بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان
ليست أخطر الحروب تلك التي تُشن بالقنابل والقذائف، بل تلك التي تُدار برصاص الكلمات لتصيبَ وعيَك في مقتل.
وحين يُهزَم الإنسان في وعيه، تصبح كل المآسي السابقة واللاحقة مجرد تفاصيل.
وفي خضم ما يمر به السودان الآن، لا يقتصر التحدي على ما نراه من دمار مادي أو انقسام سياسي، بل يتجاوزه إلى محاولة منهجية لتمزيق وعي أهله، وتحويله من وطنٍ قابل للنهوض، إلى “حالة ميؤوس منها”.
وهنا يظهر ما أسميته في عنوان هذا المقال بالسرديات المُحبِطة.
كيف تُصنع السردية المُحبِطة؟
لا تأتيك السردية المُحبِطة في صورة شتيمة، بل في شكل “تحليل إستراتيجي”، يتزيّن بأسماء خبراء مزيفين، ويستند إلى وقائع جزئية، لكنها تنتهي دائمًا إلى نتيجة واحدة: لا أمل. أي أنهم لا يقولون لك صراحةً: “استسلم”، بل يقولون لك إنك حالة استثنائية من الفشل؛ ولا تشبه غيرك؛ ولا تملك مقومات الدولة؛ وكل محاولة منك للنهوض محكوم عليها بالانهيار. فهيا مُتْ، أو اختفِ.
انتشر في الأسابيع الفائتة، انتشارَ النار في الهشيم، مقال “زاغ كاتبه” يتضمن مجموعة من الأكاذيب المنسوبة إلى المؤرخ الفرنسي المعروف جيرار برونييه. وهنا لا بد لي أن أنبه أولاً إلى أن المشكلة الأولى ليست في الجهات “ذات الغرض” التي تنشر المقالات الملغومة، بل المشكلة الأولى في استعدادنا المخيف للتصديق بلا تمحيص. فليست كل مقالة تنتشر انتشاراً واسعاً جديرةً بالتصديق، ولا كل قولٍ يُنسب إلى خبيرٍ يصبح حقيقة. والنص المتداول المنسوب إلى جيرار برونييه مثالٌ نموذجي على خطابٍ يلبس ثوب التحليل، لكنه في جوهره سردية هدفها الإحباط، وزرع اليأس في النفوس، وليست دراسة علمية. بيد أن هذا المقال لا يحتاج إلى ردٍّ عاطفي، بل إلى تفكيك منهجي يكشف مواضع الخلل فيه.
أخطر ما في المقال ليس مضمونه، بل طريقته في الإسناد. فهو لا يورد نصوصًا دقيقة موثقة من كتب برونييه؛ ويعمد إلى خلط العناوين والتواريخ، وينسب عبارات تقريرية وعاطفية صارخة للمؤرخ الفرنسي مما لا يمكن له أبداً أن يتفوه به بسب الافتقار الواضح إلى الحس العلمي، مثل “وحش سياسي”، و”فراغ وجداني”. وهذا الأسلوب معروف في الكتابات الدعائية، ويقصد به إضفاء سلطة علمية على رأيٍ مُسبق، عبر اسمٍ أكاديمي يحظى بالاحترام.
ولا يعني ذلك أن جيرار برونييه لم ينتقد السودان، لكن الفرق كبير بين نقده التحليلي المقبول علمياً الذي نجده في كتبه ومقالاته، وبين الأحكام النهائية المسكوبة بلغة التهويل التي نجدها في هذا المقال الموضوع. يزعم المقال أن برونييه وصف السودان بأنه يفتقر إلى “الرابط الوجداني”، بخلاف دول مثل مصر وإثيوبيا. وهذه الفرضية تعاني من خلل منهجي. فعدم الاستقرار السياسي لا يعني غياب الانتماء. فكم من دولٍ مستقرة ظاهريًا تخفي داخلها انقسامات عميقة؛ وكم من مجتمعٍ يمر باضطرابات عاتية لكنه يملك وجدانًا حيًا لم يجد بعد طريقه إلى المؤسسات.
وكما ذكرتُ آنفاً، فإنّ أخشى ما أخشاه هو أن أعداء السودان يستثمرون في ضعف وعينا وسرعة تصديقنا. فالحديث الذي تضمنه المقال عن مغالطة الدولة/الأمة يزعم أن مصر، على سبيل المثال، أمة وجدت دولة، والسودان دولة تبحث عن أمة.
وهذا الطرح – رغم جاذبيته البلاغية– يتجاهل حقيقة تاريخية، هي أن كثيراً من الدول الحديثة بنت “كيانها الأُمِّي” بعد قيامها، لا قبله. والدولة ليست نتيجةً نهائية للوجدان، وإنما قد تكون أداة لصناعته.
وعليه، فإن فشل الدولة في السودان لا يعني على الإطلاق غياب الأمة، وإنما يعني تعثر عملية بنائها السياسي.
القبيلة نتيجة وليست سبباً
يفترض المقال (الذي أحسبه مدسوسا) أن القبلية هي أصل الأزمة. بيد أنّ القراءة الدقيقة تقلب المعادلة: القبلية في السودان ليست سبب انهيار الدولة، بل نتيجة لغيابها. فحين تضعف المؤسسات، يبحث الناس عن الأمان في القريب، وعن العدالة في المعروف، وعن الانتماء في الموروث. والسودان ليس بدعاً في ذلك، بل ذلك نمط متكرر في كل المجتمعات التي تمر بفراغ سياسي. إذن، فإن القبلية ليست إلا قشة تشبث بها مجتمع يخشى على نفسه من الغرق.
ويعج المقال بالمقارنات الانتقائية. فعلى سبيل المثال، المقارنة بدولة رواندا مبتورة. فالنجاح النسبي الذي حققه هذا البلد الرائع جاء في سياق خاص به على خلفية الإبادة الجماعية، والقبول المجتمعي بدولة مركزية صارمة. ولا يمكن تعميم هذا النموذج على دولة بحجم السودان وتنوعه وتاريخه المختلف.
التحليل اللغوي للمقال
يستخدم المقال اللغة بوصفها أداة للتوجيه النفسي، بالاعتماد على مفردات ذات حمولة نفسية عالية، مثل: “تحلل وجودي”، و”ثقب سود”، و”محو الدولة من جذورها”. ويدرك الراصد أن هذه ليست مصطلحات علمية، بل مفردات تُستخدم لبث الشعور بالعجز واليأس.
الحقيقة الكبرى التي أغفلها المقال
لم يذكر المقال أن المجتمع السوداني، رغم كل ما قيل عنه، قد أثبت قدرة استثنائية على حفظ الحياة خارج إطار الدولة. وهذه ليست علامة ضعف، بل دليل على وجود قيم راسخة، وشبكات تضامن عفوي عميقة، ووجدان اجتماعي حي. إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الروح الوطنية، بل في عدم اكتمال ترجمة تلك الروح الوطنية إلى نظام سياسي مستقر. وهذا جهد يجب أن يبذل، وليس أمراً مستحيلاً يجب أن يترك.
ولعلّ أخطر ما في هذه السردية وأمثالها أنها تُمرِّر فكرة خبيثة مفادها أن الدولة إذا فشلت فإن ذلك يعني أن المجتمع فاشل.
وفي حالة السودان يمثل هذا القول قلباً للحقائق.
الحقيقة الساطعة هي أن المجتمع تحمل عبء دولة!
فالمجتمع السوداني لم ينهَر حين انهارت مؤسسات الدولة، بل فعل ما لم تستطع دولٌ كثيرة أن تفعله: حفظ الأرواح حين تكالب عليها القتلة من كل جانب؛ وأطعم الجائعين حين انقطعت الإمدادات؛ وآوى المشردين حين ضاقت بهم المدن؛ وأعاد نسج الحياة من تحت الركام.
هذه ليست شعارات، ولا أوهام، بل وقائع عاشها الناس في بيوتهم وأحيائهم، وشهد عليها العالم.
ويجب أن ندرك أن هناك نوعين من القوة: قوة تُقاس بالمؤسسات، وقوة تُقاس بالقيم.
فإذا كان السودان مفتقراً – في لحظته الراهنة –إلى الأولى، فإنه يملك الثانية بوفرة نادرة: الكرم الذي لا يسأل عن هوية المحتاج؛ والتكافل الذي يتجاوز القرابة؛ والشهامة التي تُقدِّم الآخر على النفس.
هذه القيم لم تُكتب في دستور،
لكنها كانت هي الدستور حين غاب الدستور.
ماذا نقول في الختام؟
في الختام، لا نريد أن نجمل الواقع، فليس من الحكمة فعل ذلك.
لكن من الخطأ أن نقبل بسردياتٍ تُصاغ لإقناعنا بأننا حالة ميؤوس منها.
إن سودان القيم العظيمة ليس وهماً، بل هو نموذج في طريقه إلى الاكتمال.
إنه بناء قيد التشييد.
والحقيقة ليست أنَّ السودان بخير،
ولا أنه على حافة الزوال.
بل الحقيقة أبسط من ذلك وأعمق:
السودان مجتمعٌ قويٌ رُزِئً بدولةٍ متعثرة.
وهذا ليس حكمًا نهائيًا، بل مرحلة.
فالمجتمعات التي تمتلك هذا الرصيد من القيم، لا تفنى بسهولة، ولا تختفي من التاريخ، بل تمر بمخاضٍ طويل قبل أن تستقر في خاتمة المطاف.
السودان مجتمعٌ شمُخت قيمُه وضعفت دولته.
لقد أطعمت قيمُه أهلَه حين جاعوا، وسقتهم حين عطشوا، وحمتهم حين تخلت عنهم الدولة.
أما هذه الأخيرة، فقد هزُلت حتى بدتْ من هزالها أنها أوهن من قبيلة.
ويمضى المجتمع في الطريق صاعداً، ولا تزال الدولة تتلكأ.
وما على المجتمع إلا أن يتمسك بدولته، ويأخذ بيدها، ويتعهدها حتى تقوى.
فلا مجتمع بلا دولة، ولا دولة بلا مجتمع.
هذا هو مفتاح الفهم الصحيح. ومن الفهم الصحيح يبدأ الإصلاح.
أما أنت، أيها المقصود بتلك السرديات المحبطة، فيجب أن تعلم ما يلي:
حين يُراد لك أن تيأس، فذلك لأن فيك ما يريد الأعداء محاربته وسحقه.
فهل ستيأس؟
elrayahabdelgadir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم