lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لـوال كوال لـوال
في هذه الأيام التي تتناسل فيها الحروب وتضيع فيها الحقائق بين صوت الرصاص وصدى الأكاذيب، تطفو على السطح ظاهرة جديدة قديمة، عنوانها: الاتّجار بالهوية واستغلال أسماء المناطق في صفقات السياسة والدم. فقد خرج علينا بعض من يسمّون أنفسهم أبناء أبيي، وهم في الحقيقة من بقايا النظام السابق وصبية المؤتمر الوطني والانتهازيين الذين فقدوا مجدهم بعد سقوط نظام البشير، ليعلنوا في بياناتٍ وتصريحات أنهم يجهزون تسعة آلاف مقاتل من أبناء دينكا نقوك للقتال في صفوف الجيش السوداني في ما يُسمّى “معركة الكرامة”. يا لسخرية القدر! تسعة آلاف مقاتل دفعة واحدة، من أين؟ ومن الذي استدعاهم؟ وأين كانت هذه الجيوش حين كانت أبيي تئنّ تحت ويلات الصراع شمالًا وجنوبًا؟ أيّ منطق يقبل أن يهبّ هؤلاء فجأة لنصرة معركة لا تخصهم، بينما ظلوا غائبين عن منطقتهم لعقودٍ طويلة، لا يعرفون ترابها ولا يسمعون أنينها إلا عبر نشرات الأخبار؟ إن ما يفعله هؤلاء ليس إلا نموذجًا كلاسيكيًا للانتهازية السياسية، حيث يتحوّل اسم المنطقة إلى تذكرة عبورٍ نحو المكاتب والموائد الرسمية. منذ سقوط البشير، وجد كثير من المنتفعين أنفسهم في العراء السياسي، بلا مظلة تحميهم، وبلا مائدة توزّع عليهم الفتات. وحين غابت السلطة التي كانت تشتري الولاءات بالمال والمناصب، لجأ بعضهم إلى أسهل الطرق: المتاجرة باسم أبيي، وادعاء تمثيل أبناء دينكا نقوك، وبيع أوهام البطولة في سوق السياسة الرخيص. هؤلاء يعرفون جيدًا أن مجرد ذكر اسم أبيي يثير اهتمام الإعلام، وأن استعماله يفتح لهم بابًا من الأضواء، وربما من الدعم المالي. لكن الكارثة ليست في الادعاء نفسه، بل في أن هناك من يصدّق! الإعلام المحلي في بورتسودان وبعض الجهات الرسمية تلقّفت هذا التصريح كأنه وحيٌ نازل من السماء، دون أن تسأل السؤال البسيط: أين هؤلاء المقاتلون؟ أين يقيمون؟ من درّبهم؟ ومن موّلهم؟ وما هدفهم الحقيقي؟ لا أحد سأل، لأن الإعلام الذي تربّى في حضن السلطة يكتفي بترديد ما يُقال، حتى لو كان عبثًا يخالف المنطق والعقل. الإعلام حين يصبح بوقًا للسلطة، يفقد دوره الرقابي ويتحوّل إلى شريكٍ في الخداع، ومشاركٍ في تزييف الوعي العام. الذين أعلنوا عن هذه القوة المزعومة لم يروا أبيي منذ عقود، ولم يشاركوا في حلّ قضية من قضاياها، ولم يسهموا في بناء مدرسة أو مستشفى أو مركز صحي فيها. لكنهم اليوم، حين اشتدّ أوار الحرب، وجدوا الفرصة مناسبة لاستدعاء اسم المنطقة، كأنها سلعة في مزادٍ سياسي. يصرخون من بعيد: نحن أبناء أبيي! ونحن نعدّ تسعة آلاف مقاتل! وكأن اسم أبيي ملكٌ شخصي لهم، أو بطاقة يُبرزونها عند الحاجة ليحصلوا على نصيبهم من التمويل والرضا. إنها المأساة الحقيقية لأبيي، أن تُستغل مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالشعار. فمن قبل، دُمّرت أرضها بالحروب، واليوم تُنهب كرامتها بالدعاية الرخيصة. بين هذين النوعين من الاستغلال، يقف أبناء المنطقة الحقيقيون، أولئك الذين يعيشون على الأرض، يزرعونها ويحمونها ويصبرون على قسوة الحياة فيها، دون أن يبيعوا اسمها ولا دماءها. هؤلاء لا يحتاجون إلى كاميرات ولا تصريحات، لأنهم يعرفون أن الكرامة لا تُنال بالهتاف، بل بالعمل والصدق والموقف. ولأن التاريخ لا يرحم، فإن هذه المسرحية التي تسمى “معركة الكرامة” ستُكتب في ذاكرة الناس كواحدة من أكثر المشاهد عبثًا. كيف يمكن لإنسانٍ عاقل أن يصدق أن مجموعة من الانتهازيين يمكنها تجهيز تسعة آلاف مقاتل في مدن الشمال المختلفة، بينما لا تملك القدرة حتى على إدارة ندوة جماهيرية؟ كيف نصدق أناسًا لم يشاركوا في أي معركة تخص أبيي، ولم يواجهوا يومًا أعداءها، لكنهم اليوم يزعمون أنهم في طليعة المقاتلين؟ الحقيقة المؤلمة أن مثل هذه الادعاءات تجد من يتلقفها لأنها تخدم رواية جاهزة: رواية “الاستنفار القومي”، التي يُراد بها تغطية فشل الحرب وتبرير إطالة أمدها. فحين تعلن أن هناك آلاف المقاتلين الجدد، فإنك تبعث برسالة وهمية بأن الشعب كله يقف خلفك، بينما الحقيقة أن الناس يبحثون عن الأمن لا الحرب، وعن الخبز لا البارود. وهكذا يصبح الإعلان عن “9000 مقاتل من أبيي” وسيلة دعائية لتزييف وعي الجماهير، وليس حدثًا عسكريًا ذا قيمة. لكن هذا الادعاء يكشف شيئًا أعمق: يكشف كيف يتحول الولاء في السودان من قضية وطنية إلى تجارة موسمية. في عهد البشير، كان الولاء يُشترى بالمناصب، واليوم يُشترى بالتصريحات. نفس الوجوه التي كانت بالأمس تهتف باسم النظام السابق، تهتف اليوم باسم الجيش، وغدًا قد تهتف باسم أي سلطة جديدة إن وُعدت بشيء. هؤلاء لا يعرفون الولاء إلا بمقدار ما يربحون منه. أما أبناء أبيي الحقيقيون، فهم يدركون أن قضيتهم ليست في بورتسودان ولا في الخرطوم، بل في أرضهم التي لم تُحسم هويتها بعد. هم يعرفون أن معركتهم ليست في الإعلام، بل في بناء مدارس جديدة، وفي توفير الخدمات لأطفالهم، وفي ترسيخ التعايش مع جيرانهم شمالًا وجنوبًا. لذلك فإنهم يرفضون هذا النوع من التوظيف الرخيص لاسمهم، ويرون فيه طعنة في الظهر من أولئك الذين يتحدثون باسمهم دون إذنهم. إن منطق “التعبئة باسم أبيي” هو منطق الانفصال عن الواقع. فأنت لا يمكنك أن تدّعي تمثيل الناس وأنت بعيد عنهم، ولا أن تدافع عن أرضٍ لم تطأها قدمك منذ سنين. ولا يمكنك أن تزج باسم قبيلتك أو منطقتك في حربٍ لا تعرف أهدافها ولا من يديرها. من يفعل ذلك لا يدافع عن الكرامة، بل يبيعها. ولأن الكلمة أمانة، فلا بد أن نقول بوضوح: هؤلاء الذين أعلنوا عن تسعة آلاف مقاتل لا يمثلون أبيي، ولا يملكون من أمرها شيئًا. إنهم فقط يحاولون العودة إلى المشهد السياسي بأي وسيلة، حتى لو كانت على حساب دماء الأبرياء. استخدام اسم أبيي في هذه الحرب جريمة أخلاقية، لأن الحرب التي تقتل المدنيين وتدمّر المدن لا يمكن أن تُسمى معركة كرامة، بل معركة الباطل، كما يراها كل من لا يزال يحتفظ بضميرٍ حي. وإن كانت الكرامة تُقاس بصدق الموقف، فإن كرامة أبيي وأبنائها لا تُنال بالاستنفار الكاذب، بل برفض أن تكون المنطقة سلعة أو شعارًا. الكرامة الحقيقية هي أن تظل أبيي رمزًا للسلام والتعايش، لا منصةً للتضليل الإعلامي. الكرامة هي أن نقول: لا، باسم الحق، لا باسم الجغرافيا. إن ما تحتاجه أبيي اليوم ليس مقاتلين من ورق، بل رجالًا صادقين يعيدون لها صوتها الحقيقي، ويحمونها من أن تتحول إلى “ماركة سياسية” تُباع وتشترى في أسواق السلطة. إنها مسؤولية أبناء المنطقة أن يحموا اسمها من التشويه، وأن يفضحوا كل من يحاول المتاجرة بها. فكما يقول المثل: من يبيع اسم بيته، يبيع شرفه من بعده. يا أبناء أبيي الشرفاء، لا تسمحوا لهؤلاء أن يتحدثوا باسمكم، ولا تدعوا الانتهازيين يسرقون صوتكم. قولوا للعالم إن أبيي ليست سلعة في حرب الآخرين، ولا خزانًا بشريًا لمعارك لا تخصها. قولوا إن أبناء دينكا نقوك أكبر من أن يكونوا أدوات في مسرحية السلطة، وأشرف من أن يبيعوا تاريخهم مقابل فتاتٍ من موائد الحرب. لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الكرامة، لا ككلمة تُقال في الخطب، بل كقيمة تُمارس في الميدان، في الصدق والوضوح والانتماء للأرض لا للسلطة. أبيي لا تحتاج إلى 9000 مقاتل، بل إلى صوتٍ واحدٍ صادق يقول: كفى حربًا، وكفى استغلالًا، وكفى كذبًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم