حين يتقدّم العُرف ليُعلِّم الدولة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
حين يتقدّم العُرف ليُعلِّم الدولة
قراءة بنيانية في القانون غير المكتوب بالسودان
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

مقدمة:

حين يتحوّل الفكر إلى عمل جماعي

لم يعد منبر بنيان منصة رأي فردي، ولا حقل تجارب فكرية معزولة، بل بات ـ عن قصدٍ وإرادة ـ مساحة عمل جماعي (Group Work)، تُدار بذهنية بيت خبرة، لا بحدود الكاتب الواحد.

وهذا التحوّل ليس ترفًا فكريًا، بل استجابة طبيعية لتعقّد الأسئلة التي نطرقها: اقتصاد، دولة، مجتمع، عدالة، تنمية… وكلها لا تُفهم من نافذة واحدة.

من هنا، يأتي هذا المقال إعلانًا غير صاخب، لكنه واضح، عن بداية تعاون مثمر بين منبر بنيان وخبراء سودانيين في مجالات خارج التخصص الاقتصادي، وفي مقدمتهم صديق المنبر ومستشاره القانوني الأستاذ مختار مجذوب عابدون، الذي أهدى المنبر هذا الكتاب القيم:
«قضايا ومبادئ في القانون العرفي في السودان».

له الشكر، لا بوصفه مُهدي كتاب فحسب، بل بوصفه فاتح باب في مجال ظلّ مهملًا في الكتابة العامة، رغم حضوره العميق في حياة الناس.

أولًا: ما هو العُرف؟ حين تُشرِّع الجماعة قبل الدولة

العُرف، كما يكشفه هذا الكتاب، ليس:
بقايا ماضٍ تقليدي
ولا قانونًا ناقصًا
ولا نظامًا بدائيًا سبق “التحضّر”

بل هو صيغة اجتماعية مكتملة للعدالة، نشأت من حاجة الناس لتنظيم حياتهم قبل أن تعرف الدولة الحديثة طريقها إليهم.

العُرف:
قانون بلا أوراق
محكمة بلا جدران
قاضٍ بلا راتب
وعقوبة هدفها الإصلاح لا الإدانة

وحين جاءت القوانين الوضعية، لم تأتِ دائمًا لتُكمل هذا البناء، بل في كثير من الأحيان حلّت محله دون أن تملأ فراغه.

وهنا تقع المفارقة الكبرى:
القانون الحديث نظم الدولة،
لكن العُرف كان يُنظّم المجتمع.

ثانيًا: العُرف والقانون… تكامل أُسيء فهمه

الكتاب لا يُقدّم العُرف في مواجهة القانون، بل يضعهما في سياق تكامل أضاعته الدولة.

فالقانون الوضعي:
يُحسن إدارة النص
لكنه كثيرًا ما يعجز عن إدارة الواقع

بينما العُرف:
يفهم الواقع
ويُكيّف الحكم حسب العلاقات والسياق والتاريخ المشترك

في السودان، لم يكن العُرف بديلًا اضطراريًا، بل نظامًا فاعلًا سبق الدولة، واستمر معها، وبقي بعدها في كثير من المناطق.

ثالثًا: جسم الكتاب…

حين يكتب المجتمع سيرته القانونية
يعرض الكتاب، بمنهج هادئ وعميق، قضايا محورية منها:
طبيعة المحاكم العرفية
أدوار الشيوخ والنظار والعُمد
فلسفة العقوبة في العُرف
مفهوم الصلح والتعويض
العلاقة بين الجريمة والنسيج الاجتماعي
وما يميّز هذا العرض أنه:

لا ينظر للعُرف كـ”فولكلور”

ولا يختزله في العادة
بل يقدّمه كنظام قانوني له منطقه وأدواته

وهو ما يجعل الكتاب قريبًا في روحه من كتب الاقتصاد المؤسسي، التي ترى أن النظم غير الرسمية قد تكون أعمق أثرًا من الرسمية.

رابعًا: العُرف في السودان… والعالم العربي وإفريقيا

حين نقارن التجربة السودانية:
بالعُرف القبلي في المغرب
أو المجالس العرفية في اليمن
أو العدالة التقليدية في إثيوبيا وغانا
نجد أن السودان يتميّز بـ:
عمق تاريخي للعُرف
اندماجه في الحياة اليومية
قدرته على إدارة النزاعات المعقّدة
لكن الفارق أن دولًا أخرى:
سعت لدمج العُرف في أنظمتها
أو تقنينه جزئيًا
بينما ظلّ العُرف في السودان:
حاضرًا في الواقع
وغائبًا عن التخطيط
وهو خطأ استراتيجي في بناء الدولة.

خامسًا: الرأي الاستشاري لمنبر بنيان

من موقعنا كمنبر فكري يعمل بذهنية بيت خبرة، نرى أن هذا الكتاب:
ليس للقراءة فقط
بل للاستخدام في:
إصلاح الحكم المحلي

تصميم آليات فض نزاعات

برامج العدالة الانتقالية
مشاريع التنمية الريفية
ونري :
لا دولة سودانية مستقرة دون مصالحة واعية بين القانون والعُرف.

الخاتمة: لماذا هذا المقال مطوّل؟

لأننا نكتب:
لغير المتخصص
للمستشار
لصانع القرار
وللقارئ العادي الذي عاش العُرف دون أن يسمّيه
وهذا نهج منبر بنيان:
التبسيط دون تسطيح
العمق دون تعقيد
والمقال بوصفه معرفة، لا منشورًا سريعًا

فقرة تكريمية: للمستشار مختار مجذوب عابدون

هذا المقال، في جوهره، تحية فكرية للأستاذ المستشار مختار مجذوب عابدون،
بوصفه:
صاحب مبادرة
ومُنبّهًا لأهمية مكتبة قانونية سودانية ظلّت في الظل
وهي أول مشاركة، ونعده ـ ويشهد القارئ ـ بأنها لن تكون الأخيرة، فمكتبة كهذه كنزٌ لمنبرٍ قرر أن يُوسّع مشاركاته الفكريه

بهذا المقال، لا نفتح كتابًا فحسب،
بل نفتح مسارًا جديدًا،
وخلال العام الجديد عامٍ قادم، إن شاء الله، سيشهد أن منبر بنيان لم يكتفِ بالاقتصاد… بل ذهب إلى جذور العدالة نفسها.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …