حين تُطمَس الحقائق ويُختزل الألم السوداني (قراءة في جذور الصراع، ومسؤولية الدولة، وانحياز الإعلام)

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
لم تعد المأساة السودانية حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه الملايين وسط الدمار والتشريد وانهيار مؤسسات الدولة. غير أن المؤلم أكثر من الحرب ذاتها هو الطريقة التي يُقدَّم بها هذا الصراع في كثير من المنابر الإعلامية، حيث تُختزل الأزمة في سرديات جاهزة تُريح المتلقي وتُعفي الفاعلين الحقيقيين من المساءلة. في هذا السياق، يجري تجاهل جذور الصراع، وتُطمس الحقائق المرتبطة بنشأة القوى المتحاربة، وكأن التاريخ بدأ فجأة مع اندلاع المعارك الأخيرة. إن من أبرز الحقائق التي يتم القفز فوقها عمدًا أو تهميشها بوعي، أن قوات الدعم السريع لم تنشأ خارج إطار الدولة السودانية، ولم تكن في بداياتها كيانًا متمردًا أو طارئًا على المشهد السياسي، بل تأسست بقرار رسمي، ونمت داخل بنية الحكم، وبرعاية مباشرة من القوات المسلحة السودانية. لقد جرى تسليحها وتمويلها ومنحها غطاءً قانونيًا، واستخدامها كأداة أمنية في مواجهة أزمات داخلية عجزت الدولة عن معالجتها سياسيًا واجتماعيًا. إن تغييب هذه الحقيقة من النقاش العام يخلق رواية ناقصة، ويحوّل الأزمة إلى صراع مبسّط بين خير وشر، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا وقسوة. لقد مثّلت مشاركة قوات الدعم السريع ضمن التحالف العربي في حرب اليمن، وإرسالها رسميًا إلى المملكة العربية السعودية في إطار عملية عاصفة الحزم، إحدى المحطات الكاشفة لطبيعة العلاقة بين الدولة والسلاح. فهذه المشاركة لم تكن فعلًا فرديًا ولا مغامرة مستقلة، بل قرارًا سياديًا اتُّخذ في سياق إقليمي ودولي معقّد، سعت فيه السلطة آنذاك إلى تحسين موقعها السياسي والاقتصادي عبر الانخراط في صراعات خارجية. ولا تزال بعض تشكيلات هذه القوات موجودة على الأراضي السعودية، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة الدولة السودانية لملف قواتها المسلحة، وحدود استخدام الجنود السودانيين كأوراق تفاوض في معادلات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالح الشعب. إن تجاهل هذه الوقائع في التحليل الإعلامي والسياسي يُفرغ الأزمة من بعدها الحقيقي، ويجعل من الصراع الحالي حكاية داخلية مبتورة، بينما هو في جوهره نتيجة لتشابك عوامل داخلية وخارجية، وسياسات قصيرة النظر اعتمدت على القوة بدلًا من بناء مؤسسات وطنية جامعة. لقد ظلت الدولة السودانية، لعقود طويلة، تفضّل الحلول الأمنية على الإصلاح السياسي، وتؤجل معالجة جذور الأزمات الاجتماعية، إلى أن انفجرت هذه التناقضات في شكل حرب شاملة لم تعد تميّز بين عسكري ومدني. في خضم هذا المشهد، يبرز دور الإعلام، خاصة الإعلام العربي، بوصفه فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العام. غير أن هذا الدور غالبًا ما يُمارَس بسطحية مقلقة، حيث تُستنسخ الروايات الرسمية، أو يُعاد إنتاج خطاب منحاز يفتقر إلى العمق والسياق. وبدلًا من مساءلة البُنى التي أنتجت العنف، يجري التركيز على مظاهر الصراع، وكأن الحرب مشهد درامي لا مأساة إنسانية. إن هذا النوع من التناول لا يكتفي بتضليل الرأي العام، بل يساهم في تطبيع العنف وتبرير استمراره. أما المواطن السوداني، فهو الطرف الذي لا صوت له في هذه السرديات المتصارعة. ملايين النازحين واللاجئين، مدن تحولت إلى أطلال، اقتصاد منهار، ونسيج اجتماعي باتت ممزقة. هؤلاء لا تعنيهم الانتصارات الوهمية ولا الشعارات الرنانة، بل يبحثون عن أبسط حقوقهم في الأمان والعيش الكريم. ومع ذلك، نادرًا ما يُمنحون مساحة حقيقية للتعبير عن معاناتهم، أو يُنظر إليهم كأصحاب مصلحة أساسية في أي حل سياسي. إن الحديث عن الحسم العسكري أو النصر الكامل في سياق كهذا ليس سوى وهم خطير، لأنه يتجاهل حقيقة أن الحرب ذاتها هي الهزيمة الكبرى. فلا جيش استطاع أن يحمي الدولة من الانهيار، ولا مليشيا نجحت في توفير الأمن، بل تحوّل السلاح إلى أداة لتدمير ما تبقى من السودان. وكلما طال أمد الصراع، تعمّقت الكراهية، وازدادت صعوبة ترميم الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. ما يحتاجه السودان اليوم ليس اصطفافًا إعلاميًا ولا ترويجًا سياسيًا، بل شجاعة أخلاقية للاعتراف بالأخطاء، وجرأة فكرية لإعادة طرح الأسئلة المؤجلة حول طبيعة الدولة، ودور الجيش، وحدود استخدام القوة. السلام الحقيقي لا يمكن أن يُفرض بالقوة، ولا أن يُبنى على إنكار الجرائم أو تبريرها، بل يتطلب مسارًا شاملًا يعيد الاعتبار للمواطنة، ويخضع السلاح لسلطة مدنية، ويضع مصلحة الإنسان فوق حسابات السلطة. إن السودان أكبر من أن يُختزل في رواية واحدة، وأعمق من أن يُفهم عبر مقالات سريعة أو تحليلات متعجلة. هو بلد مثقل بالتاريخ والتنوع والتجارب المريرة، ولا يمكن إنقاذه إلا عبر قراءة صادقة تعترف بتعقيد أزمته، وتضع السلام كخيار وجودي لا كشعار سياسي. فالشعب السوداني لا يحتاج من يتحدث باسمه دون أن يسمعه، ولا من يروّج للحرب تحت لافتات زائفة، بل يحتاج إلى وعي مسؤول يقف مع الحياة، ويمنح الأمل فرصة أخيرة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (4-5)

بقلم: لوال كوال لوال عندما أُعلن استقلال جنوب السودان، بدا وكأن التاريخ يمنح هذا الشعب …