بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com
حين تعجز الفكرة عن الإقناع، يُستدعى السلاح. وحين تفشل شرعية الصندوق، تُصنع شرعية البندقية. هكذا كانت قصة الحكم في كثير من بقاع السودان، لا تقوم على عقد اجتماعي حر، بل على اختطاف الدولة باسم الأمن، واحتكار الوطن باسم السيادة. منذ عقود، لم يعد الوصول إلى السلطة في هذا البلد قائمًا على التمثيل الديمقراطي أو البرامج الوطنية، بل عبر السيطرة على مفاصل القوة، وتحديدًا عبر الميليشيات. قادة عسكريون أو سياسيون كوّنوا جيوشًا خاصة، سلّحوها، ووجّهوها لحماية مصالحهم، لا مصالح الشعوب. لم تكن الميليشيات صُدفة، ولا رد فعل على الفراغ، بل كانت استراتيجية متعمدة لصناعة دولة موازية، تابعة، ومُفصّلة على مقاس الزعيم. ومع الوقت، لم تعد هذه الميليشيات مجرد أدوات حماية، بل أصبحت أدوات حكم. توزّع السلاح، وتُنهب الثروات، وتُرسم حدود النفوذ على أسس إثنية وجهوية، ثم يُفرض “سلام السلاح” بالقوة، لا بالقانون. هكذا أصبحت الدولة مخطوفة بيد من كان يُفترض أن يكون خادمًا لها، لا سيدًا فوقها. لكن المأساة لا تقف عند ذلك؛ فالذين صنعوا هذه الميليشيات نسوا أنها لا تُدين بالولاء إلا لمن يُغذيها. وحين تغيرت المعادلات، وتهشّم المركز، انقلبت الميليشيا على صانعها، واختلطت الأدوار. فتحولت الخرطوم من عاصمة سياسية إلى ساحة حرب ميليشيات. وبينما تتصارع الأطراف على الغنيمة، احترق قلب الدولة، وتشرد الملايين. أولئك الذين ظلوا يفتخرون بامتلاك “اليد العليا”، صاروا فجأة نازحين. والذين كانوا يفاخرون بسيطرتهم على الجيش والأمن، صاروا بلا مأوى، ولا صوت، ولا مركز. ما لم يدركوه هو أن الدولة حين تُختطف، لا تعود قادرة على حماية أحد. لا القوي ولا الضعيف. ولا الزعيم ولا المواطن. المشهد اليوم هو الحصاد المرّ لعقود من اختزال الوطن في شخص، وتحويل مؤسسات الدولة إلى غنيمة لمن يملك القوة لا الشرعية. وحين تتحول مؤسسات الحكم إلى أدوات قمع، يتحوّل الوطن إلى ساحة قتال، والناس إلى مشاريع موت معلن. إن الطريق إلى إعادة بناء الدولة يبدأ من اعتراف واضح: أن الميليشيات ليست أدوات وطنية، بل أعراض لمرض السلطة حين تُنتزع بالقوة لا بالرضا. ولا يمكن بناء وطن مستقر ما دام السلاح هو الفصيل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم