لَعَمْرُكَ ما الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مالٍ
ولا فَرَسٌ يَموتُ ولا بَعير
ولكنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ
يموتُ لِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثيرُ
تمرُّ بنا ذكرى رحيل البروفيسور خالد إبراهيم ياجي، فتوقظ في النفس شجنًا لم تخمد جذوته الأيام، وتبعث في القلب حسرةً على غياب رجلٍ كان حضوره ملء السمع والبصر، وكان عطاؤه أوسع من أن تحيط به الكلمات. وما أصعب رثاء الرجال الذين تتضاءل أمام مآثرهم العبارات، ويعجز القلم عن الإحاطة بفضلهم! أولئك الذين إذا رحلوا، تركوا في النفوس فراغًا لا يسدّه الزمن، وفي حياة الناس أثرًا لا تطويه السنون..
كان خالد من أولئك الرجال الذين لا تُقاس قامتهم بما بلغوا من مناصب، ولا بما نالوا من ألقاب، وإنما بما بذلوا من خير، وما أقاموا من عدل، وما تركوا في القلوب من محبة. كان، كما يقول أهلنا في بساطةٍ بليغة، «أخو إخوان»؛ وهي شهادةٌ لا تمنحها المجتمعات إلا لمن استكمل خصال المروءة، وصدق في الوفاء، وثبت عند الشدائد.

كان للضعيف سندًا، وللمحتاج عونًا، وللمظلوم نصيرًا. لا يضيق صدره بسائل، ولا يتأخر عن نجدة مستغيث، ولا يساوم على حقٍّ يراه واجب النصرة. وكان في وطنيته صادق الانتماء، شديد الغيرة على السودان وأهله؛ يحمل همومهم في وجدانه، ويجعل من قضاياهم قضيته، ويقول كلمة الحق صريحةً لا تردّه عنها رهبة، ولا تصرفه عنها رغبة.
لم يكن خالد من طلاب السياسة ولا من عشّاق أضوائها، ولكنه كان من صُنّاع الأثر في حياة الوطن. لم يحتج إلى صخب المنابر ليُسمع صوته، ولا إلى بريق المناصب لتُعرف مكانته؛ فقد كان لرأيه وزن، ولموقفه اعتبار، ولحكمته أثرٌ في القرارات الكبرى المتصلة بصحة الإنسان في السودان ومستقبل التعليم الطبي فيه.
وقد بدت فيه ملامح القيادة منذ بواكير شبابه، حين تولّى رئاسة الطلاب إبان دراسته في مصر، ثم مضى يحمل أمانة المسؤولية حتى تقلّد قيادة نقابة الأطباء في السودان. وهناك برزت حكمته، واتسع أثره، فكان أمينًا على حقوق زملائه، مدافعًا عن مصالح مرضاه، مؤمنًا بأن شرف الطب لا ينفصل عن كرامة الإنسان. جمع بين الحزم والرفق، وبين قوة الموقف وسماحة الخلق، فاستحق احترام زملائه وتقدير من عرفوه.
ولم يكن خالد ممن يسعون إلى المناصب، بل كانت المناصب هي التي تستدعي أمثاله حين تعظم المسؤوليات. لم يعرف التزاحم على جاه، ولا التطلع إلى مغنم؛ إذ كان يرى في خدمة الناس غايةً أشرف من كل لقب، وفي نصرة المستضعفين واجبًا أسمى من كل وجاهة.
ولقد كان ممن اختصهم الله بقضاء حوائج عباده؛ يحمل صوت من لا صوت له، ويبلغ حاجة من أعجزته الحيلة عن إبلاغها، ويمد يده حيث تقصر الأيدي. وما كان هذا الخلق النبيل طارئًا عليه، فقد انحدر من أسرةٍ عريقة في العلم والدين والمروءة، تعاقبت فيها أجيالٌ من الرجال الذين أضاءوا محيطهم بالمعرفة والاستقامة. فكان خالد امتدادًا كريمًا لذلك الإرث، جمع فضائل الآباء إلى مآثر الأبناء، وزاد على شرف النسب شرف العمل.
تلك كانت بعض شمائله إنسانًا ومواطنًا وقائدًا. أما خالد الطبيب والجرّاح، فكان في ميدانه عَلَمًا يُهتدى به، وقامةً يُشار إليها بالبنان.
كان من رواد جراحة التجميل في السودان، ومن الذين رفعوا راية هذا التخصص الدقيق، وأبانوا عن حقيقته التي تخفى على كثيرين. فليس هو ترفًا لتحسين المظهر، كما قد يوحي اسمه، بل علمٌ يعيد بناء ما هدمه المرض، ويرمم ما شوّهته الحوادث والحروق، ويعالج آثار الأورام، ويردّ إلى الإنسان شيئًا مما سلبته منه الأقدار من وظيفةٍ أو هيئةٍ أو قدرةٍ على الحياة الكريمة.
وفي هذا الفن الجراحي الدقيق، الذي تلتقي فيه براعة اليد بنفاذ البصيرة، كان خالد موفقًا مشهودًا له بالمهارة والإتقان. غير أن فضله لم يقف عند حدود ما أنجزته يداه، بل امتد إلى ما غرسه في عقول تلاميذه ونفوسهم؛ فقد كان أستاذًا كريم العطاء، لا يضن بعلم، ولا يبخل بنصح، ولا يرى في نبوغ تلاميذه إلا امتدادًا لرسالته.
ولخالد في نفسي دينٌ من الوفاء لا تنقضي ذكراه؛ فقد كان له فضلٌ كبير على ابني الأكبر، إذ حبّب إليه جراحة التجميل، وأخذ بيده في دروبها، وظل له ناصحًا وراعيًا حتى نال زمالة الكلية الملكية في هذا التخصص. ثم واصل عونه حين تهيأ للتحضير للدكتوراه، فكان له مرجعًا علميًا وسندًا أمينًا، إلى جانب أستاذ الأجيال الراحل البروفيسور عبد العال عبد الله عثمان، طيّب الله ثراه.
وما أكرمها من رسالة، أن يترك العالم وراءه علمًا يتناقله تلاميذه، ومهارةً تتوارثها الأيدي، وقيمًا تحيا في الضمائر! فالعلم الذي يُعلَّم لا يموت، والخير الذي يُغرس لا يفنى، والفضل الذي يستقر في النفوس لا تمحوه السنون.
إن أمثال خالد لا يجوز أن تُختزل سيرتهم في خبر رحيل، ولا أن تُطوى صفحاتهم بانقضاء أيام العزاء. فهم من الرجال الذين تتجاوز حياتهم حدود أعمارهم، وتغدو ذكراهم جزءًا من ذاكرة الوطن، وسيرتهم ميراثًا للأجيال.
وإني لأرجو أن يظل اسم خالد إبراهيم ياجي حاضرًا في ذاكرة الطب السوداني، وأن ينهض تلاميذه وزملاؤه بواجب الوفاء له، فيحيوا سيرته، ويخلّدوا عطاءه، ويجعلوا من حياته نبراسًا للأجيال القادمة من الجراحين. فقد كان مثالًا للطبيب الذي لا يفصل بين العلم والضمير، ولا بين المهنة والإنسانية، ولا بين النجاح الشخصي والواجب الوطني.
كان خالد من ذلك الرعيل الأصيل من أطباء السودان، الذين جعلوا من الطب رسالةً قبل أن يكون مهنة، ومن خدمة الإنسان شرفًا قبل أن تكون واجبًا. رجالٌ لم تفتّ في عزائمهم قسوة الظروف، ولم تُطفئ في نفوسهم المحن جذوة العطاء؛ آثروا غيرهم على أنفسهم، وانحازوا إلى الضعفاء، وواجهوا الشدائد بثباتٍ وصبر، فكانوا في علمهم قدوة، وفي أخلاقهم أسوة، وفي وطنيتهم مثالًا.
وما أحوج السودان اليوم إلى أمثال أولئك الرجال، وما أفدح خسارته حين يغيبون! ولكن عزاءنا أن الأوطان، وإن فقدت أجساد عظمائها، لا تفقد ما خلّفوه من قيم، ولا ما بثّوه من علم، ولا ما زرعوه في النفوس من أمل.
لقد رحل خالد، ولكن لم يرحل أثره. غابت طلعته، وبقيت سيرته. وسكت صوته، وما زالت مواقفه تنطق بما كان يؤمن به.
فطوبى لمن عاش للناس، وبقي بعد رحيله في قلوبهم. وطوبى لمن ترك من الخير ما يسبق اسمه كلما ذُكر، ومن المحبة ما يستدعي الدعاء كلما مرّ طيفه بالذاكرة.
سلامٌ على خالد يوم عاش كريمًا، ويوم رحل عزيزًا، ويوم يبعث بإذن الله في زمرة الصالحين.
رحم الله خالد إبراهيم ياجي رحمةً واسعة، وجزاه عن السودان وأهله، وعن مرضاه وتلاميذه، خير ما يجزي به عباده المحسنين. وأسكنه الفردوس الأعلى، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا
بروفيسور حسن بلّه محمد الأمين
واشنطن الكبرى نوفمبر ٢٠٢٦م
