خاطرة من قاهرة المعز

خرجت ظهر اليوم لشراء بعض الجبن، وقد تعلمت من تجربتي القصيرة في القاهرة انه دائما ما يكون هناك اكثر من سعر لدي الباعة. سألت صاحب الدكان الأول عن سعر ربع الكيلوجرام فأجاب قائلا ب ٧٥ جنيه. أعلم إن سعر الكيلوجرام هو ٢٠٠ جنيه. ذهبت لمحل آخر وسألته ان يبيعني ربع كيلو واعطيته ٥٠ جنيه ، لم يجد الصبي بدا من الاستجابة ولكن عندما قام بوزنها ادعى كذبا انها اكثر من ربع كيلو وعلي ان ادفع ٢٠ جنيه إضافية!
صاح الصبى لرجل اخر ان يحل محله حتي يتوضأ قبل الذهاب الي صلاة الجمعة!
تأكد لي فيما بعد ان الجبن كانت ربع كيلو دون زيادة.
من الواضح أن التمسك بالشعائر الدينية دون التقيد بقيم الدين مثل الأمانة والصدق تمثل السلوك العام المتبع في المجتمعات العربية والاسلامية.
حين توجه هذا التساؤل الي رجل دين عادة ما تكون الاجابة ان المشكلة تكمن في السلوك وليس في الفكرة نفسها او إلي إضطراب الافكار في المدونة الإسلامية الموروثة فيما يخص مسألة التوبة خاصة في مجتمعات يسودها التنافس علي مصادر محدودة فينعدم الاتساق بشأن الاستقامة في المعاملات بين افراد المجتمع وذلك لصالح التدين الشكلي وعلي حساب قيم الصدق والامانة.
رأينا كيف ترعرع الفساد في ظل حكومة الانقاذ طوال ثلاثة عقود ونصف حتي تمخض جبل ” المشروع الحضاري” ليلد حربا ودمارا علي البلاد والعباد بسبب احتكار الكيزان لخيرات البلاد واتباعهم لاسلوب حل النزاعات بالقوة وعن طريق الحرب بالوكالة فتناسلت المليشيات في عهدهم وتم الفتك بالأمن ومقدرات البلاد وإنسانه.
الشئ بالشئ يذكر فيما يتعلق بالثقافة السياسية لأهل اليسار الشمولي، فقد صرحت مؤخرا الاستاذة هنادي فضل عضو مركزية الشيوعي بعبارات عنصرية تجاه ابناء غرب السودان. معظم الأصوات الناقدة لها إشارت الي مدى بعدها عن الماركسية في محاولة لتبرئة الحزب الشيوعي او الفكرة نفسها من تهمة العنصرية.
وهذا غير صحيح لان المشكلة تكمن في الفكرة نفسها وليس في التطبيق فمن المعروف أن كارل ماركس في كتاباته الخاصة لصديقه انجلز كان قد كتب عن غريمه السياسي فردينالد لاسال F. Lassalle قائلا “يبدو ان لاسال بشعره المجعد كان اسلافه من عبيد اليهود”.
كذلك قام بتهنئة الحكومة الأمريكية عند شراء كاليفورنيا من ” المكسيكيين الكسالى”.
يعلل البعض ذلك بأن ماركس كان ابن عصره . ولكن في تقديري ان العيب يرجع الى مفهوم الثقافة نفسه عند ماركس باعتبارها بناءا فوقيا تابعا للبناء التحتي المتمثل في العلاقة بين قوي الانتاج وعلاقات الإنتاج. وهذا ما جعل التحشيد للوصول الي السلطة يغلب علي التربية والثقافة التي لم تعد من الاولويات ، مع ان الحوانب النفسية والثقافية تعتبر مشاعر مستقلة تماما وترتبط ب”اللاشعور” كما اوضحت اهم الدراسات في اللغويات linguistics.
talaat1706@gmail.com

طلعت محمد الطيب

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٢)

استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما …