حين تتوقف أمريكا عن العمل: الاقتصاد الأقوى يغلق أبوابه بأمر السياسة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين تتوقف أمريكا عن العمل: الاقتصاد الأقوى يغلق أبوابه بأمر السياسة
قراءة في فلسفة الإغلاق الحكومي وتأثيراته العالمية
منبر بنيان ،. مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

من بين مفارقات القرن الحادي والعشرين أن أقوى دولة في التاريخ يمكن أن تُصاب بالشلل الإداري، لا بسبب انهيار اقتصادي، بل بسبب خلاف سياسي داخل مؤسساتها التشريعية. عبر التاريخ، كانت الدول تتعطل بسبب الحروب أو الانقلابات أو المجاعات أو إفلاس الخزانة. لكن في الولايات المتحدة يحدث مشهد مختلف تماماً: تتوقف الدولة بكامل مؤسساتها، ليس بسبب ثورة ولا بسبب انهيار اقتصادي، بل بسبب ورقة لم تُوقّع داخل الكونغرس. هنا تكمن المفارقة الكبرى، فالدولة الأغنى والأقوى في العالم يمكن أن تتوقف عن العمل لأنها تحترم القانون أكثر مما تحترم السلطة. هذه الظاهرة لها اسم رسمي هو “الإغلاق الحكومي” (Government Shutdown).

الإغلاق الحكومي هو توقف مؤسسات الحكومة الفدرالية الأمريكية عن العمل جزئياً أو كلياً بسبب عدم اعتماد الموازنة أو عدم إجازة قانون يسمح بالصرف المالي. إذا لم توجد ميزانية، لا توجد اعتمادات، وإذا لم توجد اعتمادات، لا توجد دولة تعمل. ليست هذه أزمة مؤقتة ولا خللاً طارئاً، بل جزء من النظام السياسي ذاته، حيث يملك الكونغرس سلطة المال، بينما لا يستطيع الرئيس إنفاق دولار واحد دون موافقته.

الخلافات بين الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، هي الشرارة الدائمة التي تشعل الإغلاق. فإذا رفض الكونغرس تمرير الميزانية أو رفع سقف الدين العام، تصبح أيدي الحكومة مقيدة، ويتوقف آلاف الموظفين عن العمل، حتى في أرقى مؤسسات العالم وأكثرها حساسية.

أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة حدث بين ديسمبر 2018 ويناير 2019، واستمر 35 يوماً بسبب خلاف بين الرئيس دونالد ترامب والكونغرس حول تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك. أراد ترامب خمسة مليارات دولار، ورفض الديمقراطيون، فتم إغلاق الحكومة. خلال تلك الأيام، توقف نحو ثلاثمائة ألف موظف اتحادي عن العمل، واستمر أربعمائة ألف آخرون في أداء وظائفهم دون رواتب. تراجعت حركة الطيران، وتقلص عدد المراقبين الجويين، وتعطلت خدمات الضرائب، وجُمدت مشروعات بحثية، واهتزت الأسواق وتذبذب الدولار، بينما بقي الجدار غير مكتمل. بمعنى أن الخلاف السياسي دفع الاقتصاد ثمنه
هذه ليست حادثة نادرة. فقد شهدت الولايات المتحدة أكثر من عشرين حالة إغلاق منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو ما يعني أنها ظاهرة متكررة داخل النظام الديمقراطي نفسه. الفكرة الدستورية الأساسية هي منع أي رئيس من التحكم في المال العام بمفرده. أما من الوجهة العملية، فهي أزمة تسبب شللاً إدارياً واقتصادياً يدفع ثمنه المواطن والعالم.

هنا يظهر البعد العالمي. أمريكا ليست دولة عادية، فالاقتصاد الدولي يتنفس عبر الدولار والبورصات الأمريكية وشركات وادي السيليكون. توقف الحكومة الأمريكية يعني تراجع ثقة المستثمرين، وتأخر المدفوعات الدولية، واضطراب الأسواق الناشئة، وتأثر حركة التجارة العالمية. أحياناً قد يتخذ الكونغرس قراراً داخلياً في واشنطن، لكنه يهز بنكاً في نيروبي أو صفقة تمويل في الخرطوم.

المفارقة الأعمق تظهر حين نقارن هذا المشهد بالدول العربية والإفريقية. ففي كثير من دول العالم الثالث لا يحدث إغلاق حكومي، لكن ليس لأن الأمور أفضل، بل لأن العملية المالية نفسها لا تخضع لنفس الرقابة. قد يتم تمرير الميزانية دون نقاش جاد، أو تُصرف الدولة على أساس ميزانية العام السابق دون تدقيق، أو تبقى الحسابات الختامية بعيدة عن الرأي العام لسنوات. في هذه الدول تستمر الحكومة في الصرف حتى لو لم تُجاز الموازنة، بينما في أمريكا تتوقف الدولة لأن القانون يمنع الصرف دون اعتماد. لذلك، عدم حدوث الإغلاق في العالم الثالث لا يعني قوة النظام، بل أحياناً يعني ضعف أدوات المحاسبة.
لو حدث في دولة نامية ما يحدث في الولايات المتحدة من إغلاق، ربما انهارت العملات وارتفعت الأسعار وخرج الناس إلى الشوارع وتغيّرت الحكومات. أما في أمريكا فهو إجراء دستوري متكرر يستأنف العمل بعده مباشرة، وتعود المؤسسات وكأنها لم تتوقف. الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب ولا باحتفالات الانتخابات، بل بقدرة الدولة على العمل واحترام القانون. في أمريكا يكشف الإغلاق الحكومي قوة القيد القانوني على السلطة التنفيذية، بينما في بعض الدول الأخرى قد تمر الميزانيات بلا رقابة، وقد تتخذ القرارات المالية دون شفافية، وقد تتعطل الدولة اقتصادياً دون أن يملك البرلمان أو القضاء سلطة إيقاف ذلك.
من زاوية بنيوية بحتة، الإغلاق الحكومي جرح في الجسد السياسي، لكنه جرح مكشوف. أما في أماكن أخرى، فهناك جروح أعمق لكنها لا تُرى، لأن المؤسسات ضعيفة، والرقابة غائبة، والصمت يحجب الأخطاء عن الشعب وعن التاريخ.

الدرس الأكبر للعالم الثالث أن الخلاف السياسي يجب ألا يعطل حياة الناس، وأن الاقتصاد لا يحتمل الصراعات الطويلة، وأن الدولة الناجحة ليست التي تتجنب الأزمات، بل التي تملك مؤسسات تقف بعد الأزمة. الديمقراطية عندما تُدار بحكمة تخلق التوازن، وعندما تُترك للصراع تصبح عبئاً على الناس وعلى الاقتصاد.

من وجهة نظر استشارية، يُظهر نموذج الإغلاق الحكومي الأمريكي أن احترام الإجراءات قد يكون أغلى كلفة من تجاوزها، لكنه في النهاية يحمي النظام. أما في الدول التي تُدار فيها المالية العامة دون رقابة حقيقية، فإن الانسياب الظاهري في العمل يخفي عجزاً مؤسسياً عميقاً.

وهكذا يقف العالم أمام واحدة من أغرب مفارقات السياسة الحديثة: أقوى دولة في العالم يمكن أن تتوقف عن العمل، ثم تعود للعمل بالقانون نفسه الذي أوقفها. وفي المقابل، دول لا تتوقف أبداً، لكنها لا تعمل كما يجب.

مراجع وإشارات

  1. Congressional Research Service, Government Shutdowns: Overview and Historical Data, 2023.
  2. The Washington Post, The Longest Shutdown in U.S. History, Jan. 2019.
  3. IMF Policy Paper, Fiscal Crises and Political Gridlock in Advanced Economies, 2021.
  4. Brookings Institution, How U.S. Budget Gridlock Affects Global Markets, 2020.
  5. البنك الدولي، الشفافية المالية والإدارة العامة في الدول النامية، 2022.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

من الذي سرق الفقراء؟ الأسواق، ،ام السياسات

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ليس جديدًا أن يرتفع الفقراء كل يوم …