خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (8 – 29):
اتفاق أسمرا الرباعي 1994
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
توقّفنا في المقالات السابقة عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في خمس محطات، شملت: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ومبادئ الإيقاد 1994، ولقاء نيروبي 1993، ثم إعلان واشنطن 1993.
وقد أوضحنا أنه بعد صدور مشروع مبادئ الإيقاد في مايو عام 1994، بدأت الحركة الشعبية لتحرير السودان في مناقشة وانتزاع حق تقرير المصير من الأحزاب الشمالية، في توازٍ وتكاملٍ لانتزاع الفصيل المنشق من الحركة الشعبية لحق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ.
2
كانت ضربة البداية للحركة الشعبية لانتزاع حق تقرير المصير من الأحزاب الشمالية السودانية، كما أوضحنا في المقال السابق، مع الحزب الاتحادي الديمقراطي. وقد وقّعت الحركة الشعبية والحزب الاتحادي على إعلان القاهرة في 13 يوليو 1994.
أشار إعلان القاهرة إلى أن مشروع إعلان المبادئ المقدّم من دول الإيقاد يُعتبر خطوةً إيجابية تُعبّر عن اهتمام دول الجوار، بمشاكل السودان، بشرط أن تكون الأولويّة لوحدة السودان.
صدر إعلان القاهرة بعد حوالي الشهرين من صدور مشروع مبادئ الإيقاد في 20 مايو 1994، وقبل أسبوعٍ فقط من الصدور الرسمي لمبادئ الإيقاد التي تبنّت مبدأ حق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية في 20 يوليو عام 1994.
3
وقد كان إعلان القاهرة في 13 يوليو عام 1994 أولَ وثيقةٍ رسميةٍ يعترف فيها حزبٌ شماليٌ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، مثلما كان إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 أولَ اتفاقٍ رسميٍ توقّعه حكومةٌ في الخرطوم يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد تمّ التوقيع على إعلان القاهرة بعد عامين ونصف من التوقيع على إعلان فرانكفورت.
4
شملت المنافسة التقليدية بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان منذ قيام الحزبين. وامتدت تلك المنافسة فيما بعد لتشمل التعاون مع الحركة الشعبية، ومحاولة كسب ودِّها.
فقد ناقشنا في فصلٍ سابق كيف شارك حزب الأمة في لقاء كوكا دام بينما تغيّب الحزب الاتحادي الديمقراطي. ثم عاد الحزب الاتحادي الديمقراطي ووقّع على مبادرة السلام السودانية التي عارضها في البداية حزب الأمة، بعد أن كان قد انسحب من إعلان كوكا دام.
5
استمرت تلك المنافسة حتى بعد أن قذف انقلابُ الإنقاذ بالحزبين إلى المعارضة والعمل من خارج السودان.
ففي ديسمبر عام 1994، أي بعد خمسة أشهرٍ على إعلان القاهرة بين الحركة الشعبية والحزب الاتحادي الديمقراطي، زار وفدٌ من حزب الأمة (بناءً على دعوةٍ من الحركة الشعبية) مدينة شقدوم بجنوب السودان، والتي كانت تحت سيطرة الحركة الشعبية في ذاك الوقت. وقد أصبحت شقدوم المقرّ السياسي للحركة الشعبية بعد سقوط مدينة توريت في يد القوات الحكومية.
التقى وفدُ حزب الأمة والذي ضمّ السيد عمر نور الدائم الأمين العام لحزب الأمة، والسيد مبارك الفاضل المهدي، رئيس قسم العلاقات الخارجية بحزب الأمة، بوفدِ الحركة الشعبية هناك بقيادة السيد سلفا كير نائب رئيس الحركة الشعبية.
بعد أيامٍ من النقاش (والإقامة على ضيافة الحركة الشعبية) وقّع الطرفان في 12 ديسمبر عام 1994 على ما سمّياه “اتفاق سياسى بين حزب الأمة والحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان حول ترتيبات الفترة الانتقالية وتقرير المصير”، وهو ما عُرِف “باتفاق شقدوم.” وكما ذكرنا أعلاه، فقد أتى اتفاق شقدوم بعد خمسة أشهر من إعلان القاهرة بين الحركة الشعبية والحزب الاتحادي الديمقراطي.
6
أكّد الطرفان (حزب الأمة والحركة الشعبية) التزامهما بمقتضى اتفاق شقدوم بوضع حدٍّ فورىٍ للنزاع المسلّح الحالى في السودان عن طريق تسويةٍ نهائيةٍ وعادلةٍ تقوم على إرادة أهل السودان الحرة، وبالسلام العادل والديمقراطية والوحدة الوطنية.
كما اتفق الطرفان أن حل النزاع الحالي يقتضي التحلّي بنظرةٍ شاملةٍ واسعة الأفق لتحقيق العدالة والسلام لكل عناصر السودان المستضعفة والمهمشة في إطار سودانٍ جديد. وأوضح الطرفان أن التوصّل لمثل هذه التسوية العادلة الدائمة يستوجب أن تتحلّى قيادة السودان السياسية بالإقدام، والجدارة السياسية، وسعة الأفق.
أكّد الطرفان التزامهما بالسلام العادل، والديمقراطية، والوحدة الوطنية القائمة على إرادة الشعب السوداني الحرة، وعزم الطرفين على إنهاء النزاع الحالي بوسائل سلمية تحقّق اتفاقا دائماً وعادلاً.
7
وكأساسٍ لذلك الاتفاق أعلن الطرفان قبولهما لإعلان المبادئ الصادر من دول الإيقاد كأساسٍ مقبولٍ للسلام العادل الدائم، كما أكّدا أيضاً قبولهما لحق تقرير المصير لسكان جنوب السودان، على أن يُمارس ذلك الحق عن طريق استفتاءٍ حرٍّ تراقبه الأسرة الدولية قبل نهاية فترة الانتقال التي تبدأ بعد إزالة الحكم الحالي في السودان.
واتفقا على أن تكون مدة الفترة الانتقالية بين عامين إلى أربعة أعوام، يُحكم السودان خلالها بعلاقة كونفيدرالية مع الجنوب.
8
وأوضح الاتفاق خيارات الاستفتاء بالنظام الفيدرالي، والكونفيدرالي، والاستقلال، وألزم الطرفين بقبول نتيجة الاستفتاء وتنفيذها بحسن نيّة. كما أشار الاتفاق إلى أن قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان ستبقى خلال الفترة الانتقالية تحت قيادتها في الولاية الكونفيدرالية، ويُنظر في دمج القوات المسلحة في بعضها وإعادة هيكلتها على ضوء نتيجة الاستفتاء. ويعيّن الطرفان لجنة فنية يوكلان إليها مهمة تحديد العلاقة بين الحكومة المركزية والولاية الكونفيدرالية.
اتفق الطرفان كذلك على أن تقرّر وتنفّذ الحكومة المركزية إجراءاتٍ لإعادة الثقة بين أطراف النزاع، ولإعادة بناء الهياكل الرسمية بصورةٍ فعّالة من شأنها أن تجعل من الوحدة خيار الشعب الجنوبي عند ممارسته حق تقرير المصير.
9
فيما يتعلق بالدين والدولة فقد التزم الطرفان بما جاء في إعلان نيروبي الذي تمّ التوصّل إليه في 17 أبريل عام 1993 (والذي تمت مناقشته في المقال السادس من هذه السلسلة من المقالات)، واتفقا أن يكون إعلان نيروبي أساساً للتدابير الدستورية في الفترة الانتقالية. كذلك اتفق الطرفان على أن تكون مواثيق حقوق الإنسان العالمية والإقليمية أساساً للإجراءات الدستورية والإدارية في فترة الانتقال، وتعتبر كل القوانين والنظم والتعليمات الادارية المناقضة لها لاغيةً.
كما اتفقا على تكوين لجنة سياسية فنية لوضع مسودة للإجراءات الدستورية والإدراية اللازمة لتنظيم فترة الانتقال، وتقدّم هذه المسودة لقيادة الطرفين السياسية.
10
لكن على الرغم من الاتفاق على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان فان الطرفين اختلفا حول ممارسة سكان جبال النوبة، ومنطقة أبيي، وجبال الأنقسنا لحق تقرير المصير.
فقد أوضح حزب الأمة أنه لا يوافق على حق تقرير المصير لأيّة مجموعةٍ وطنية خارج نطاق جنوب السودان، والذي تمّ تعريفه بحدود عام 1956. وقد كان هذا أحد مطالب الحركة الشعبية خلال مفاوضات شقدوم.
11
اتفق الطرفان على إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني بصورة جذرية بغرض تحقيق التنمية المستدامة والعادلة، وإزالة ما لحق بالمناطق المهمشة من مظالم جهوية، وفئوية، واجتماعية، والإسراع بإعادة تعمير وتأهيل المناطق المتأثرة بالحرب، وإعادة توزيع الثروة وتوفير السلع الضرورية بأسعار معقولة.
12
اختتم الطرفان الاتفاق بتأكيد التزامهما بعضويتهما في التجمّع الوطني الديمقراطي وبتعهدهما بتقديم وثيقة الاتفاق لمؤتمر التجمّع الوطني الديمقراطي القادم بهدف تأمين انضمام بقية أعضاء التجمّع الوطني للاتفاق، ودعوتهم للمشاركة في اللجنة السياسية الفنية لصياغة الترتيبات الدستورية والإدارية بهدف تحقيق الإجماع الوطني على ترتيبات الفترة الانتقالية.
وقّع على اتفاق شقدوم الدكتور عمر نور الدائم الأمين العام لحزب الأمة، والسيد سلفا كير نائب الأمين العام للحركة الشعبية.
13
وهكذا خطت الحركة الشعبية خطوةً معتبرةً في اتجاه انتزاع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فها هو حزب الأمة الذي رفض في الماضي رفضاً قاطعاً النظام الفيدرالي، وانسحب من إعلان كوكا دام، وبذل كل جهدٍ ممكن لوأد مبادرة السلام السودانية لعام 1988 (اتفاقية الميرغني قرنق) يوافق بوضوحٍ ودون شروطٍ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بما في ذلك حق الاستقلال.
ترى هل تم ذلك الاتفاق (وبتلك السرعة والدقة) لأن السيد الصادق المهدي كان في السودان تحت قبضة حكومة الإنقاذ ولم يشارك من قريبٍ أو بعيد في لقاء شقدوم؟
يُلاحظ أن اتفاق شقدوم استخدم كلمة “استقلال” التي تُستعمل عادةً في حالة الشعوب التي ترزح تحت الاستعمار، ولم يستعمل كلمة “الانفصال” التي تُستعمل عادةً في حالة انشطار الدولة إلى دولتين أو أكثر.
14
كما يُلاحظ أن الحركة الشعبية قد نجحت مرةً ثانيةً في تأكيد مسعاها بسيادة المبادئ التي تضمّنتها مواثيق حقوق الإنسان الإقليمية والدولية على القوانين المحلية. أتى تأكيد هذه الموافقة من حزب الأمة الذي رفض خلال الفترة الانتقالية حتى مبدأ تجميد قوانين سبتمبر.
ولا بُدّ من الوقوف في فقرة اتفاق شقدوم التي تنصُّ على أن تظل قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان خلال الفترة الانتقالية تحت قيادتها في الولاية الكونفيدرالية. فهذان قبولان واعترافان من حزب الأمة بمسألتين في غاية الأهمية، أولهما بالكونفيدرالية خلال الفترة الانتقالية، وثانيهما بجيشين خلال تلك الفترة أيضاً. والقبول بجيشين هو، دون أدنى شك، تأكيدٌ لمبدأ النظام الكونفيدرالي.
15
وهكذا نجحت الحركة الشعبية في انتزاع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان من الحزبين الكبيرين، كل حزبٍ على حدة، وخلال فترةٍ وجيزة.
ترى هل كانت الحركة الشعبية ستنجح في انتزاع حق تقرير المصير إذا طلبت ذلك من الحزبين في نفس الوقت، في اجتماعٍ ثلاثي؟
16
كانت الخطوة التالية للحركة الشعبية هي تضمين حق تقرير المصير في وثيقةٍ قانونيةٍ واحدة تجمع حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي. وقد حدث ذلك بعد أسبوعين فقط من اتفاق شقدوم.
فقد تمّ عقد اجتماع لما سُمّي بقوى المعارضة السودانية الرئيسية يوم 27 ديسمبر عام 1994 في أسمرا في دولة إريتريا. وقد شارك في الاجتماع السيد محمد عثمان الميرغني، والدكتور جون قرنق، والدكتور عمر نور الدائم، والعميد عبد العزيز خالد قائد قوات التحالف السودانية.
لم تتم دعوة الحزب الشيوعي السوداني للمشاركة في الاجتماع. ويبدو أن غياب الحزب الشيوعي قد فرضتها إرادة المضيف الإريتري الذي قرّر أنه يملك الحق ليحدّد من هي القوى السياسية الرئيسية في السودان.
فالحزب الشيوعي لم يكن على علاقةٍ طيبة بالحكومة الاريترية الوليدة بسبب علاقته القوية والمساندة لنظام منقيستو هايلي ماريام الماركسي الذي حارب بقسوةٍ حركات التحرير الاريترية، والذي تم إسقاطه في عام 1991، فاتحاً الباب لاستقلال دولة اريتريا.
17
أصدر المجتمعون الأربعة ووقّعوا في 27 ديسمبر عام 1994 على بيانٍ أسموه “إعلان اتفاق سياسي.” ويُشار إلى هذا الاتفاق أيضاً ب “الاتفاق الرباعي.”
أكّدت الأطراف الأربعة أن وحدة السودان تظل هي الخيار الأول الذي يؤمن به الجميع وذلك وفقاً لمجموعة من المبادئ، شملت حقيقة أن السودان قطرٌ متعدّد الأعراق والديانات والثقافات، ولا بُدّ من تأكيد الاعتراف بهذا التعدّد والعمل على التوفيق بين مظاهر هذا التنّوع والتعدّد بتأسيس الدولة القائمة على المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة أو اللغة، وأن يكفل القانون المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية لكل السودانيين.
كما أشار الاتفاق الرباعي إلى الالتزام بنظام حكمٍ لامركزيٍ يتم الاتفاق عليه في الاجتماع الموسّع القادم لقوى المعارضة السودانية كحقٍ أصيلٍ لكل أقاليم السودان، وفقاً لخياري الفيدرالية والكونفيدرالية، مع تأكيد وضمان القسمة العادلة للثروة، ومع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرّراً وتخلّفاً.
18
أعاد الاتفاق تأكيد أن المواثيق والعهود الدولية والإقليمية المعنيّة بحقوق الإنسان جزءٌ أساسيٌ في الدستور الدائم لحكم السودان الجديد. ويبطل أي قانونٍ يصدر مخالفاً لذلك، ويعتبر غير دستوري، مع الالتزام بأن يتضمن دستور السودان الدائم مبدأ استقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وعدم استغلال الدين في السياسة.
19
أشار الاتفاق أنه في حالة الإخلال أو العدول عن المبادئ الأساسية التي تمّ الاتفاق عليها أعلاه، يكون للطرف أو الأطراف المتضرّرة الحق في تقرير مصيرها دون استبعاد أي خيار، وذلك عن طريق الاستفتاء والذي يجب الالتزام بنتائجه.
20
بالإضافة إلى هذه الفقرة فقد شمل الاتفاق نصّاً واضحاً وافقت بمقتضاه الأطراف الأربعة على حق تقرير المصير لجنوب السودان، على أن يُمارس بعد فترة انتقالية يُتفق عليها في مؤتمر المعارضة السودانية الموسّع.
كما التزمت الأطراف بالعمل سويّاً لبناء جسور الثقة خلال المرحلة الانتقالية، وبناء السودان الجديد بتنفيذ الاتفاقيات أعلاه حتى يأتي خيار تقرير المصير تعزيزاً لوحدة السودان الجديد، بناءً على تراضي سكانه.
وتم الاتفاق على حكم السودان في الفترة الانتقالية كدولةٍ موحّدةٍ لامركزية. ويتم التوصّل إلى درجة اللامركزية والترتيبات الدستورية ومدة الفترة الانتقالية في الاجتماع الموسع القادم لقوى المعارضة السودانية.
21
أشاد الاتفاق بجهود دول الإيقاد لوقف الحرب وإحلال السلام والاستقرار والديمقراطية في السودان، وأعلنت الأطراف الأربعة تأييدها ومساندتها الكاملة لإعلان مبادئ دول الإيقاد الصادر في نيروبي في 20 يوليو عام 1994.
وقع على الاتفاق السيد محمد عثمان الميرغني، والدكتور جون قرنق، والدكتور عمر نور الدائم، والعميد عبد العزيز خالد.
22
من المؤكد أن هذه نقلةٌ نوعيةٌ كبيرة من إعلان القاهرة الذي وقّع عليه الدكتور أحمد السيد حمد، والسيد يوسف كوه مكي، رغم وجود السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في اللقاء الذي تمّ فيه التوقيع على الاتفاق.
وهو أيضاً نقلةٌ نوعيةٌ من اتفاق شقدوم الذي وقّع عليه السيد سلفا كير، النائب لدكتور جون قرنق.
23
كما أن الاتفاق اكّد بوضوح “إجازة حق تقرير المصير لجنوب السودان على أن يُمارس بعد فترةٍ انتقاليةٍ يُتّفق عليها في مؤتمر المعارضة السودانية المُوسّع.” وأشاد الموقعون بجهود دول الإيقاد لوقف الحرب وإحلال السلام والاستقرار، وأعلنوا تأييدهم ومساندتهم الكاملة لإعلان مبادئ دول الإيقاد.
وهكذا أزال اتفاق قوى المعارضة السودانية الرئيسية (الاتفاق الرباعي) أيَّ شكٍ أو غموضٍ في موافقتها على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وأكّد تأييدها لمبادئ الإيقاد.
وأصبح كل حزبٍ، وتحديداً حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، شاهداً على الحزب الآخر، ولا مجال للتراجع كما حدث في إعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية.
24
صارت الخطوة المُتبقّية للحركة الشعبية، بعد هذا الاتفاق الهام، هي تأكيد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بواسطة اجتماعٍ عام للتجمع الوطني الديمقراطي بكل أحزابه وتنظيماته. ولكن أصبح واضحاً أنه بعد موافقة الحزبين الكبيرين، واللذين عارضا بشدّة هذا الحق في الماضي، (بل عارضا حتى مطلب النظام الفيدرالي)، فإن مسألة موافقة بقية أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي على حق تقرير المصير أصبحت إجرائيةً، ومسألة وقت، لا أكثر ولا أقل.
25
وقد انعقد اجتماع التجمع الوطني الديمقراطي بالفعل في أسمرا (تحت مُسمّى مؤتمر القرارات المصيرية) في شهر يونيو عام 1995، بعد ستة أشهر من اللقاء والاتفاق الرباعي في شهر ديسمبر عام 1994، في أسمرا أيضاً.
وتبنّى اجتماع التجمع الوطني في أسمرا بالإجماع، وبوضوح حقَّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان (فيما عرف أيضاً بإعلان أسمرا). بل وأشاد التجمع إشادةً كبيرة بمبدأ حق تقرير المصير، ووصفه بأنه حقٌّ إنسانيٌ ديمقراطيٌ أساسيٌ للشعوب، يحقّ لأيِّ شعبٍ ممارسته في أي وقتٍ، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
Salmanmasalman@gmail.com
