذكر أنه كان يدير بحثًا في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، فزرته وعزمني على الغداء. وقد هالني ما رأيت من الجميلات، فقلت له مداعبًا: «إنت قاعد كيف في لبّ العيين السمحات ديل؟». فتبسّم، وذكّرني بنكتة ود أب سن، الذي لما كبر وعجز عن إتيان النساء كان يطلب أن يحملوه على العنقريب ويجلسوه على طرف الرهد الذي تَرِد إليه الشكريات، وهنّ من جمالهن يبدين كالظباء؛ فكان يعضّ فمه كناية عن الاشتهاء، وسرعان ما يعالج حاله بالارتقاء أو الاكتفاء.
ضحكنا يومها، لكن النكتة بقيت في ذاكرتي لسبب أبعد من الضحك. كان حيدر يعرف أن الحكمة لا تسكن دائمًا في الكتب، وأن المجتمع الشعبي، بما فيه من مفارقات ونكات وأمثال، قد يقول عن الإنسان ما تعجز عنه اللغة الأكاديمية. ومن هنا كان يملك قدرة نادرة على الانتقال من الضحك إلى السؤال، ومن الحكاية إلى المعنى، ومن المعنى إلى بنية المجتمع نفسه. وربما لهذا السبب كان حديثه، حتى حين يبدو عابرًا، يترك في النفس شيئًا يستمر بعد انتهاء الجلسة.
وراء كل أزمة سياسية أزمة ثقافية
وفي تلك الأيام كانت أزمة دارفور مشتعلة، فلم نطل الحوار حتى أطلّ عليّ بفكرة ما زلت أرددها، واستعنت بها في تناول كثير من القضايا، وهي قوله المأثور: «وراء كل أزمة سياسية أزمة ثقافية».
عبارة قصيرة، لكنها تحمل منهجًا كاملًا؛ فالأزمة السياسية لا تبدأ لحظة انفجارها في الميدان، وإنما تتكوّن قبل ذلك في تصورات الناس عن أنفسهم وعن غيرهم، وفي اللغة التي يصفون بها اختلافهم، وفي القيم التي تمنح الإقصاء أو الهيمنة أو العنف مبرراتها. وهنا يقترب حيدر من ابن خلدون، الذي علّمنا أن العمران البشري لا يُفهم من ظاهر الأحداث وحدها، بل من طبائع الاجتماع التي تحركها من تحت. ولذلك لم يكن يكتفي بوصف الأزمة حين تقع، بل كان يعود بها إلى جذورها الثقافية التي سبقتها ومهّدت لها.
الفكي عالم اجتماع
وبهذا المنهج نفسه كان يحكي لي عن خاله الفكي، منبهًا إلى أن الفكي قد يؤدي دور عالم الاجتماع أو عالم النفس في تفسير القضايا تفسيرًا موضوعيًا، ثم يُلبسها لباسًا دينيًا أو غيبيًا يتمشى مع طبيعة المنطقة والمجتمع. كانت تلك قراءة لا تزدري المعتقد الشعبي ولا تقدسه، بل تحاول أن تفهم وظيفته في حياة الناس: كيف يفكرون، وكيف يفسرون ما يعجزون عن تفسيره، وكيف تتحول المعتقدات إلى جزء من نسيجهم الاجتماعي.
ومن هنا كان موقفه من الدين متوازنًا؛ واعيًا بالدور الإيجابي الذي يمكن أن يؤديه في المجتمع، ومنبهًا في الوقت ذاته إلى الأدوار السلبية التي قد ينشأ عنها توظيف الدين في الصراع السياسي أو فرضه على الدولة والمجتمع. ولهذا كانت العلمانية عنده علمانية مؤسسية لا وجودية: تفصل الدولة عن توظيف الدين، ولا تفصل الإنسان عن إيمانه.
مركز لبصيرة الوطن
ولأن الفكر عنده لا يكتمل إذا ظل حبيس الأفراد، أنشأ مركز الدراسات السودانية، وأراده رافدًا لصنّاع القرار بالمعلومة التي يحتاجون إليها ليصمموا سياساتهم على رؤية وبصيرة. كان يؤمن بأن النهضة تحتاج إلى معرفة ومؤسسات، وإلى وعي بأهمية الثقافة والعلم والأخلاق والتجرد والتفاني والإيثار، وسائر القيم التي تنهض بها الشعوب.
غير أن المفارقة المؤلمة أن السلطة التي كان المركز يسعى إلى أن ينير لها الطريق، كانت هي نفسها أضيق الناس به صدرًا. وهنا يتحول الأمر من سيرة رجل إلى سؤال عن وطن لم يحسن دائمًا الإصغاء إلى عقول أبنائه، ولم يعرف كيف يحوّل المعرفة إلى قوة، والخبرة إلى سياسة، والاختلاف إلى مصدر إثراء بدل أن يجعله سببًا للإقصاء.
رجال لا يتكررون
الرجال يرحلون، لكن المحزن أن أمثال حيدر إبراهيم لا يتكررون على السودان بسهولة. فقد هيأت لهم الظروف إمكانية اكتساب المعرفة، وأعانوا أنفسهم بالمثابرة والكد والجهد، ثم وجدوا أنفسهم في وطن كان أحوج ما يكون إلى ما يحملونه، وأقل ما يكون استعدادًا للانتفاع به.
ولولا مجيء الإنقاذ، وحربها عليهم ومضايقتها لهم ولأمثالهم من النوابغ، عوضًا عن الاستفادة منهم؛ وقد جاءت وهم في سن العطاء، ورحلت وقد يئس كثير منهم من الرخاء؛ لكان بإمكانهم أن يدربوا أجيالًا، وأن يهيئوا أممًا، وأن ينتقلوا إلى دار البقاء وقد اطمأنوا إلى أداء مهمتهم وتسليم الراية لمن خلفهم من الأمناء.
وتلك، في تقديري، فاجعة الأوطان الحقيقية: لا أن يموت العالم، فالموت حق على الجميع، بل أن يُحال بينه وبين أن يورّث علمه وهو حي. فالأمة لا تخسر عالمًا حين يموت فحسب؛ إنها تخسره على نحو مضاعف حين تمنعه، وهو حي، من أن يصنع تلاميذه، ويبني مؤسساته، ويترك وراءه تقليدًا معرفيًا قادرًا على الاستمرار.
سيرة بلا أقنعة
ومع ذلك لم يرحل حيدر دون أن يترك شهادته. فهو من القلائل الذين كتبوا سيرة ذاتية أمينة ورزينة، «أزمنة الريح والقلق والحرية»، ويكاد يكون فريدًا في ذلك بين أبناء جيله، إذا عددنا بابكر بدري من الجيل الذي سبقه.
والسيرة الأمينة شجاعة من نوع خاص؛ أن تقف أمام مرآة لا تجامل، وأن تمنح القارئ ذاتك كما هي، لا كما تحب أن تُرى. ولعل هذا أيضًا جزء من ميراث حيدر: أن المثقف لا يكتفي بأن يقرأ عصره، بل يملك الشجاعة ليقرأ داخل نفسه، وأن يرى حياته جزءًا من الزمن الذي عاشه، لا قصة منفصلة عنه.
الشايقي الجميل
وإذا كانت سيرته شهادته على نفسه، فهذه شهادتي عليه. لقد اتّسم حيدر بأجمل ما في الإنسان الشايقي من خصال: الأريحية والنبل وحسن الطرفة، إلى جانب التواضع وبساطة المظهر. كان على سجيته، جميلًا في طويته، كريمًا في صحبته، لا تفارقه إلا وتتمنى ساعة رجوعك إليه؛ ففيه البِشر والطرب، وحسن الفكر ونفاسة المخبر.
ولعل هذا الجانب الإنساني هو ما يجعل الفقد أثقل. فنحن لا نفتقد في حيدر كتابًا أو فكرة أو اسمًا في سجل المثقفين، وإنما نفتقد رجلًا كان للصحبة معه طعم، وللحديث معه مذاق، وللاختلاف معه متعة لا تفسدها الخصومة. وهذه خصلة لا تسجلها السيرة الذاتية، ولا تحفظها الكتب، وإنما تبقى في ذاكرة من جلسوا إلى الرجل وعرفوه في لحظاته العادية، حين لم يكن أمامه جمهور يخاطبه، ولا منبر يخطب فيه.
عِبرة الأثر
وإذا كان الحزن حقًا للفقيد، فإن الاعتبار حق للأحياء. ومن سيرة حيدر تخرج لنا عبر لا تقل قيمة عن الدمع. أولها أن المعرفة إذا بقيت معلقة بالأفراد ماتت بموتهم، وإذا تحولت إلى مؤسسة حرة ومستقلة عاشت بعدهم؛ فأوفى ما نصنعه لذكراه ألا نكتفي بتأبينه، بل أن نعيد بناء ما أراد بناءه. وثانيها أن الدولة التي تطرد عقولها تدفع الثمن مضاعفًا: تخسر ما كان يمكن أن تقدمه تلك العقول، ثم تنفق عقودًا في إصلاح ما كان يمكن تجنبه. وثالثها أن الأزمات السياسية لا تُحل بمعالجة ظواهرها وحدها، بل بالنزول إلى جذورها الثقافية، كما علّمنا في عبارته التي بقيت في ذاكرتي: «وراء كل أزمة سياسية أزمة ثقافية».
ورابعها، وربما كان أعمقها، أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يختار بين الصرامة والدفء، ولا بين الفكر والمرح، ولا بين الموقف والإنسانية. فقد كان حيدر يذكّر من عرفه بأن الوقوف مع الحق لا يستلزم القسوة على الناس، وأن الجدية لا تستلزم العبوس، وأن المثقف يستطيع أن يكون صارمًا في الفكرة، رحيمًا في الصحبة، ساخرًا من المفارقة، ومخلصًا في الوقت نفسه لقضية أكبر من ذاته.
النهر لا يتوقف
قال هيراقليطس إنك لا تنزل النهر مرتين، لأن الماء يتجدد. وكذلك الوعي: يمضي حاملوه، ويبقى جريانه. وحيدر واحد من أولئك الذين لم يكن المقصود من حياتهم أن يبقوا، وإنما أن يتركوا في مجرى الوعي ما يستمر بعدهم. لقد أسهم، مع جيله، في فتح أسئلة ظلت مغلقة، وفي نقد مشروع الإسلاميين وكشف علله الفكرية والسياسية، وكانت ثورة ديسمبر لحظة فارقة أظهرت اتساع القطيعة بين ذلك المشروع وبين قطاعات واسعة من السودانيين. ثم جاءت الحرب، فذكّرتنا مرة أخرى بأن الأسئلة التي اشتغل عليها حيدر لم تكن ترفًا فكريًا، وأن الطريق إلى دولة أكثر عدلًا واستقرارًا ما يزال طويلًا.
ولعل أقسى ما في الرحيل أن الإنسان لا يستطيع أن يعود إلى صاحبه ليقول له إن بعض الأسئلة التي كان يلحّ عليها ما زالت معلقة، وإن البلاد التي أحبها لم تجد بعد جوابها الكامل. وربما كان هذا هو سر الحزن الذي أثاره رحيله في نفسي: لم أشعر أن رجلًا أعرفه قد مات فحسب، وإنما شعرت أن صفحة من صفحات ذلك الجيل قد أُغلقت، وأن علينا نحن الذين بقينا أن نسأل عما إذا كنا قد فهمنا ما كان يقول، أو كنا نسمعه ثم نمضي إلى حياتنا كأن شيئًا لم يكن.
رحم الله حيدر إبراهيم، وأجزل له المثوبة على ما قدم لأسرته ولوطنه. ورحم الله زمنًا كان يمكن أن يطول فيه عطاؤه أكثر، لو أن الوطن أحسن الإصغاء إلى رجاله. فما يبقى لنا الآن ليس الحزن وحده، وإن كان الحزن حقًا، وإنما الأمانة: أن نحمل السؤال الذي تركه، وأن نترك من بعدنا شيئًا يستحق أن يُحمل.
ولعل الأجيال القادمة، حين تلتفت إلى هذه الأيام، تجد أن حيدر ورفاقه لم يذهبوا سدى؛ وأن ما زرعوه في أرض الوعي قد تأخر حصاده، لكنه لم يمت. فالأفكار، كالماء، قد يغيب بعضها تحت الأرض، لكن النهر لا يتوقف؛ وما دام في الأمة من يسأل، ومن يفكر، ومن يملك شجاعة النظر إلى نفسه وإلى وطنه بلا أقنعة، فإن شيئًا من أولئك الذين رحلوا سيظل حيًا بيننا.
ولهذا ربما كان أصدق رثاء لحيدر ألا نقول فقط: رحل العقل، بل أن نعود إلى السؤال الذي تركته صحبته فينا: كيف ننتقل من الصحبة إلى الفكرة، ومن الفكرة إلى العبرة؟ ولعل الجواب هو أن نعيش بعده بما يجعل أثره حيًا، لا أن نكتفي بالبكاء عليه.
