باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 21 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبد العظيم الريح مدثر
عبد العظيم الريح مدثر عرض كل المقالات

حين تصبح الوفرة فقرًا

اخر تحديث: 20 أغسطس, 2026 9:47 مساءً
شارك

حين تصبح الوفرة فقرًا

منبر نور
مقالات من بطون الكتب ونبض الواقع

المقدمة:
 عندما يصبح النجاح الاقتصادي سؤالًا

هناك أفكار تبدو في زمانها غريبة، ثم تمضي السنوات فنكتشف أنها كانت ترى المستقبل قبل أن يأتي.

ومن هذه الأفكار ما طرحه الاقتصادي الأمريكي جون كينيث جالبريث في كتابه الشهير The Affluent Society، الصادر عام 1958،
 وما كشفه الكاتب والباحث الأمريكي فانس باكارد في كتابه The Waste Makers، الصادر عام 1960.

كلا الكتابين ينتميان إلى مرحلة مختلفة من التاريخ الاقتصادي، لكنهما يلتقيان عند سؤال يكاد يكون أكثر حضورًا اليوم من يوم كتباه:

ماذا يحدث للإنسان والاقتصاد عندما يصبح الإنتاج قادرًا على خلق وفرة هائلة من السلع، بينما لا تتوقف الرغبات عن النمو؟

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الوفرة باعتبارها انتصارًا اقتصاديًا.
المصانع تنتج أكثر.
الأسواق تمتلئ.
السلع تتنوع.
التكنولوجيا تتقدم.
الإعلانات تصل إلى كل بيت.
والائتمان يتيح للإنسان أن يشتري اليوم ويدفع غدًا.

لكن هل يعني ذلك أن الإنسان أصبح أكثر سعادة؟

هل أصبح المجتمع أكثر عدالة؟
هل تحسنت الخدمات العامة بالسرعة نفسها التي تحسنت بها السلع الخاصة؟
وهل كل ما نشتريه نحتاج إليه فعلًا؟

هنا تبدأ رحلة هذا المقال من بطون كتابين، لا لنحاكم الرأسمالية ولا لنرفض السوق،
 وإنما لنفهم شيئًا أعمق:

كيف يمكن أن تتحول قوة الإنتاج، وهي أعظم إنجازات الاقتصاد الحديث، إلى قوة تدفع الإنسان نحو الاستهلاك المستمر والهدر المتزايد؟
والأهم من ذلك: ماذا يعني هذا السؤال بالنسبة إلى الدول النامية التي لا تزال تعاني في الأساس من نقص الموارد؟

جالبريث واكتشاف المفارقة

كان جالبريث ينظر إلى المجتمع الأمريكي في خمسينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي خرجت فيها الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية إلى عصر من النمو الصناعي الهائل.
كانت السيارات تنتشر.
والثلاجات والغسالات وأجهزة التلفزيون تدخل البيوت.
والصناعة الأمريكية تنتج بكميات ضخمة.
والطبقة الوسطى تتوسع.
والدخل يرتفع.
وكان من السهل جدًا أن يقال إن الاقتصاد الأمريكي حقق نجاحًا باهرًا.

لكن جالبريث توقف أمام سؤال مختلف.

إذا كان القطاع الخاص يستطيع إنتاج هذا الكم الهائل من السلع،
فلماذا لا تتطور الخدمات العامة بالسرعة نفسها؟
لماذا يستطيع المجتمع أن ينفق على السيارات والمنازل والأجهزة، بينما تعاني بعض المدارس والطرق والمستشفيات والحدائق والخدمات العامة من نقص الاستثمار؟

ومن هنا جاءت إحدى أهم أفكار الكتاب: اختلال التوازن بين الوفرة الخاصة والاحتياج العام.

قد يمتلك المجتمع ملايين السيارات، بينما تكون طرقه مزدحمة ومتهالكة.
وقد تمتلئ البيوت بالأجهزة، بينما تعاني المدارس من نقص الموارد.
وقد تتضاعف السلع الاستهلاكية، بينما لا يتضاعف الاستثمار في البيئة أو النقل العام أو الصحة والتعليم بالقدر نفسه.

وهنا لا يعود السؤال الاقتصادي:
كم ننتج؟
بل يصبح:
ماذا ننتج؟ ولمن؟ ولماذا؟

الثروة ليست في كثرة الأشياء وحدها

هذه النقطة تستحق التوقف طويلًا.
فالاقتصاد التقليدي يقيس جانبًا كبيرًا من نجاحه بالناتج والدخل والاستهلاك والاستثمار.

لكن جالبريث دفع النقاش خطوة أبعد.
فالإنسان لا يعيش داخل الناتج المحلي الإجمالي.
إنه يعيش في بيت، ويمشي في شارع، ويرسل أبناءه إلى مدرسة، ويذهب إلى مستشفى، ويستعمل الماء والكهرباء والنقل، ويتنفس الهواء.
وبالتالي فإن جودة الحياة لا يمكن أن تكون مجرد مجموع السلع التي يشتريها الأفراد.
قد يرتفع دخل المجتمع، لكن إذا ارتفعت معه تكلفة العلاج والتعليم والسكن والنقل، فقد لا يشعر المواطن بأن حياته تحسنت بالقدر الذي توحي به الأرقام.
وهنا تصبح التنمية الحقيقية أكثر اتساعًا من النمو.

النمو يسأل: كم أنتجنا؟
أما التنمية فتسأل:
ماذا حدث للإنسان؟

باكارد: عندما بدأ الاقتصاد يصنع المستهلك

إذا كان جالبريث قد ركز على مفارقة الوفرة واختلال الأولويات، فإن فانس باكارد اقترب من منطقة أكثر حساسية.
في The Waste Makers
 درس باكارد الطريقة التي يمكن بها للصناعة والإعلان والتسويق أن تدفع المستهلك نحو شراء سلع جديدة حتى عندما لا تكون السلع القديمة قد فقدت وظيفتها بالكامل.
وهنا يظهر مفهوم مهم في تاريخ الاقتصاد الاستهلاكي: التقادم.

هناك فرق بين منتج يتوقف عن العمل لأنه انتهى عمره الطبيعي، ومنتج يتم استبداله لأن المستهلك أصبح يشعر أن امتلاكه قديم أو غير مرغوب فيه.
وباكارد اهتم بهذا العالم الذي تتداخل فيه الصناعة مع علم النفس والتسويق.
فالاقتصاد لا ينتظر دائمًا أن يقول الإنسان: أحتاج إلى هذا المنتج.
بل قد تعمل صناعة كاملة على إقناعه بأنه يحتاج إليه.
وهنا يصبح الإعلان أكثر من وسيلة لتعريف المستهلك بالسلعة.
إنه يصبح أداة لتشكيل الرغبة.

من الحاجة إلى الرغبة

هذه واحدة من أعقد التحولات التي عرفها الاقتصاد الحديث.
الإنسان القديم كان يشتري لأن لديه حاجة.
أما الاقتصاد الاستهلاكي الحديث فقد أصبح قادرًا على خلق رغبات جديدة بصورة مستمرة.
الهاتف يعمل، لكن الهاتف الجديد أسرع.
السيارة تعمل، لكن الموديل الجديد أكثر جاذبية.
الثوب صالح، لكن الموضة تغيرت.
الجهاز لم يتعطل، لكن الشركة أطلقت إصدارًا أحدث.

وهكذا يصبح الاقتصاد في حاجة دائمة إلى دورة شراء جديدة.
ولا يعني ذلك أن كل ابتكار خدعة تسويقية.
على العكس، كثير من الابتكارات حسنت حياة الإنسان بصورة حقيقية.
لكن السؤال الذي طرحه باكارد يظل قائمًا:

أين تنتهي الحاجة إلى التجديد وأين يبدأ اقتصاد الهدر؟

لماذا يحتاج الاقتصاد إلى أن نستهلك أكثر؟

هنا ندخل إلى قلب المسألة الاقتصادية.
المصنع يريد أن ينتج.
والعامل يريد وظيفة.
والشركة تريد أرباحًا.
والحكومة تريد نموًا وإيرادات ضريبية.
وكل هذه الأهداف مشروعة في أصلها.

لكن إذا أصبح النمو معتمدًا بصورة متزايدة على دفع الناس إلى شراء ما لا يحتاجونه، فإن الاقتصاد يدخل في مفارقة خطيرة.
فالسلعة التي تُستخدم عشر سنوات قد تكون أفضل للإنسان والبيئة، لكنها قد تعني مبيعات أقل من سلعة تُستبدل كل سنتين.

ومن هنا نشأت أسئلة الاقتصاد الحديث حول الاقتصاد الدائري، والإصلاح، وإعادة الاستخدام، وإطالة عمر المنتجات.
وهذه ليست أفكارًا مثالية بعيدة عن الاقتصاد.
بل أصبحت جزءًا من النقاش العالمي حول استدامة الموارد.

المفارقة الكبرى: الهدر قد يكون نشاطًا اقتصاديًا

وهنا نصل إلى عنواننا.
متى تصبح الوفرة فقرًا؟
عندما نستهلك من رأس المال الطبيعي أكثر مما نستطيع تعويضه.
عندما ننتج طعامًا ثم نرمي جزءًا منه.
عندما نستخرج المعادن ثم نصدرها خامًا ونعود لشراء المنتج المصنّع بأضعاف السعر.
عندما نستورد ما نستطيع إنتاجه محليًا.
عندما نستبدل الأشياء قبل انتهاء عمرها.
عندما ننفق المال على الكماليات بينما نعجز عن تمويل التعليم الأساسي.
عندما يصبح المجتمع غنيًا بالأشياء وفقيرًا في الأولويات.

وهنا يصبح الهدر نوعًا من الفقر حتى لو كانت الأسواق مزدحمة.

العالم الثالث أمام مفارقة مختلفة

في الدول الصناعية الغنية، كان جالبريث وباكارد يراقبان مشكلة الوفرة والاستهلاك.
أما في الدول النامية، فالمشهد أكثر تعقيدًا.
لدينا في الوقت نفسه نقص وهدر.
قد تعاني أسرة من نقص الغذاء، بينما تهدر الأسواق كميات من الطعام.
قد تكون الدولة بحاجة إلى العملة الأجنبية، لكنها تنفق جزءًا منها على سلع استهلاكية يمكن إنتاج بعضها محليًا.
قد تحتاج المصانع إلى قطع غيار، بينما تستورد الأسواق كماليات.
وقد يعاني التعليم من نقص التمويل، في حين تتدفق الموارد إلى أنشطة استهلاكية لا تزيد القدرة الإنتاجية للمجتمع.
وهذه المفارقة تعني أن الدول النامية لا تحتاج فقط إلى زيادة الإنتاج.
إنها تحتاج إلى إدارة أفضل للأولويات.

السودان: حين تصبح ندرة الموارد سببًا لمضاعفة قيمة كل جنيه
إذا أسقطنا أفكار الكتابين على السودان، يصبح النقاش أكثر إلحاحًا.
السودان بلد يحتاج إلى كل مورد.
كل دولار.
كل طن قمح.
كل لتر وقود.
كل ساعة عمل.
كل مهندس.
كل فني.
كل شاحنة.
كل آلة.
كل فدان.
كل قطرة ماء.
ولهذا فإن الهدر في السودان ليس مجرد مشكلة بيئية.
إنه مشكلة اقتصادية وطنية.
حين تتعطل آلة إنتاجية لعدم توفر قطعة غيار، فإن الخسارة ليست قيمة قطعة الغيار فقط، وإنما الإنتاج الذي لم يحدث.
وحين تُترك المعدات بلا صيانة حتى تتلف، فإن الدولة لا تخسر آلة فحسب، بل تخسر رأس مال كان يمكن أن ينتج لسنوات.
وحين يُصدر المورد الخام دون تصنيع، فإن الاقتصاد يخسر القيمة المضافة وفرص العمل والمعرفة الصناعية.

وهنا تتلاقى هذه الرؤية مع سلسلة المقالات التي كتبناها سابقًا حول الموارد الطبيعية.
المشكلة ليست فقط فيما نملك، وإنما في الطريقة التي ندير بها ما نملك.
منجم الذهب ليس ثروة كاملة
خذ الذهب مثالًا.
حين نستخرج الذهب ونبيعه خامًا أو في صورة أولية، فإننا حصلنا على جزء من القيمة.
لكن أين مصانع المعالجة؟
أين صناعة المجوهرات؟
أين تقنيات التعدين؟
أين خدمات الجيولوجيا والهندسة والصيانة؟
أين التدريب الفني؟
أين الشركات السودانية التي تقدم الخدمات للقطاع؟
أين البحث العلمي المرتبط بالتعدين؟
هنا تظهر فلسفة القيمة المضافة.
قد يكون الذهب ثروة طبيعية.
لكن اقتصاد الذهب شيء أكبر بكثير من الذهب نفسه.
وهذه الفكرة تصلح للزراعة والماشية والقطن والسمسم والصمغ العربي والحديد والحجر الجيري وغيرها.

الحجر الجيري الذي يخرج من الأرض يمكن أن يبني اقتصادًا
وهنا يمكن أن نعود إلى ولاية نهر النيل وبربر.
الحجر الجيري ليس مجرد صخر.
إذا كانت المنطقة تمتلك خامًا مناسبًا لصناعة الأسمنت، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في استخراج الحجر فقط، بل في سلسلة القيمة الكاملة:
المحجر.
النقل.
الكسارات.
مصانع الأسمنت.
المختبرات.
الصيانة.
الهندسة.
التعبئة.
التوزيع.
التدريب.
البحوث.
والصناعات المرتبطة.
وهكذا يتحول مورد طبيعي إلى منظومة إنتاجية واسعة.

وهذا هو الاقتصاد الذي نريده: اقتصاد لا يسأل فقط «ماذا نبيع؟»، وإنما يسأل:
كم قيمة يمكن أن نخلقها قبل أن نبيع؟

الوفرة الغذائية لا تعني الأمن الغذائي
هذه الفكرة تنطبق كذلك على الغذاء.
قد ينتج بلد محصولًا جيدًا، لكنه يظل مستوردًا للغذاء.
لماذا؟
لأن إنتاج المادة الخام ليس هو الأمن الغذائي.
الأمن الغذائي يحتاج إلى التخزين، والنقل، والتصنيع، والتعبئة، والأسواق، والتمويل، والبحوث، وإدارة المخاطر.
وإذا فقدنا جزءًا كبيرًا من المحصول بعد الحصاد، فإن زيادة الإنتاج وحدها لا تحل المشكلة.
وهكذا يمكن أن يكون لدينا وفرة في الحقول وفقر في المائدة.

هل نحتاج إلى العودة إلى اقتصاد التقشف؟
لا.
وهنا يجب ألا نسيء فهم جالبريث أو باكارد.
الاقتصاد الرشيد ليس اقتصادًا يكره الاستهلاك.
ولا التنمية تعني أن يعود الإنسان إلى حياة الفقر.
المشكلة ليست في أن يشتري الإنسان سيارة أفضل، أو هاتفًا أفضل، أو منزلًا أفضل.
المشكلة عندما يصبح الاستهلاك غاية في ذاته، وعندما تصبح الموارد موجهة إلى الرغبات الثانوية بينما تبقى الحاجات الأساسية غير ممولة.

القناعة الاقتصادية التي ناقشناها سابقًا ليست دعوة للفقر.
إنها دعوة إلى التمييز بين ما يزيد الرفاه وما يزيد الفاتورة فقط.

ماذا تعلمنا من الكتابين؟

جالبريث يعلمنا أن الوفرة الخاصة لا تعني بالضرورة رفاهًا عامًا.

وباكارد يحذرنا من اقتصاد يستطيع أن يحول الرغبة إلى حاجة، والحاجة إلى شراء، والشراء إلى هدر.
وعندما نجمع الفكرتين نحصل على رؤية أكثر عمقًا:
المجتمع الناجح ليس المجتمع الذي يستهلك أكثر، وإنما المجتمع الذي يحصل على أكبر قدر من الرفاه من كل وحدة من موارده.
وهذا تعريف اقتصادي مختلف للكفاءة.

من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد القيمة

ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي نريد أن نضعه أمام القارئ ا.
ليس المطلوب أن نتوقف عن الاستهلاك.
بل أن ننتقل من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد القيمة.
اقتصاد القيمة يعني أن المنتج يبقى في دورة الاستخدام أطول.
وأن النفايات تتحول إلى مدخلات إنتاج.
وأن الصيانة تصبح صناعة.
وأن إعادة التدوير تصبح نشاطًا اقتصاديًا.
وأن المنتج المحلي يحصل على فرصة.
وأن المواد الخام تدخل في صناعات محلية.
وأن الإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية يُنظر إليه باعتباره استثمارًا وليس استهلاكًا حكوميًا.

وهنا نكتشف أن «اقتصاد القناعة» الذي ناقشناه سابقًا ليس عودة إلى الماضي، بل يمكن أن يكون أحد أوجه الاقتصاد الحديث.

الرأي الاستشاري لمنبر نور
من خلال قراءة جالبريث وباكارد، ومن خلال إسقاط أفكارهما على واقع الدول النامية، نرى أن السياسة الاقتصادية الرشيدة ينبغي أن تتحرك في خمسة اتجاهات مترابطة.
أولًا: قياس الهدر الاقتصادي، لأن ما لا نقيسه لا نستطيع إصلاحه. ينبغي أن تعرف الدولة حجم الفاقد في الغذاء والطاقة والمياه والمعدات وسلاسل النقل والإنتاج.
ثانيًا: تعظيم القيمة المضافة المحلية. لا ينبغي أن تكون الأولوية دائمًا لزيادة صادرات المواد الخام، بل لزيادة القيمة التي تظل داخل الاقتصاد الوطني.
ثالثًا: تشجيع الاقتصاد الدائري، بحيث تصبح الصيانة والإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير صناعات قائمة بذاتها.
رابعًا: إعادة التوازن بين الاستهلاك والاستثمار. المجتمع الذي ينفق كل دخله على الاستهلاك لا يبني المستقبل. ولا بد من مساحة أكبر للاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية والتكنولوجيا ورأس المال الإنتاجي.
خامسًا: تعليم المستهلك. فالمستهلك ليس مجرد نهاية لسلسلة الإنتاج؛ قراراته اليومية توجه السوق. وكلما أصبح أكثر وعيًا، أصبح المنتج أكثر اضطرارًا إلى تحسين الجودة والعمر والكفاءة.

الخاتمة:
ليست المشكلة أن لدينا كثيرًا… بل أننا لا نعرف ماذا نفعل بما لدينا
بعد أكثر من ستة عقود على كتاب جالبريث، وأكثر من ستة عقود على تحذيرات باكارد، يبدو أن العالم لم يتجاوز المشكلة التي رصداها، بل أصبحت أكثر تعقيدًا.
اليوم لدينا قدرة إنتاجية لم يعرفها التاريخ من قبل.
ولدينا تقنيات تستطيع تصنيع المنتجات بسرعة هائلة.
ولدينا أسواق عالمية تعمل على مدار الساعة.
ولدينا إعلان يصل إلى الإنسان في جيبه.
ولدينا تجارة إلكترونية تجعل الشراء ممكنًا بضغطة زر.
ومع ذلك لدينا في الجانب الآخر استنزاف للموارد، وتراكم للنفايات، وهدر للغذاء، وضغط على البيئة، وتفاوت اقتصادي واسع.
وهنا تعود الحكمة القديمة في ثوب اقتصادي جديد:
ليست الثروة في كثرة ما نملك، وإنما في حسن إدارتنا لما نملك.
قد تكون دولة فقيرة بالموارد لكنها غنية بالكفاءة.
وقد تكون دولة غنية بالموارد لكنها فقيرة في الإدارة.
وقد يكون الإنسان فقير الدخل لكنه رشيد الاستهلاك.
وقد يكون غنيًا لكنه أسير الاستهلاك.
وهكذا يصبح عنواننا أكثر وضوحًا:
الوفرة تصبح فقرًا عندما نفقد القدرة على التمييز بين ما نحتاج إليه وما نرغب فيه، وبين ما ينتج قيمة وما ينتج هدرًا.
ولعل الرسالة الأعمق التي نخرج بها من الكتابين أن الاقتصاد ليس ماكينة لإنتاج السلع فقط.
إنه في جوهره فن ترتيب الأولويات البشرية.
والدولة التي تعرف أولوياتها تستطيع أن تحول القليل إلى كثير.
أما الدولة التي لا تعرف أولوياتها، فقد تحول الكثير إلى قليل.
وهذا هو الفارق بين الثروة والهدر.
وبين الاقتصاد الذي يخدم الإنسان والاقتصاد الذي يجعل الإنسان خادمًا للاستهلاك.

مراجع المقال
John Kenneth Galbraith, The Affluent Society, Houghton Mifflin, 1958.
Vance Packard, The Waste Makers, David McKay Company, 1960.
John Kenneth Galbraith, The New Industrial State, Houghton Mifflin, 1967.
E. F. Schumacher, Small Is Beautiful: Economics as if People Mattered, Blond & Briggs, 1973.
Amartya Sen, Development as Freedom, Alfred A. Knopf, 1999.
United Nations Environment Programme, Global Resources Outlook.
World Bank, تقارير الاستهلاك والإنتاج المستدام وإدارة الموارد.

عبد العظيم الريح مدثر

متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا

مؤسس منبر نور البحثي

sanhooryazeem@hotmail.com

Author
عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الرياضة
الهلال الاُبَيِّض يلحق هزيمة تاريخية بالهلال في الممتاز السوداني
منبر الرأي
الفنجان البائس: دراسة في نقد محمد المهدي المجذوب وعلاقته بشعره .. بقلم: أحمد محمد البدوي
البرهان في قلب العزلة النهائية- انكشاف الدمية وانهيار المشروع الإسلامي
منشورات غير مصنفة
نادي المريخ الثقافي
“تمرد” ١٨ أغسطس ١٩٥٥: جنوسايد أم عيد لقدامى المحاربين .. بقلم: عبد الله علي إبراهيم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

نداء الوحدة الذى أطلقه الاتحادى الديمقراطى .. هل يكفى لانتشال السودان من مخاطر الانفصال؟ بقلم: عمر الترابي

عمر الترابي
منبر الرأي

المؤتمر الوطني .. والترقيع وسط الصقيع !! .. بقلم: خضرعطا المنان- الدوحة

خضر عطا المنان
منبر الرأي

أبريل شهر الرحيل .. بقلم: إسماعيل عبدالله

طارق الجزولي
منبر الرأي

ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي

د.عصام محجوب الماحي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss