بقلم: عبده حمد الدوسري
حين تتابع ما يكتبه الصحفي السوداني خالد عبدالله (أبوأحمد) عن الحركة الإسلاموية في بلاده، تدرك سريعاً أنك أمام نوع نادر من الكتّاب، ليس لأنه يمتلك موهبة في الكتابة فحسب، بل لأنه يمتلك شيئاً أثمن من ذلك: يعرف ما يتحدث عنه من الداخل. عاش تجربة الحركة بنفسه، وفهم كيف تفكر وكيف تعمل وكيف تبرر ما تفعله، ثم غادرها حاملاً معه كل ما رآه وسمعه وعاشه، ليحوله إلى كتابة صريحة لا تجامل ولا تتردد.
ومن موقعي كقارئ ومتابع خليجي لما يجري في السودان، أقول إن ما يكتبه أبوأحمد يملأ فراغاً حقيقياً في المشهد الثقافي والسياسي العربي فنحن في منطقتنا لا نقرأ عن التجربة الإسلاموية السودانية باعتبارها شأناً سودانياً بحتاً، بل باعتبارها نموذجاً عرفته المنطقة بأسرها وعانت من تداعياته، فالحركات الإسلاموية التي نشطت في دولنا الخليجية لم تكن معزولة عما جرى في السودان، بل كانت تتقاطع معه في الأيديولوجيا والتمويل والتنظيم، ومن هنا تصبح كتابات أبوأحمد ليست شأناً سودانياً خالصاً، بل وثيقة الصلة بكل من يريد أن يفهم كيف تعمل هذه الحركات، وكيف تنخر في جسد المجتمعات التي تتمكن منها، وقلّ من يشرح لنا هذه الظاهرة بهذا العمق وهذه الجرأة وهذه المعرفة الداخلية التي يمتلكها هذا الرجل.
أبوأحمد صحفي يحمل في رصيده أكثر من أربعة عقود من العمل الإعلامي، وصل خلالها إلى موقع رئيس تحرير بإحدى وكالات الانباء الخليجية وعمل مستشاراً إعلامياً ومدرباً معتمداً، لكن ما يشغله بعمق حقيقي هو مشروعه النقدي المتواصل في تشريح الحركة الإسلاموية السودانية وكشف ما أخفته عن الناس لعقود، وقد صدر له في هذا الشأن كتابان: (عباقرة الكذب)الذي كشف فيه كيف جعلت الحركة من الكذب أداة تنظيمية راسخة، و(تأملات في مسيرة فاسدة) الذي تناول فيه مسيرة الحركة بعين من رأى تفاصيلها الخفية عن كثب، ويعمل حالياً على إنجاز عدد من الكتب كما اشار هو بذلك على صفحته بـ(الفيس بوك) الأول بعنوان (المناهج التدميرية للإسلامويين السودانيين)، والثاني بعنوان (الانتهاك المقدس) الذي يوثق ما تعرضت له المرأة السودانية من انتهاكات ممنهجة طوال الفترة الممتدة من 1989 إلى 2026م.
وإلى جانب الكُتب، نشر أبوأحمد مئات المقالات على منابر سودانية واسعة الانتشار كسودانايل والراكوبة وصحيفة الديمقراطي وسودانيز أونلاين، وتجاوزت مقالاته على سودانايل وحدها مئة وستين مقالاً، وهذه الأرقام لا تعكس فقط غزارة الإنتاج، بل تعكس أيضاً حضوراً متواصلاً لكاتب لا يكتب حين تسنح له الفرصة، بل يكتب لأن لديه ما يقوله ولا يستطيع أن يصمت عنه. وقد تناولت مقالاته ملفات بالغة الحساسية كآليات التجهيل التي مارستها الحركة على أنصارها، وطريقة بنائها لشبكات الولاء الأعمى، وعلاقتها بالمال العام والسلطة والتنظيم السري، وكثيراً ما أثارت هذه المقالات ردود أفعال من داخل الحركة ذاتها، وهو دليل واضح على أنها كانت تصيب أهدافها.
لكن ما يستوقفني أكثر من أي شيء آخر هو ما تمثله هذه الكتابات للأجيال السودانية الشابة، فالشاب السوداني الذي نشأ في ظل حُكم (نظام الإنقاذ) أو بعده يجد نفسه أمام بلد مدمر، ويطرح أسئلة مشروعة: من أوصل السودان إلى هنا؟ وكيف حدث ذلك؟ وما الذي جرى خلف الكواليس بعيداً عن الأناشيد الدينية والخطب الرنانة؟ هذا الجيل لم يعش تلك المرحلة بوعي كافٍ، ولم تتح له المدرسة ولا الإعلام الرسمي أن يعرف الحقيقة كاملة، بل إن كثيراً منهم تلقّوا صورة مزيفة عن تلك الحقبة جرى تصنيعها بعناية.
هنا تبرز قيمة ما يكتبه أبوأحمد فهو لا يكتب للنُخب وحدها، بل يكتب بلغة مباشرة تصل إلى القارئ العادي، ويضع في يد الشاب السوداني معلومات كانت محجوبة عنه طويلاً يشرح له كيف جرى تجهيله عمداً، وكيف استُخدم الدين غطاءً للسلطة والنهب، وكيف صنعت الحركة أتباعاً لا يسألون ولا يفكرون، وهذا النوع من الكُتابة لا يصدر عن باحث يقرأ في الأرشيف، بل يصدر عمن عاش التجربة وخرج منها بضمير يأبى الصمت.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ السودان الشقيق، فالحركة الإسلاموية لا تزال حاضرة في المشهد، وأنصارها لا يزالون يعيدون إنتاج الخطاب القديم ذاته، مراهنين على النسيان وعلى أن الأجيال الجديدة ستجهل ما جرى، كتابات خالد أبوأحمد تكسر هذا الرهان، وتجعل من الحقيقة سلاحاً في يد من لم يكونوا موجودين حين وقعت الجريمة وهذا في نهاية المطاف، ما يجعله كاتباً يستحق أن يُقرأ ويُحتفى به، ليس في السودان وحده، بل في كل مكان يريد أهله أن يفهموا كيف تعمل هذه الحركات وإلى أين تقود.
aldossryabdu@gmail.com
