حين كانت الإبرة تُطعم بيوتًا: ذاكرة ود مدني وصناعة غابت

aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

شدّني صباح اليوم مقالٌ قرأته في صحيفة سودانايل للكاتب والخبير الاقتصادي السوداني محمد سنهوري الأمين بعنوان:
«المداخن الصامتة: كيف يغرق الغزو المستورد ما تبقّى من أحلام الصناعة السودانية؟».
ومن سطره الأول، ساقني الحنين بعيدًا… إلى سوق مدينة ود مدني كما عرفناه أيام زمان.

في العطلات المدرسية، كنا نقضي أيامنا في السوق. وكان السوق وقتها حيًّا يتنفّس بالناس والعمل؛ حركة لا تهدأ، ووجوه تعرف بعضها، ورزق «ماشي».
في كل برندة دكان، تشوف الترزية قاعدين خلف الماكينات في شغل دؤوب ومتصل، عمل متقن ويد واثقة. جلاليب، لبس قومي، لبس إفرنجي، بناطيل، قمصان، وبدل… ما في دكان ملابس إلا وقدّامه ترزي أو اتنين.

الناس كانت بتحب اللبس المفصّل، وتثق في الشغل السوداني. والرزق كان واسع لدرجة إنو لا التاجر ولا الترزي يقوم يمشي البيت وقت الغداء. الغداء يجيهم من البيوت في عواميد، يقعدوا القرفصاء قدّام الدكاكين، يأكلوا مع بعض في مشهد فيه تكافل ومحبة. والفاضل من الأكل يتحط مرتب في العامود، للزول المحتاج المارّ.

والتحلية؟ على حسب الموسم: بطيخ، شمام، مانجو، برتقال، دليب… وعيش ريف محمّر، وبامبي بالشطة، وترمس وكبكبي. الشغل يستمر لحدي المغرب، وفي المواسم والأعياد لحدي الفجر.

بعد الغداء، كنت أقعد على صندوق الملابس، أشرب شايًا أحمر بالقرنفل من يد عمنا إبراهيم بائع الشاي، ونسمع ونحفظ أسرار الحياكة. وأتذكر هنا رجالًا كان لهم في السوق اسم ورنّة:
العم عوض دفع الله، إدريس، عربي، محمد عبد الكريم، كولا، ربيع، وبلة المصري (بابكر بسمة)—رحمهم الله جميعًا.
وأتذكر كذلك عبد القادر أبو ضراع، ترزي القمصان الشاطر، الذي انتقل لاحقًا إلى تجارة العقارات، وأصبح اسمًا معروفًا بالسمعة الطيبة ومشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم. وكذلك ترزي الشباب صالح، المشهور ببناطيل «الشارلستون»، الذي كنا نقصده ونحن طلاب في المرحلة الوسطى، جوار دكان لالظ.

كانت ود مدني معروفة بأنها تضم أمهر ترزية السودان، خاصة في صناعة البدل واللبس الإفرنجي: المرحوم محجوب عبد العزيز، شيخ ختر، سمير علي صالح، أمين بركات، الهادي الكسّار، صلاح الريح وغيرهم كُثُر. ومن ذلك الجيل، لم يتبقَّ إلا القليل، مثل ترقال، والفنان الأديب فيصل بود أزرق—نسأل الله أن يمدّ في أعمارهم.

ذلك المشهد كله كان بداية الحكاية الحزينة: دخول المستورد، وتراجع التفصيل، وبداية كساد صناعة كانت فاتحة بيوت وتعول أسرًا كثيرة. صناعة بدأت من السوق، وتطورت حتى بلغت مرحلة المصانع، مثل سلوى بوتيك ومصنع رحاب لعمنا عثمان المدني، الذي بدأ من السوق ثم انتقل إلى المنطقة الصناعية.

لكن، واحدة واحدة، العجلة وقفت. مصانع الغزل والنسيج اتدمّرت، الماكينات اتباعت خردة، وصناعة عريقة كانت مصدر رزق ومعرفة اندثرت قدّام أعيننا في مشهد تراجيدي. بنفس العين الشافت الازدهار وقيام المصانع، شفنا الانهيار.

وتوقف صناعة الغزل والنسيج، والجلود، والزيوت، وغيرها… ثم أخيرًا تم تدمير مصنع الشفاء للأدوية. الصناعة بدت تنهار من وقت مبكر، وتراكم عليها الإهمال، لحدي ما جات الحرب و«شفشفت» الباقي، وسكّت كل المداخن.

وبرغم الوجع، الأمل لسه موجود. أمل إنو المداخن دي ترجع تدخّن تاني، بصناعة حديثة، وعقل جديد، بعد التحرير وإعادة الإعمار والبناء.
لأنو البلد البتقدر تنتج وتصنع… بتقدر تعيش

عن امين الجاك عامر

امين الجاك عامر

شاهد أيضاً

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم: امين الجاك عامر المحاميaminoo.1961@gamil.com قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية …