بقلم: لوال كوال لوال
يشكل خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في السنوات الأخيرة استمراراً للنمط التقليدي للقادة العسكريين في السودان، نمط يمتد عبر عقود، ويعتمد على الخطاب الحماسي، الانفعالي، والمباشر، الذي يرفع معنويات القوات ويشدّ الولاء الشخصي للقائد أكثر من الانضباط المؤسسي، ويضع المواطنين والسياسيين تحت ضغط مستمر من الخوف وعدم اليقين. هذا النمط ليس جديداً، بل يُذكر كثيراً بأسلوب الرئيس السابق عمر البشير، الذي اعتمد لغة القوة والبلاغة التعبوية لإنشاء قاعدة ولاء شعبي، مع تصوير أي معارضة سياسية أو اجتماعية كتهديد وجودي للسلطة والدولة، مما أعطى الحروب الداخلية طابعاً أخلاقياً في ذهن القادة والجماهير على حد سواء. الخطاب العسكري التقليدي في السودان يقدّم القوة المسلحة بوصفها المعيار الحاسم لأي أزمة، ويقلل من أهمية المفاوضات أو الحلول السياسية. وفي خطاب البرهان الأخير، حين أعلن: «سنقاتل التمرد حتى القضاء عليه، لا عندنا هدنة ولا وقف إطلاق نار ولا عندنا مصالحة»، يمكن ملاحظة استمرار هذه المعادلة التقليدية: القوة هي الحل النهائي، والتسويات السياسية والمصالحات ثانوية أو أقل وزناً. هذا النمط، وإن رفع معنويات الجيش وأكد على وضوح المهمة العسكرية، يخلق شعوراً بالتهديد لدى المواطنين المدنيين والمعارضين، ويُفقد المسارات السلمية أي وزن عملي أو معنوي. الأثر المجتمعي لهذا الخطاب الحماسي والانفعالي كبير. في السودان، المجتمع متنوع ومتعدد الانتماءات العرقية والدينية والسياسية، والتاريخ مليء بالحروب الطويلة التي أرهقت السكان، وجعلت الكراهية والشك متجذرة في وعي الناس. الخطاب العسكري التقليدي الذي يعتمد على البلاغة التعبوية والانفعال السياسي يكرر نفس النموذج الذي استخدمه البشير قبل انفصال الجنوب، حيث أسهم في تضخيم المخاوف والانقسامات، وترك الفراغ السياسي الذي أدّى لاحقاً إلى انفصال الجنوب، وإضعاف الوحدة الوطنية. من الناحية السياسية، الانحياز الكامل للقوة العسكرية على حساب المسارات المدنية والسياسية يؤدي إلى ارتهان القرار السياسي للمنطق العسكري. التجارب السودانية أظهرت أن الانقلابات والحكومات العسكرية لم تفشل فقط بسبب الهزائم العسكرية، بل بسبب عدم قدرتها على خلق أفق سياسي متوازن، وإشراك المجتمع في الحلول السلمية. كلما أصبح الجيش هو المرجع النهائي لكل القرارات المصيرية، قلت المساحة المتاحة للنقاش المدني، وزادت احتمالية تحول أي نزاع محلي إلى أزمة وطنية ممتدة، كما حدث في دارفور، النيل الأزرق، وجنوب السودان. عند مقارنة خطاب البرهان بخطاب البشير، نجد عناصر متكررة: لغة الانفعال، البلاغة التعبوية، تصوير المعارضين كتهديد وجودي، التركيز على القوة المسلحة كحل أخير، واستبعاد أي حديث عملي عن المصالحة أو التفاوض. هذه العناصر، رغم رفعها للروح المعنوية للجيش، تعمّق فجوات الثقة بين الدولة والمواطنين، وتُضعف أي مسار نحو السلام، مما يكرّس حلقة الصراع المستمر ويعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية والسياسية بين الأجيال. التأثير النفسي لهذا الخطاب على المجتمع المدني واضح: حيث تتجذر الكراهية، ويستمر بناء الصور النمطية عن الآخر، ويصبح أي مسار تفاوض أو مصالحة هشاً. المواطن العادي، وحتى السياسي المعارض، يعيش في حالة شك دائم حول إمكانية العودة أو المشاركة في العملية السياسية دون التعرض للملاحقة أو التهميش، مما يخلق أزمة ثقة مزمنة بين السلطة والمواطنين. من الأمثلة التاريخية التي توضح هذا النمط، خطاب البشير في دارفور، حين استخدم التعبئة العسكرية والإعلام الرسمي لتصوير التمرد كتهديد وجودي، وقلل من أي صوت سياسي أو محلي يدعو إلى حل سلمي، الأمر الذي أدى إلى تصعيد الصراع وتأخير أي اتفاقيات حقيقية. كذلك، الانقلابات العسكرية التي تلت 1985 وحتى 2019، أظهرت أن الاعتماد على القوة فقط لا يؤدي إلى استقرار طويل الأمد، بل يكرّس نمطاً من حكم قائم على الخوف، ويؤجل معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. في خطاب البرهان، نشاهد استمرار هذا الأسلوب، لكنه يأتي في ظروف أكثر تعقيداً: تعدد النزاعات، ضعف المؤسسات المدنية والدولة، وتزايد المطالب الشعبية بالحكم الرشيد والمصالحة. استمرار اللغة الحماسية والانفعالية في هذا السياق ليس مجرد تكتيك عسكري، بل يعكس ثقافة قيادة عسكرية ترى أن الحل يكمن في فرض السيطرة بالقوة، وأن إدارة الدولة تتوافق مع التعبئة الجماهيرية والانفعال السياسي أكثر من سياسات المفاوضات والحقوق المدنية. ما يفتقده السودان اليوم هو خطاب جديد للسلطة يوازن بين القوة العسكرية والمسار السياسي. لغة تعترف بأن الانتصار العسكري ضروري، لكنه غير كافٍ، وأن المؤسسات القانونية والسياسية هي التي تمنح الدولة ثباتاً واستدامة، وأن ضمان العودة الآمنة للمعارضين والمواطنين العاديين والمشاركة في الحياة السياسية شرط أساسي لإنهاء دورة الصراع الطويلة. السودان بحاجة إلى تحول جذري: من خطاب القوة والانفعال إلى خطاب التفاوض والتوافق، من الاحتفاء بالانتصارات العسكرية إلى الاحتفاء ببناء الدولة واستعادة الثقة الوطنية، ومن التفكير في الحرب كقدر إلى التفكير في السلام كاستراتيجية مستدامة. فقط بهذا التحول يمكن للخطاب الرسمي أن يتحرر من قيود النمط العسكري التقليدي، ويصبح أداة فعلية لإعادة دمج المجتمع وتحقيق استقرار حقيقي يليق بتاريخ السودان وتعقيداته. الدرس المستفاد من مقارنة خطاب البرهان بخطاب البشير والأنماط العسكرية التقليدية هو أن القوة وحدها لا تكفي للحفاظ على وحدة الدولة أو لإعادة بناء الثقة الوطنية. حتى لو نجح الجيش في السيطرة على كامل الأراضي، فإن استمرار خطاب الحرب والانفعال والانغلاق على القوة وحدها سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وإعادة إنتاج الانقسامات، وخلق إرث من الخوف والشك لا ينتهي إلا بإعادة تعريف العلاقة بين القوة العسكرية والسياسة المدنية، وبين القيادة والمواطنين. في النهاية، الاستقرار الدائم والسلام الحقيقي في السودان لن يتحققا إلا عندما يتم التحرر من إرث الخطاب العسكري التقليدي، ويتم بناء لغة سياسية شاملة تدمج القوة مع المؤسسات، وتوازن بين الأمن والسياسة، وتعيد الثقة بين مكونات الوطن، بحيث يصبح المستقبل أكثر أماناً لكل السودانيين، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو المناطقية أو العرقية.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم