خيط النور
قاروب من ورق رواية ‘قصيرة’ تقع في ٩٨ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، يونيو ٢٠٢٥
الغربة، هل هي ملاذٌ آمن يوافق توقّعاتنا، أم فخّ متنكّر في هيئة جنة؟ تفتح الرواية أبوابًا للتساؤل، بين غيابٍ يطول وحضورٍ يتردّد، بين ضجيج ماضٍ يثقل الخطى وحاضرٍ يبدو أكثر هدوءًا مما نتصوّر. تتعاقب الفصول وتتلون الأشجار، تحطّ الطيور، يتساقط الثلج وتجفّ الأرض، تتسلّق الزواحف وتسكن الفضاء ألوانٌ من الدهشة. وبين هذا الخصب المكاني يقبع في الظل مغتربٌ، قد فُرضت عليه الغربة أو اختارها، لكنها في النهاية صورة واقعية، رمزية لما يخلّفه الضجر في أبهى مظاهره، أو ما يزفره الغياب وإن طال الصمت.
يعرض الكاتب مستويين من الرسائل:
٠ الأول، نصًا سرديًا تأمليًا بلغة شاعرية عن غربة مغترب يحاول الاندماج في حياة جديدة. مقتطف: يقول«لم تزل صورة المنتزه ملتقانا، حاضرة في ذهني، أنا وهي وملعب الأطفال… أنا مهاجر كتلك الطيور، لا آلف موطنًا واحدًا، لكن وطني لا يفارقني، يشدني إليه أينما كنت». ضحكت وقالت: «لم تندمج بعد في مجتمعنا». فأجبتها: «أنا مثلك، أحاول التواصل مع الكل وإن عَسُر عليّ ذلك… لي واجب تجاه وطني وتجاه المغترب الذي أعيش فيه» (ص٤٦).
٠الثاتي، ونص بين قضبان الذاكرة وواجب الوطن، مقتطف: «تذكرت سحر حبيبة الصبا، كم كانت تتوسّل أن أصنع قاربًا من ورق وادفعه في نهر النيل، فنراه يتأرجح حتى يختفي… هذا الزورق مسرح غريب؛ أفارقة يضحكون مثل كومبارس… رحلة قاسية تحت شمس الصحراء، أو بحرٍ لا نهاية له، تبحره سفن بعيدة تلوح كأشباح» (ص٧٦).
٠ ثم تأتي كثافة النص عند مفارقات الحياة بين المستويين، مقتطف:
«لم أعُد أستغرب حين أرى أوروبيًّا يُحدِّث كلبه أو يهمس للشجر كعشيقة. الناس هنا وحيدون… يبحثون عن الحب في أبنائهم، أو في الطبيعة. من كان يتوقّع أن تُمهر نافورة المتنزّه على هيئة تمثال امرأة عارية، تتوسّط الأشجار والعشب المُبتلّ، ويلتفّ حولها العشّاق الشباب؟ نافورة مكلَّلة بقصة نحات أجنبي عاش مغتربًا ومات بلا أبناء أو أصدقاء يخلّدون ذكراه!» (ص٥٤).
٠ يكمن جمال النص في اتخاذ الطبيعة، أو المنتزه، بؤرةً للسرد؛ منه يبدأ الحكي لتتفرع القصص في تصوير الحياة بكُنهها، من شجر وحمام وسناجب وطيور مهاجرة. مقتطف: قالت كرستل: «بعض الأشجار ترافق الإنسان كأحباء». (ص٥٢) هنا يخاطب الراوي ذاته ورغبته في الحب والاستقرار، لكنه لا يثق في الحب المرتبط بالغربة، رغم مسحة التفاؤل التي يبديها برهافة شعره.
٠ غير أن كرستيل ظلّت كجذرٍ للراوي في ألمانيا، بحبها ل ‘رون’ ومعرفته. لكّنه الحب… مقتطف: كتب رون: «الحب أقوى سلاح في جبهة الكفاح في الحياة» (ص٣٠).
٠ ثم يلوح صراع البقاء والرغبة في الحياة، فتبحث كرستل عن الحب. مقتطف: «أخبرتني أنها تعرّفت على شاب قال لها: “أنتِ مكلفة جدًّا”، وأرسل لها قصيدة يقول فيها:
وداعًا حواء قلبي، مللتُ ببابك طول المثول،
ومكياج قلبك فتنة هوجاء،
أنتِ تريدين الرجال اكتمالًا،
وتمنحين نصف الحلول». (ص١٧)
٠ تلك الغربة التي يحاول الهرب منها، كانت تدفعه إلى البحث عن أمانٍ بديل، فيلتقط من روّاد المنتزه حكايا عن الأشجار والطبيعة والحب. كأنها تعويض عن وطنٍ ضاع، أو جذرٍ انقطع. (قالت لي والدتي: “اختاري رجلًا كالشجرة، يظللك بظله، ويطعمك، ويسرّ قلبك حين تنظرين إليه. سيأتي يومٌ تتحدثين فيه إلى الشجر، ويحدثك بلغةٍ ما؛ ترقصين معه في خريفٍ أو في مهبّ الريح، كفراشةٍ حول الضياء.” (ص ١٢)
٠ وفيما يتعمّق النص في مسألة بالغة الأهمية، تُطل كينونة الشرق بظلالها الثقيلة داخل طقس الواقع الغربي، لتكشف عن صراعٍ داخلي في وعي الراوي، ومدى تأثّره بما يحمله من جذورٍ وأعراف. (قال صديقي: “لا توجد صداقة بين الرجل والمرأة، وإلا سرعان ما تتحول إلى عشق وجنس.” — وهو ابن بيئة شرقيةٍ ذكورية.) (ص٦٠)
٠ إلى أن يصوغ لنا الكاتب أبهى الفقرات رقةً، في مشهد تتمازج فيه الطبيعة بالوجدان: (ضحكت سيدة عندما قلت لها: “يتداخل الصيف والخريف كبندول الموج، وشجر الربيع يصبح عارضة أزياء، أنثى عارمة الشهوة”… ثم يصف كيف يصفر ويخضر، ويُقتل شجر المنتزه بلا تكلف، فيما تواصل الفصول دورتها الأبدية). (ص١١)
ملاحظات
٠ غلبة السرد التأملي: يميل النص إلى التأمل، مما يمنحه بعدًا فلسفيًا، لكنه يقلل من التشويق الحدثي الذي يشد القارئ.
٠ كثرة النصوص الشعرية: حضور الشعر يمنح النص نَفَسًا جماليًا وشفافية خاصة، غير أن الإكثار منه يشتت التركيز ويضعف وحدة السرد.
٠ إقحام الهتاف السياسي: يظهر أحيانًا بشكل مباشر وسط السرد، فيؤدي إلى خلخلة الإيقاع وإضعاف البعد الفني للنص.
٠ التكرار: تتكرر بعض الأفكار أو الصور مع تغيير الصياغة فقط، ما يجعل النص يبدو دائريًا ويفقده عنصر التطور.
٠ غياب المشاهد الحركية: النص أقرب إلى اليوميات أو المقال الوجداني، حيث يندر فيه الفعل والحوار، وهو ما يقلل من تدفق السرد.
٠ المعتقد الديني وتباين المرجعيات: يُظهر الكاتب موقف كرستل الرافض للإيمان المسيحي وفكرة تعذيب المسيح، في مقابل إيمان أباتشي بالروح، مما يفتح مفارقة ثقافية ودينية تعكس أثر الحرية الغربية والتمرد على الموروث.
٠ وحدة المهجر واستدعاء الذاكرة: لمحات حب الصبا وصداقات الشباب جميلة، لكنها لم تُستغل بالكامل في السرد، فتظل خاطفة رغم روحها الدافئة والصادقة.
ختامًا
أرى أن النص، أقرب إلى قصة طويلة، ينساب فيها سحر الوصف وهدوء الكلمات برقة بين الفقرات. فما بين كرستل والمنتزه خلق الكاتب عالمًا من الروعة، حتى بدت الأشجار كأنها تتحدث، والطبيعة تنصت لوجع المغترب. رافقته في رحلته بين ألمانيا وإيطاليا وصحراء فينكس وليبيا، وعشتُ مع أباتشي ورون وأحببتُ كرستل.
رغم ذلك، شعرت أن النص ينقصه شئ من الإبهار الحركي، فلو تحرك بين أزقة الغرب وبراحات الطبيعة لكان أجمل، غير أنه استعاض عن ذلك بالهتاف السياسي، ما أدى إلى بتر بؤرة الحكي وتكرار دائرة زوارق الموت، لتتكشف هموم الكاتب كما في قوله: «لي واجب تجاه وطني وتجاه المغترب الذي أعيش فيه». ومع ذلك، ظللت مشدودًة بسحر اللغة وروح المنتزة.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم