حَرْبُ السُوْدَان:هَلْ تُعِيْدُ صِيَاغَةَ العَلاقَةِ مَعَ مِصْرَ؟

حَرْبُ السُوْدَان: هَلْ تُعِيْدُ صِيَاغَةَ العَلاقَةِ مَعَ مِصْرَ؟

Sudan War: Will It Reformulate the Relationship with Egypt?

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

لم يكن اندلاع الحرب في السودان حدثاً معزولاً عن الإقليم، ولا أزمة داخلية ذات تأثير محدود، بل مثّل نقطة تحوّل جذرية أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في منطقة وادي النيل بأكملها. ومع اقترابها من عامها الثالث، باتت الحرب أكثر الأزمات تأثيراً على العلاقات السودانية–المصرية منذ استقلال السودان، بما تحمله من تداعيات على الأمن القومي، والهجرة، وتدفق اللاجئين، والاقتصاد، وميزان القوى على وادي النيل.

ورغم هذا التعقيد، فإن الحرب، بقدر ما حملته من خسائر إنسانية وسياسية، فتحت أيضاً نافذة جديدة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة بين السودان ومصر، بعيداً عن إرث الحساسيات القديمة وسوء الفهم المزمن. وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تستطيع مراكز الفكر في البلدين تقديم فهم مشترك للحرب يساهم في وقفها ويمهّد لمرحلة جديدة من التكامل وإعادة الإعمار؟

هذا المقال يحاول تقديم إجابة عقلانية على هذا السؤال، عبر تحليل مسار الحرب، وتأثيراتها على مصر، وكيف يمكن لدور معرفي جديد، تقوده مراكز الفكر، أن يصنع تحولاً حقيقياً في علاقة البلدين.

الحرب في السودان: ضرب للمركز وتغيير للمعادلة

كانت الأزمات السودانية في السابق تدور غالباً في الأطراف: الجنوب، دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق. أما الحرب الحالية، فقد اندلعت في قلب الدولة، في الخرطوم، وامتدت إلى ولايات استراتيجية مثل الجزيرة وسنار وكردفان ودارفور. هذا التحول جعل الحرب تمسّ بنية الدولة السودانية ذاتها، وتغيّر شكل السلطة والقوة والهوية الوطنية.

كما أدت الحرب إلى:

  • انهيار مؤسسات مدنية مركزية.
  • نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.
  • تدفق الملايين إلى مصر عبر الحدود الشمالية.
  • تزايد المخاوف المصرية من احتمالات الفراغ الأمني.

وعليه فإن هذا الوضع بالنسبة لمصر، ليس ”أزمة جار“، بل مهدد مباشر للأمن القومي، نظراً لأن استقرار السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر، وجزءاً من توازنها في ملف المياه والأمن الحدودي والهجرة.

كيف تنظر مصر إلى الحرب؟

ترى مصر في حرب السودان تهديداً استراتيجياً على أكثر من محور:

1. الأمن الحدودي

تمتد حدود طويلة بين البلدين يصعب مراقبتها في ظل الانهيار الأمني. وهذا يعزز مخاوف تسرب السلاح، والتوترات الاجتماعية، والهجرة غير المنظمة.

2. تزايد أعداد اللاجئين

أصبح السودان أكبر مصدر للاجئين إلى مصر خلال السنوات الأخيرة، وهو وضع إنساني مُعقّد يضع ضغوطاً على البنية الخدمية والاقتصادية المصرية.

3. التوازن الإقليمي

تغيّر شكل السلطة في السودان يمكن أن يعيد تشكيل علاقاته الإقليمية، بما في ذلك علاقته بمصر، وهو ما يدفع القاهرة لمتابعة التطورات بدقة.

4. مستقبل الدولة السودانية

انهيار الدولة أو استمرار الحرب لفترات طويلة يمثل سيناريو خطيراً لمصر وللمنطقة.

هذه المعطيات تتطلب من مصر تبنّي قراءة معرفية دقيقة للصراع، مبنية على تحليل علمي وليس فقط على تقديرات أمنية.

كيف يرى السودانيون الدور المصري؟

في الجانب السوداني، يختلط تحليل الحرب بمشاعر تاريخية وسياسية تجاه مصر. فهناك قطاع من السودانيين ينظر بريبة إلى الموقف المصري، ويربطه بمواقف سابقة أو بتصورات حول رغبة القاهرة في الحفاظ على نموذج حكم معين في السودان.
غير أن الحرب كشفت أن أبرز ما يفتقده السودانيون ليس موقفاً مصرياً محدداً، بل وجود رؤية مشتركة تُفهَم الحرب من خلالها بعيداً عن التفسيرات الانطباعية الجاهزة.

ومع استمرار المعاناة الإنسانية والخسائر الوطنية، ينفتح المجال أمام مراكز الفكر السودانية لإعادة تقييم الدور الإقليمي لمصر بموضوعية تتوافق مع أهداف ثورة ديسمبر الشعبية، بعيداً عن الانطباعات والحساسيات.

ما الذي تفتقده العلاقة بين البلدين أثناء الحرب؟

تُظهِر الحرب الحالية وجود فجوة واضحة في العلاقات السودانية المصرية في ثلاثة مستويات:

1. غياب قراءة مشتركة لأسباب الصراع

السودان ومصر لم ينتجا حتى الآن ورقة فكرية مشتركة تعالج جذور الحرب بموضوعية.

2. غياب قنوات حوار جادة بين النخب

ما زال التواصل بين المفكرين والباحثين والخبراء في البلدين ضعيفاً، رغم الحاجة الملحة إلى فهم مُعمَّق متبادل.

3. ضعف التنسيق في ملف اللاجئين والانتقال وإعادة الإعمار

ملف اللاجئين أصبح سياسياً وإنسانياً واقتصادياً، لكنه يفتقر إلى رؤية منظمة.

هذه الفجوات تجعل الحرب ليست مجرد صراع سوداني، بل اختباراً لمستوى نضج العلاقة بين البلدين.

دور مراكز الفكر في بناء مقاربة جديدة للحرب

يمكن لمراكز الفكر أن تؤدي دوراً حاسماً في إعادة تشكيل العلاقة الثنائية عبر المسارات التالية:

أولاً: تقديم تحليل موضوعي مشترك للحرب ومساراتها ومآلاتها

تستطيع مراكز الفكر تشكيل لجان مشتركة لإنتاج أوراق بحثية حول:

  • جذور الصراع البنيوية.
  • طبيعة الأطراف المسلحة.
  • السيناريوهات المستقبلية.
  • تأثير الحرب على الإقليم.

هذا التحليل ضروري لبناء فهم متقارب، يقلل المسافة بين الرؤية المصرية والرؤية السودانية.

ثانياً: إعداد مقترحات عملية لوقف الحرب

يمكن لمراكز الفكر لعب دور ”الدبلوماسيَّة الفكريَّة“ عبر تقديم:

  • مقترحات للتفاوض.
  • آليات لوقف إطلاق النار.
  • ترتيبات إنسانية لحماية المدنيين.
  • آليات مراقبة مشتركة.

وهذا الدور ليس بديلاً عن الرباعية والجهود الثنائية ومتعددة الأطراف لوقف الحرب، لكنه محفّز ومسهل لها.

ثالثاً: تصميم إطار مشترك لإعادة الإعمار

إعادة إعمار السودان ستكون مهمة ضخمة تتطلب كيانات معرفيَّة تضع نماذج واقعية للتكامل المحقق للمنفعة المشتركة (Win-Win) في:

  • البنية التحتية.
  • الزراعة والري.
  • التصنيع والقيمة المضافة.
  • الطاقة.
  • التجارة وسلاسل الإمداد.

مصر تمتلك خبرات واسعة، والسودان يمتلك موارد ضخمة، والتكامل ليس خياراً نظريَّاً بل ضرورة اقتصادية لكلا البلدين.

رابعاً: بناء سردية جديدة للعلاقات الثنائية

الحرب كشفت عن الحاجة إلى سردية ديناميكية (Dynamic Narrative) للعلاقة، تقوم على:

  • الاحترام المتبادل.
  • الفهم المشترك.
  • معالجة الحساسية التاريخية.
  • الانتقال من الانطباعات إلى الحقائق.

ويمكن لمراكز الفكر قيادة هذا التحوُّل.

خاتمة: الحرب ليست نهاية الطريق… بل بداية فرصة جديدة

على الرغم من قسوتها، فإن الحرب فتحت نافذة لإعادة صياغة العلاقة بين السودان ومصر على أسس جديدة. فإذا استطاعت مراكز الفكر في البلدين أن تقود إنتاج معرفة مشتركة تتجاوز الحساسيات والتراكمات السالبة، وأن تقدم رؤية جديدة لمسار السلام والانتقال المدني وإعادة الإعمار، فإن البلدين يمكنهما تجاوز إرث الماضي، وبناء علاقة تقوم على التكامل والثقة والمصالح المشتركة المشروعة. إن دور مراكز الفكر اليوم ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة إنسانية وسياسية واستراتيجية لتطوير اقتصاد وادي النيل كفضاء للتنمية المشتركة المستدامة (Shared Sustainable Development).

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …