خطاب الأيديولوجيا الفكرية في خطاب الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد الاستقلال: ما بين الواقع والممكنات الذهنية

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

منذ انطلاقتها في عام 1983، قدّمت الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان نفسها بوصفها أكثر من مجرد حركة مسلحة تسعى إلى انتزاع السلطة أو تعديل موازين القوة العسكرية داخل الدولة السودانية، بل طرحت ذاتها كمشروع فكري–سياسي متكامل، يستهدف إعادة تعريف الدولة، والهوية، والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المركز والهامش. هذا الطرح تجسّد في مفهوم “السودان الجديد” الذي شكّل جوهر الخطاب الأيديولوجي للحركة، وعبّر عن رغبة عميقة في تفكيك البنية التاريخية للدولة السودانية، التي قامت منذ الاستقلال على الإقصاء وعدم الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والإثني. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من عمقه النظري وجاذبيته الرمزية، ظل محكوماً دائماً بالتوتر بين ما هو ذهني ومأمول، وما هو واقعي وممكن، وبين المثال الثوري ومتطلبات السياسة العملية. لقد نشأ خطاب الحركة الشعبية في سياق تاريخي اتسم بالأزمات البنيوية للدولة السودانية، حيث فشلت النخب الحاكمة المتعاقبة في بناء مشروع وطني جامع، واكتفت بإعادة إنتاج نموذج دولة مركزية تهيمن عليها ثقافة واحدة ورؤية أحادية للهوية. في هذا السياق، جاء طرح “السودان الجديد” كمحاولة جذرية لقطع الصلة مع هذا الإرث، لا عبر إصلاح جزئي أو تسوية مؤقتة، بل من خلال إعادة تأسيس شاملة للدولة على أسس المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديداً للوحدة. كان هذا الطرح في جوهره ثورة فكرية بقدر ما كان ثورة سياسية، إذ سعى إلى تحرير الوعي قبل تحرير الأرض. اعتمد الخطاب الأيديولوجي للحركة الشعبية على تفكيك سردية الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال، واعتبرها دولة فاشلة أخلاقياً وسياسياً، لأنها لم تعبّر عن جميع مكوناتها الاجتماعية. ومن هنا، ركّز الخطاب على فكرة التحرر من الهيمنة الثقافية والسياسية، باعتبار أن الصراع في السودان لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل صراع حول تعريف من هو السوداني، ومن يمتلك حق تمثيل الدولة ورسم ملامحها. هذا الوعي جعل خطاب الحركة يتجاوز حدود الجنوب جغرافياً، ويتوجه إلى كل المهمشين في جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وحتى إلى قطاعات داخل المركز نفسه كانت تشعر بالاختناق داخل دولة الإقصاء. كما مثّلت العلمانية أحد الأعمدة الفكرية الأساسية في خطاب الحركة الشعبية، ليس بوصفها عداءً للدين، بل كآلية لضمان حياد الدولة تجاه معتقدات مواطنيها. فقد رأت الحركة أن تسييس الدين واستخدامه كأداة للشرعنة السياسية كان من أبرز أسباب الانقسام والحروب، وأن بناء دولة عادلة يقتضي الفصل بين المجالين الديني والسياسي. غير أن هذا الطرح، رغم وضوحه النظري، واجه مقاومة شديدة داخل المجتمع السوداني، الذي تشكّلت علاقته بالسياسة عبر خطاب ديني طويل الأمد، ما جعل العلمانية تُفهم أحياناً باعتبارها تهديداً للهوية، لا ضمانة للتعايش. ومع توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، دخلت الحركة الشعبية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث انتقلت من موقع الحركة الثورية المعارضة إلى موقع الشريك في السلطة. هنا بدأت تتكشف بوضوح إشكالية التناقض بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة السياسية. فالدخول في شراكة مع النظام الذي كانت الحركة تصفه لعقود بأنه نظام إقصائي وقمعي، فرض عليها تنازلات سياسية أضعفت من راديكالية خطابها، وأدخلتها في حسابات واقعية لم تكن دائماً منسجمة مع طموحاتها الفكرية. هذا التحول أثار تساؤلات عميقة حول قدرة المشروع الأيديولوجي للحركة على الصمود أمام إغراءات السلطة وضغوط الواقع. ثم جاء انفصال جنوب السودان عام 2011 ليشكّل نقطة فاصلة أخرى في مسار الخطاب. فقد تحولت الحركة في جنوب السودان إلى حزب حاكم، ووجدت نفسها أمام تحدي بناء دولة من الصفر تقريباً، في ظل إرث ثقيل من الحرب، وانقسامات اجتماعية عميقة، وضعف مؤسسي حاد. في هذا السياق، تراجع الخطاب الأيديولوجي لصالح خطاب سلطوي–أمني، وأصبحت الدولة الوليدة ساحة لصراعات داخلية عكست فشل النخبة الحاكمة في تحويل مشروع التحرر إلى مشروع دولة. وهنا برزت المفارقة الكبرى: حركة قامت باسم التحرر والوحدة في التنوع، انتهت في جنوب السودان إلى إعادة إنتاج أنماط من الإقصاء والصراع، وإن بأدوات مختلفة. في المقابل، ظل مفهوم “السودان الجديد” حاضراً في خطاب الحركة الشعبية–قطاع الشمال، خاصة في مناطق النزاع، حيث استمر كأفق ذهني وأداة تعبئة سياسية. غير أن هذا الاستمرار ظل أيضاً محكوماً بإشكالية الممكنات الذهنية، أي الفجوة بين الخطاب الطموح والقدرة الفعلية على تحقيقه في واقع سياسي معقد، إقليمياً ودولياً. فالمشروع، رغم عدالته الأخلاقية، اصطدم بضعف البنية التنظيمية، والانقسامات الداخلية، وتغيّر أولويات المجتمع الدولي، الذي بات يميل إلى إدارة الأزمات بدلاً من حل جذورها. لقد لعب الخطاب الأيديولوجي للحركة الشعبية دوراً محورياً في التعبئة والتحشيد، ونجح في خلق وعي سياسي جديد لدى قطاعات واسعة من المهمشين، لكنه في الوقت ذاته عانى من قدر من التجريد النظري، جعله أحياناً بعيداً عن التفاصيل العملية لبناء الدولة. كما أن التناقض بين الخطاب والممارسة، خاصة بعد الوصول إلى السلطة، أضعف من مصداقيته، وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحركة قد تخلت عن مشروعها الفكري لصالح براغماتية سياسية قصيرة الأمد. ورغم كل هذه الإخفاقات، لا يمكن اختزال خطاب الحركة الشعبية في فشل التجربة السياسية فقط. فالقيم التي حملها مشروع “السودان الجديد” لا تزال تمثل إحدى أهم المحاولات الفكرية الجادة لإعادة التفكير في الدولة السودانية. هذه القيم، المتمثلة في المواطنة، والعدالة، والاعتراف بالتنوع، لا تزال تجد صداها في وجدان الأجيال الجديدة، وفي خطاب الحركات الثورية التي اندلعت لاحقاً، خاصة بعد ثورة ديسمبر. غير أن إحياء هذا المشروع يتطلب مراجعة نقدية شجاعة، تعترف بالأخطاء، وتفصل بين الفكرة كقيمة أخلاقية، والتجربة السياسية بما حملته من إخفاقات. إن المستقبل يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الجيل الجديد من القادة والمثقفين، ليس لإعادة إنتاج خطاب الحركة الشعبية كما هو، بل لإعادة تأطيره ضمن سياق جديد، أكثر واقعية، وأكثر ارتباطاً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في رفع الشعارات، بل في القدرة على ترجمتها إلى سياسات عامة، ومؤسسات فاعلة، وثقافة سياسية تحترم الاختلاف وتؤمن بالحوار. وفي المحصلة، لم يكن خطاب الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان مجرد شعارات سياسية عابرة، بل كان محاولة جادة لإعادة تعريف الدولة والهوية في السودان. لكنه، كغيره من مشاريع التغيير الكبرى، اصطدم بصلابة الواقع، وتعقيدات السلطة، ومحدودية الممكنات الذهنية. ومع ذلك، تظل جوهر الفكرة صالحاً لإعادة التفكير والبناء، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، والقيادة المستنيرة، والقدرة على التعلم من أخطاء الماضي. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يمنح دائماً فرصاً جديدة لمن يملك الشجاعة على المراجعة والحلم معاً.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (4-5)

بقلم: لوال كوال لوال عندما أُعلن استقلال جنوب السودان، بدا وكأن التاريخ يمنح هذا الشعب …