aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
قديماً، ونحن في طريقنا إلى العمل في الصباح الباكر بوسط الخرطوم، وقبل بدء ساعات الدوام، كانت هناك عادة محببة لنا وللكثيرين من سكان العاصمة؛ التوقف عند أكشاك بيع الصحف لاقتناء صحف اليوم والاطلاع على آخر الأخبار قبل احتساء فنجان القهوة الصباحية.
وكان وسط الخرطوم يعجّ آنذاك بمجالس وتجمعات متخصصة لمناقشة الأخبار، خاصة أخبار الرياضة، وتزداد هذه المجالس حيوية ونشاطاً بعد كل مباراة بين المريخ والهلال. وكانت النقاشات التحليلية التي تدور في تلك المجالس، لا سيما في المحطة الوسطى، تجذب المارة، وفي كثير من الأحيان كنت أتوقف لبعض الوقت في طريقي إلى العمل لأستمع إلى تلك التحليلات العفوية العميقة، التي لا نجد لها شبيهاً اليوم في القنوات الرياضية المتخصصة.
وفي إحدى محطات العمل، صدر قرار بمأمورية إلى مدينة الفاشر لمدة ستة أشهر، في زمن كانت الطائرة لا تهبط فيها إلا مرتين في الأسبوع. وعندما وصلنا إلى مهبط المطار الترابي، فوجئنا بوجود أعيان ورموز مدينة الفاشر في انتظار الطائرة، لاستقبال القادمين وتوديع المسافرين أو استلام إرسالية من الخرطوم. كان الاستقبال دافئاً وصادقاً:
«الحمد لله على السلامة… مرحب بيكم في الفاشر… إن شاء الله معاكم صحف اليوم».
عندها أدركت قيمة الصحيفة، ودورها في ربط المدن البعيدة بنبض العاصمة وأخبار الوطن.
واليوم، وأنا أطالع الصحف عبر الإنترنت، توقفت عند خبر وصورة تجمع بين مديرة بنك الخرطوم، لمياء كمال ساتي، ومحافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني سنجر؛ امرأتان تديران أهم مؤسستين اقتصاديتين في البلاد. في تلك اللحظة، أدركت أننا نسير – رغم كل الصعوبات – في الطريق الصحيح، وأننا نقترب من مرحلة تشهد فيها المرأة السودانية وجودها المستحق على قمة المؤسسات المالية والمصرفية.
فالمرأة قادرة تماماً على إدارة المؤسسات المالية بكفاءة ومهنية عالية، وقد أثبتت التجربة العملية، عالمياً ومحلياً، صحة ذلك. ولا يقف القانون السوداني، ولا الشرع الإسلامي، ولا المعايير الدولية، عائقاً أمام هذا الدور. فالشرع الإسلامي لم يمنع المرأة من ممارسة الأعمال المالية أو التجارية أو الإدارية، ويكفي أن نستحضر سيرة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي كانت تاجرة ناجحة في الجاهلية والإسلام، لتأكيد أن مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي ثابتة ومتجذرة في تاريخنا.
وعلى المستوى العالمي، أثبتت الوقائع أن المرأة أدارت مؤسسات مالية كبرى بنجاح لافت. ومن الأمثلة البارزة:
- كريستين لاغارد، المديرة السابقة لصندوق النقد الدولي.
- جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة.
- أديتي راو، المديرة التنفيذية في مؤسسات مصرفية كبرى في الهند.
وقد أظهرت التجارب أن المؤسسات التي تحظى بحضور نسائي قوي في مجالس إدارتها أو مناصبها التنفيذية غالباً ما تحقق:
- أداءً مالياً أكثر استقراراً،
- مستويات أقل من المخاطر،
- التزاماً أعلى بمبادئ الحوكمة والشفافية.
من أكشاك الصحف في شوارع الخرطوم، إلى صدارة المشهد المالي والمصرفي، تتغير الأزمنة وتتبدل الأدوات، لكن الوعي هو الأساس. وما نراه اليوم من نماذج نسائية ناجحة في قيادة مؤسسات مالية كبرى يؤكد أن المستقبل يحمل فرصاً أوسع للمرأة السودانية، وأن الطريق – وإن طال – ماضٍ في الاتجاه الصحيح
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم