من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين يتجادل السوق مع ضميره
قراءة في كتابين شكّلا العقل الاقتصادي الحديث:
«الرأسمالية والحرية» لميلتون فريدمان
و«ثمن اللامساواة» لجوزيف ستيغليتز
منبر بنيان
مقالات من بطون كتب… ونبض الميدان
ليست كل الكتب
الاقتصادية متشابهة، ولا كل الاختلافات فيها صراعًا
. بعض الكتب كُتبت لتدافع،
وبعضها كُتب ليُراجع،
والقليل منها كُتب ليضع العالم أمام مرآة صادقة.
وحين نختار كتابين لمقال واحد
، فإننا لا نبحث عن خصومة فكرية،
بل عن حوار عميق بين زمنين، وتجربتين، وعقلين ينتميان – paradoxically – إلى المدرسة نفسها.
ميلتون فريدمان وجوزيف ستيغليتز ليسا نقيضين أيديولوجيين بالمعنى السطحي،
فكلاهما ابن الاقتصاد الغربي،
وكلاهما نال نوبل،
وكلاهما آمن بالسوق،
لكن أحدهما كتب في لحظة صعود الثقة المطلقة بالرأسمالية،
والآخر كتب في لحظة مساءلتها الأخلاقية العميقة.
هنا تكمن قيمة الجمع بين الكتابين.
أولًا: الرأسمالية حين كانت واثقة من نفسها
صدر كتاب «الرأسمالية والحرية» في مطلع ستينيات القرن الماضي، في عالمٍ خرج لتوّه من الحرب العالمية الثانية، وبدأ يشعر بثقل الدولة، واتساع البيروقراطية، وتضخم الضرائب، وتدخل الحكومات في كل شيء تقريبًا.
في هذا السياق، جاء فريدمان لا كمنظّر جامعي فقط، بل كمحارب فكري.
الفكرة المحورية في الكتاب بسيطة في ظاهرها، جذرية في آثارها:
لا حرية سياسية دون حرية اقتصادية،
ولا ازدهار دون سوق حر، ولا دور للدولة إلا في أضيق الحدود.
فريدمان يرى أن الدولة كلما تمددت، تقلّصت الحرية الفردية،
وأن السوق – رغم عيوبه – يظل أكثر عدلًا وكفاءة من أي جهاز حكومي.
يدافع عن الخصخصة، ويهاجم الدعم، ويشكّك في التعليم الحكومي، ويطرح أفكارًا كانت وقتها صادمة
، مثل القسائم التعليمية، وتحرير سعر الصرف، وإلغاء القيود على رأس المال.
هذا الكتاب لم يكن تنظيرًا معزولًا،
بل أصبح لاحقًا المرجع الفكري لسياسات تبنّتها دول كبرى، من الولايات المتحدة في عهد ريغان، إلى بريطانيا في عهد تاتشر،
وصولًا إلى برامج صندوق النقد الدولي في دول العالم الثالث.
باختصار، فريدمان كتب للعالم وهو يقول بثقة:
دعوا السوق يعمل… وستلحق العدالة بالكفاءة.
ثانيًا: حين طال أمد التجربة وظهرت الفاتورة
بعد نحو نصف قرن، يأتي جوزيف ستيغليتز بكتابه
«ثمن اللامساواة»،
لا ليهدم الرأسمالية
، بل ليسأل سؤالًا مؤلمًا:
من الذي دفع ثمن هذا النمو؟
ستيغليتز لا يكتب من موقع العداء للسوق
، بل من داخل المؤسسة.
عمل مستشارًا اقتصاديًا، ورأى عن قرب كيف تُصاغ السياسات، وكيف تتحول أفكار السوق الحر، حين تُترك بلا ضوابط، إلى آلية لإعادة توزيع الثروة من الفقراء إلى الأغنياء.
في هذا الكتاب، يقدّم ستيغليتز تشريحًا دقيقًا لظاهرة اللامساواة،
ليس بوصفها نتيجة طبيعية للتفاوت في الجهد أو الموهبة،
بل كنتيجة مباشرة لسياسات منحازة:
ضرائب تخفف العبء عن رأس المال،
نظم مالية تكافئ المضاربة لا الإنتاج،
تعليم وصحة يتحولان إلى سلع،
وسوق عمل يُضعف فيه صوت العامل.
الخلاصة الصادمة في الكتاب:
اللامساواة ليست فقط ظالمة، بل مدمّرة اقتصاديًا.
إنها تُضعف الطلب، وتشوّه السوق، وتهدّد الديمقراطية نفسها.
هنا لا يقول ستيغليتز «ألغوا السوق»، بل يقول:
أنقذوا السوق من نفسه.
ثالثًا: بين الكتابين… مسافة تجربة إنسانية
ما بين فريدمان وستيغليتز ليست مسافة فكرية فقط،
بل مسافة زمنية مليئة بالأزمات:
أزمات مالية،
فقاعات،
انهيارات،
توسّع شركات عملاقة،
وتراجع الطبقة الوسطى.
فريدمان كتب في عالم كان يخشى الدولة.
ستيغليتز كتب في عالم صار يخشى السوق غير المنضبط.
الأول رأى أن المشكلة في التدخل.
الثاني رأى أن المشكلة في الغياب الانتقائي للتدخل، حيث تُنقذ البنوك وتُترك المجتمعات.
رابعًا: إسقاط هادئ على عالمنا العربي
في عالمنا العربي، دخلنا الرأسمالية من بابها الخلفي، لا من بوابة الإنتاج
، بل من بوابة الوصفات الجاهزة.
طبّقنا تحرير الأسعار دون بناء مؤسسات،
ورفعنا الدعم دون شبكات أمان،
وخصخصنا دون حوكمة.
قرأنا فريدمان دون شروطه الصارمة للحرية والمؤسسات.
ولم نقرأ ستيغليتز إلا بعد أن دفعت مجتمعاتنا الثمن.
النتيجة:
لا سوق حقيقية، ولا عدالة اجتماعية، بل منطقة رمادية تُربك الدولة، وتُفقر المواطن، وتُغني القلّة.
خامسًا: فلسفة الكتابين… وما بينهما
فريدمان يذكّرنا بأن الحرية لا تُمنح من الدولة.
ستيغليتز يذكّرنا بأن السوق بلا أخلاق لا يضمن الحرية.
والحكمة ليست في اختيار أحدهما،
بل في فهم الحوار بينهما
. الاقتصاد ليس معادلة رياضية فقط
، بل علم اجتماعي أخلاقي
، يُخطئ حين ينسى الإنسان، ويُفلس حين يُقدّس الأرقام.
خاتمة بنيان
هذا المقال ليس انحيازًا، بل دعوة للقراءة الواعية.
دعوة لأن نخرج من ثنائية السوق أو الدولة،
ونفكّر في سؤال أعمق:
كيف نجعل الاقتصاد يخدم الإنسان، لا العكس؟
في «الرأسمالية والحرية» تعلّمنا الجرأة.
وفي «ثمن اللامساواة» تعلّمنا الحكمة بعد التجربة.
وبين الجرأة والحكمة، يولد الاقتصاد الذي نحتاجه.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم