lualdengchol72@gmail.com
لوال كوال لوال
حين يُزيَّف الوعي وتُقدَّس الجريمة 2-5 بقلم: لوال كوال لوال ليس أشد من الظلم إلا محاولة تبريره. وليس أظلم من جلاد يُشيطن ضحيته، ثم يُقدَّم في الإعلام بطلاً، ويتحوّل إلى “رمز وطني” في كتب التاريخ. هكذا صارت لغة الكراهية في بعض المجتمعات السودانية أداة رئيسية في ترسيخ السلطة، ليس فقط بقوة السلاح، بل بقوة الكلمة، وشراسة الوصف، وتحريف المفاهيم. حين تطلق كلمة “متمرد” على كل من يرفع صوته ضد الظلم، وتُستخدم مفردة “خارج عن القانون” في مواجهة من يُطالب بالعدالة، فإننا لا نمارس السياسة، بل نصوغ الكراهية في أبشع صورها. منذ متى أصبح الدفاع عن الحياة جريمة؟ ومنذ متى صار طلب المساواة سببًا كافيًا للشيطنة والقتل والتجويع؟ لقد رسّخت أنظمة الاستبداد هذه اللغة لتجعل من الآخر مجرد تهديد وجودي، لا شريك وطن. • فالجنوبي كان يُصور على أنه عدو للهوية. • والدرافوري كان يُتهم بالعمالة والابتزاز. • والنوباوي كان يُقدَّم على أنه متخلف وخطر على الوحدة الوطنية. • وأي صوت هامشي، مهما كان سلميًا، كان يُصوَّر على أنه مشروع خراب. كل ذلك تم بإرادة سياسية متعمدة، وأدوات إعلامية ضخمة، ومناهج تعليم تُخرّج أجيالاً مبرمجة على كراهية المختلف. لم تكن هذه الكراهية عفوية. كانت مقصودة. لأنها الوسيلة الوحيدة لإقناع الشعوب بأن القتل في الهامش “ضرورة وطنية”، وأن القصف بالطائرات “عملية استباقية”، وأن تشريد الملايين “ثمن مقبول” من أجل وحدة مختلة. هكذا تم غسل عقول أجيال، حتى باتوا يرون أن الضحية يستحق ما جرى له، لمجرد أنه طالب بحق، أو انتمى إلى جغرافيا لم تحظَ بالرضا السياسي أو “العرقي”. ولذلك لا يُفاجَأ هؤلاء حين تصرخ الشعوب بالمطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي، لأنهم ببساطة لم يعودوا يرون في الدولة ملجأ، بل سيفًا مسلطًا على رقابهم. والنتيجة؟ انفجرت البلاد من الداخل. تآكلت الثقة الوطنية. واكتشف الجميع – ولو بعد حين – أن خطاب الكراهية لا يصنع أمة، بل يقسمها إلى جزر معزولة، وشعوب لا تعرف لغة الحوار. إن الذين يستخدمون الكلمات لتشويه الآخر، إنما يمهّدون الطريق للسلاح ليحصد الأبرياء. وكل من يساهم في نشر هذه اللغة، هو شريك صامت في الجرائم القادمة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم