باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 1 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان عرض كل المقالات

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (1 – 29):

اخر تحديث: 31 مايو, 2026 11:10 مساءً
شارك

مُقدّمة
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
هذا هو المقال الأول في السلسلة الرابعة من سلسلة المقالات عن انفصال جنوب السودان، وهو المقدمة لمقالات هذه السلسلة.
تناولت السلسلتان الأولى والثانية من هذه المقالات لقاء وإعلان كوكا دام (1985)، واتفاقية الميرغني قرنق (1988)، والفشل التام في تفعيلِ أيّةٍ من هاتين الاتفاقيتين، مما أدّى إلى وأدِهما خلال زمنٍ وجيز.
وتابعتْ السلسلةُ الثالثةُ تاريخَ وتطوّرات ونتائج مطلب جنوب السودان للنظام الفيدرالي، ورفض الشمال المتواصل والمتشدّد والاستخفافي لذلك المطلب، والذي أدّى بدوره إلى رفعِ سقفِ مطالبِ الحركات والأحزاب الجنوبية.
2
سوف نتناول في هذه السلسلة من المقالات (وهي السلسلة الرابعة) حقَّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان. وسنتقصّى بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل والتدقيق تاريخه وتطوّراته، والمفاوضات المطوّلة حوله، واتفاقياته المتعدّدة والمتشعّبة، وكيف قادت في نهاية الأمر إلى انفصال جنوب السودان.
وسنتوقّف عند كل محطةِ تفاوضٍ واتفاقٍ حول حق تقرير المصير (من المحطات الكثيرة والمتعدّدة) بمقالٍ منفصلٍ يناقش قضايا التفاوض والاتفاق في تلك المحطة.
وسنتعرّض للدوافع والأسباب التي قادت حكومة الإنقاذ، ثم من بعدها جميع الأحزاب الشمالية المعارضة، إلى اللجوء والموافقة صراحةً، وبدون أيّةِ تحفّظاتٍ، على حقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان.
3
سوف توضّح هذه المقالاتُ أمرين هامين:
أولاً: إن الرفض التام والمتواصل والمتشدّد من كل الأحزاب والحكومات الشمالية لمطلب النظام الفيدرالي، منذ الفترة التي سبقت استقلال السودان، هو الذي أدّى إلى رفع سقف مطالب الجنوب، وقاد في نهاية الأمر إلى حقِّ تقرير المصير، ثم الانفصال.
ثانياً: إن انتزاع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، والفصائل المنشقّة عنها، لحقِّ تقرير المصير تمَّ بسلاسةٍ وحِنكةٍ كبيرتين، ومن خلال محورين منفصلين، لكلٍ منهما أطرافه ومفاوضاته واتفاقياته ودوافعه. غير أن هذين المحورين التقيا في نهاية الأمر، وقادا إلى الاستفتاء والانفصال.
4
كما شرحنا باستفاضةٍ تامةٍ في سلسلة المقالات السابقة، وكما كرّرنا أعلاه، فقد تركّزت مطالب الحركات المسلحة والأحزاب الجنوبية منذ بدء الاتصالات السياسية بين الشمال والجنوب في نهاية أربعينيات القرن الماضي على مطلب الفيدرالية.
برز مطلب النظام الفيدرالي من الأحزاب الجنوبية بدءاً بمؤتمر جوبا عام 1947، ثم الجمعية التشريعية عام 1948، ثم لجنة الدستور عام 1951. وقد تمّ رفضه بشدّةٍ من جانب كل الأحزاب والحكومات السودانية، وبلا استثناء.
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار مجلس النواب والذي صدر بالإجماع يوم الاثنين 19 ديسمبر عام 1955 في جلسته رقم 43، الدورة الثالثة، بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان. أوضحنا أن القرار تضمّن فقرةً تطلب من الجمعية التأسيسية القادمة أن تعطي الاعتبار لمطلب النواب الجنوبيين بإقامة النظام الفيدرالي لجنوب السودان داخل السودان الموحّد.
وقد ناقشنا قرارَ لجنةِ الدستور (وليس الجمعية التأسيسية كما قضى قرار مجلس النواب) والذي أشار بأن اللجنة أولتْ مطالبَ الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جادّاً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مُجْدياً للسودان.
5
شرحنا كيف ساهم قرارُ لجنة الدستور هذا، مع القرارات السابقة، ثم لاحقاً قرارات مؤتمر المائدة المستديرة (الذي رفضت خلاله الأحزاب الشمالية مجتمعةً مطلب الفيدرالية)، في بذر بذور التخلّي عن مطلب الفيدرالية في أذهان الكثيرين من القادة العسكريين والسياسيين والأكاديميين في جنوب السودان. كما أدّى ذلك الرفض الاستخفافي إلى رفعِ سقفِ المطالب الجنوبية، وأثارَ حقَّ اللجوءِ إلى خياراتٍ أخرى.
فما المعنى بالنسبة لهؤلاء القادة الجنوبيين مواصلة عرضِ مطلبٍ تمَّ رفضة بتلك الصورة الاستخفافية والحاسمة والمتشدّدة من كل الحكومات والأحزاب السياسية الشمالية خلال كل تلك الفترات؟
6
كانت إحدى تلك الخيارات هي حق تقرير المصير.
فقد ذكر مولانا القاضي أبيل ألير في كتابه “التمادي في نقض المواثيق والعهود” أن تاربخ حق تقرير المصير لجنوب السودان يعود، في حقيقة الأمر، إلى عام 1963 حينما بعث حزب الاتحاد السوداني للمناطق المقفولة (والذي ادّعى وقتها أنه يتحدّث باسم الحركات المسلّحة بجنوب السودان) برسالةٍ إلى الأمين العام للأمم المتحدة يعلن مطالبته بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
7
غير أن مطلب حقِّ تقرير المصير برز بوضوحٍ وبصورةٍ رسميةٍ لأولِّ مرّة خلال مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في الخرطوم في شهر مارس عام 1965، بعد خمسة أشهرٍ من نجاح ثورة أكتوبر عام 1964، وبعد عامين من رسالة الاتحاد السوداني للمناطق المقفولة إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
فكما ذكرنا في المقالات السابقة فقد جاءت فكرة مؤتمر المائدة المستديرة في رسالة السيد ويليام دينق رئيس حزب سانو إلى رئيس وزراء حكومة أكتوبر السيد سر الختم الخليفة في 8 نوفمبر عام 1964.
تناولت تلك الرسالة بالتفصيل مطلب النظام الفيدرالي. وكرّر السيد ويليام دينق مضمون رسالته تلك في كلمته خلال المؤتمر في شهر مارس عام 1965.
غير أن الأحزاب السياسية السودانية مجتمعةً رفضت ذلك المقترح، بل وسخرت منه، كما ناقشنا في سلسلة الاثنتي عشرة مقالةٍ السابقة عن مطلب جنوب السودان للنظام الفيدرالي (والتي يتم نشرها الآن مجتمعةً في صحيفة سودانايل الالكترونية).
8
وقد أدّى ذلك الرفض الحاد والمتسرّع والاستخفافي إلى رفع سقف مطالب القيادات الجنوبية خلال المؤتمر نفسه.
فقد كانت كلمة السيد أقري جادين ممثل حزب سانو في الخارج حادةً في نقدها للشمال، ركّز فيها على الخلافات بين شطري القطر، وأعلن فيها أنه لا يوجد شيءٌ مشتركٌ بين الاثنين – لا عادات ولا تقاليد ولا هويّة ولا لغة ولا دين ولا مصالح – وأن شطري القطر قد فشلا في التعايش معاً.
وذكّر السيد أقري جادين الشماليين بنقض وعدهم فيما يختصّ بالنظام الفيدرالي الذي تمّ الاتفاق عليه في شهر ديسمبر عام 1955، ولكنه أضاف أن الأوضاع قد تغيّرت منذ عام 1955، وأنه قد آن الأوان لانفصال جنوب السودان عن شماله، “لأن ادعاء الشمال للوحدة مبنيٌّ على الصدفة التاريخية ومفروضٌ على الجنوب بالهيمنة.”
9
واصل السيد غوردون مورتات السير خلال مؤتمر المائدة المستديرة في طريق السيد أقري جادين مُعدِّداً مجالات التباين والخلاف بين الشمال والجنوب، ولكنه طالب بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وليس الانفصال.
وقد بنى السيد مورتات مطالبته بحق تقرير المصير لجنوب السودان على قرار الشمال تقرير مصيره عام 1955. فتلك سابقةٌ تاريخيةٌ سودانيةٌ، وحقوق الشعبين في شقّي القطر يجب أن تكون متكافئةً ومتساويةً.
وهكذا برز حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لأولِّ مرّةٍ رسمياً للعلن، وبصوتٍ عالٍ، عام 1965، في مؤتمرٍ مشتركٍ بين الشمال والجنوب حضره عددٌ كبيرٌ من القيادات السياسية من الجانبين، ومراقبون من عدّة دولٍ أفريقيةٍ وعربيةٍ، ومن منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة.
وكما ناقشنا من قبل، فقد تم رفض كل مقترحات القادة الجنوبيين، وعلى رأسها مطلب الفيدرالية، خلال مؤتمر المائدة المستديرة، وكذلك فيما بعد، في لجنة الاثني عشر. وتواصلت الحرب والموت والدمار، وإغلاق الشمال لأبواب التواصّل الجاد لحلٍ سلميٍ لقضية الجنوب.
10
أدّى ذلك الوضع السياسي والعسكري المرتبك، مع تطوراتٍ أخرى، إلى انقلاب 25 مايو 1969، ثم إلى اتفاقية أديس أبابا بين حكومة الرئيس نميري وحركة تحرير جنوب السودان برئاسة السيد جوزيف لاقو. ارتكزت الاتفاقية على مبدأ الحكم الذاتي، والذي يمثل الحد الأدنى للنظام الفيدرالي كما أوضحنا من قبل. وقد ناقشنا تفاصيل الاتفاقية وتعثّر تطبيقها، ثم انهيارها، في المقالات السابقة.
تابعت تلك المقالات أيضاً بروز الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983 ببرنامجها الوحدوي المُنْبني على مبدأ السودان الجديد، ثم سقوط نظام النميري بعد عامين من ذلك التطور الكبير، إثر نجاح انتفاضة أبريل عام 1985.
ناقشت المقالات باستفاضةٍ لقاء وإعلان كوكا دام (1985)، ثم اتفاقية الميرغني قرنق (1988)، وفشل المبادرتين نتيجة معارضةِ الحركةِ الإسلامية الحادة لهما، ثم نجاح انقلاب الإسلاميين في 30 يونيو عام 1989.
11
اشتمل البيان الأول لقادة انقلاب 30 يونيو عام 1989 على إشارةٍ واضحةٍ لسياسة حكومة الانقاذ المتشدّدة تجاه مشكلة الجنوب. فقد أوضح وأكّد ذلك البيان:
“اليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدّوا قسم الجندية الشرفيّة أن لا يفرّطوا في شبرٍ من أرض الوطن، وأن يصونوا عزته وكرامته، وأن يحافظوا على البلاد وسكانها واستقلالها المجيد.”
وقد ترجمت حكومة الإنقاذ على أرض الواقع تلك الرسالة العسكرية المتشدّدة بإعلانها الجهاد على جزءٍ من شعب البلاد، كسياسةٍ رسميةٍ من الدولة، لا تقبل الجدل أو المساومة. وبرزت بقوةٍ وحماسٍ، وعبر كل وسائل الإعلام، شعارات ساحات الفداء، وعرس الشهيد، وبرامج الاستنفار لحرب الجهاد الجديدة في دولة السودان المتعددة الديانات والثقافات، وفي العقد الأخير من القرن العشرين.
12
لكن رغم تلك اللهجة واللغة الحادة والمتشدّدة تجاه قضية الجنوب، فإن حكومة الإنقاذ لم تغلق بابَ الحوار مع الحركة الشعبية.
فقد كانت مجموعةُ الإنقاذ على علمٍ تامٍ بمقدرات الحركة الشعبية العسكرية الكبيرة والمتنامية، وانتصاراتها الكبيرة، وسقوط الحاميات والمدن واحدةً بعد الأخرى في أيادي الحركة خلال مرحلة الحكم المدني الثالثة (1985 – 1989). وقد شهدت تلك المرحلة أيضاً انتقال الحرب إلى شمال السودان، كما وعدت قيادات الحركة الشعبية.
13
وقد وعتْ مجموعةُ الإنقاذ أيضاً مضمونَ مذكرةِ قيادة القوات المسلحة السودانية التي تم تقديمها في 20 فبراير عام 1989 إلى كلٍ من رئيس مجلس رأس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء. وقد شملت تلك المذكرة وصفاً متكاملاً لإمكانيات الحركة الشعبية العسكرية والدبلوماسية الهائلة والمُميّزة حين ذكرت:
“إن الحرب التي نخوضها في جنوب السودان قد أظهرت بُعداً استراتيجياً جديداً وفريداً لم يشهده عالمنا المعاصر. لقد توحّد المعسكران الغربي والشرقي في دعم وإسناد حركة التمرّد التي نواجهها. إن الكتلة الشرقيّة تقدّم كلَّ متطلّبات القتال والتدريب والتوجيه لحركة الخوارج، بينما يُوظِّف العالم الغربي كلَّ إمكانياته الماديّة والإعلاميّة لخدمة أهداف التمرّد.”
كما أشارت المذكرة إلى أن قوات الحركة الشعبية “التي تقارب أربعين ألف مقاتل، يتمُّ دعمها بلا حدودٍ من خلال خطوط إمداداتٍ مفتوحةٍ عبر طرقٍ جيدة من إثيوبيا وكينيا ويوغندا، إضافةً إلى التموين الجوي إلى مطارات كبويتا وبوما وكنقر، وكذلك الدعم المادي من المنظمات الطوعية غير الحكومية.”
من الواضح إنها حقائقٌ مزعجةٌ ومقلقةٌ لحكومة الإسلاميين، كانت قد أبرزت نفسها بوضوحٍ على أرض الواقع. كما أن المذكرة شملت تقييماًَ واضحاً وتحذيرياً لا يمكن لحزبٍ سياسي أو لحركةٍ عسكرية أو حكومةٍ، مهما ملكت من القوة أو الغطرسة، تجاهلها أو غضّ الطرفِ عنها.
14
لهذه الأسباب، ونتيجةً للوضع العسكري المتردّي، فقد طلبت حكومة الإنقاذ الإسلامية، رغم بيانها الأول المتشدّد، ورغم إعلانها الجهاد على جزءٍ من شعبها، وساطة حكومة منقيستو هايلي ماريام الماركسية في إثيوبيا.
تمت إثر ذلك، وبسرّيةٍ تامة، عدّة لقاءاتٍ بين الحركة الشعبية وحكومة الإنقاذ في أديس أبابا في شهر أغسطس عام 1989، بعد أقل من شهرين من نجاح انقلابها.
وتلت تلك المبادرة لقاءاتٌ في نيروبي، في شهر ديسمبر عام 1989، بوساطة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. غير أنه لم ينتج عن أيٍ من المبادرتين ملامح اتفاقٍ بين الطرفين.
15
توقّفت اللقاءات بين الجانبين لبعض الوقت، لكنها تواصلت بعد الانشقاق داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبروز فصيل الناصر في أغسطس عام 1991.
غير أن تلك اللقاءات كانت هذه المرّة بين حكومة الإنقاذ وفصيل الناصر المنشقّ من الحركة الشعبية، والذي تبنّى مبدأ حق تقرير المصير، ولم تشمل اللقاءات بدايةً، ولفترةٍ طويلةٍ من الوقت، الحركة الشعبية الأم.
16
ومن سخرية القدر، فقد قادت تلك اللقاءات والمفاوضات بين الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة الإنقاذ (التي رفضت بشدة مطلب الفيدرالية، وإعلان كوكا دام، ثم اتفاقية الميرغني قرنق) إلى قبول حكومة الإنقاذ لمبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
بدأ ذلك القبول بعد خمسة أشهرٍ فقط من بروز ذلك المبدأ وتبنّيه رسمياً بواسطة الفصيل المنشق من الحركة الشعبية (فصيل الناصر) في أغسطس عام 1991، ثم تبنّيه بواسطة الحركة الشعبية الأم نفسها في مؤتمر توريت في سبتمبر عام 1991.
فقد وقّعت حكومة الإنقاذ في 25 يناير عام 1992 على إعلان فرانكفورت مع فصيل الناصر المنشق من الحركة الشعبية لتحرير السودان. واعترفت حكومة الإنقاذ لأولِّ مرةٍ في تاريخ السودان بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
17
وكما سنناقش بالتفصيل في هذه السلسلة من المقالات، فقد نجحت الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم في انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ في ثلاث اتفاقياتٍ تلت إعلان فرانكفورت.
عليه فقد تمّ التوقيع بين هذين الطرفين على أربع اتفاقيات تم التوقيع عليها في فترة ستّ سنواتٍ، من يناير 1992 وحتى سبتمبر 1997 تعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وهذه الاتفاقيات هي:
أولاً: إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992،
ثانياً: الميثاق السياسي في 10 أبريل عام 1996،
ثالثاً: اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997،
رابعاً: اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.
18
من الجانب الآخر نجحت الحركة الشعبية الأم في انتزاع حق تقرير المصير من أحزاب المعارضة الشمالية في أربع اتفاقياتٍ من يوليو 1994 وحتى يونيو 1995 (أي في ظرف عامٍ واحد). وهذه الاتفاقيات هي:
أولاً: إعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في 13 يوليو عام 1994،
ثانياًُ: اتفاق شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في 12 ديسمبر عام 1994،
ثالثاً: الاتفاق السياسي بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وقوات التحالف السودانية مع الحركة الشعبية في أسمرا في 27 ديسمبر عام 1994 (يُشار إليه أيضاً ب “الاتفاق الرباعي”)،
رابعاً: إعلان أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) بين جميع الأحزاب الشمالية المعارضة للإنقاذ وقتها (الأمة، والاتحادي الديمقراطي، والشيوعي، تجمع الأحزاب الأفريقية السودانية، القيادة الشرعية للقوات المسلحة، قوات التحالف السودانية، مؤتمر البجا، والنقابات)، والحركة الشعبية لتحرير السودان في 23 يونيو عام 1995.
19
وفي 19 فبراير عام 2001 وقّع حزب المؤتمر الشعبي، والذي كان قد انشقَّ من حركة الإنقاذ الإسلامية الحاكمة عام 1999، على اتفاق جنيف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، وافق فيه الحزب الوليد صراحةً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
20
ورغم أن هذين المحورين قد يبدوان للقارئ كمحورين متوازيين، إلّا أنهما صبّا وقادا في نهاية الأمر إلى بروتوكول مشاكوس (الذي تم التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002)، والذي وافقت حكومة الإنقاذ بمقتضاه مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم نفسها (هذه المرّة) على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، بكل الوضوح والتفاصيل والتواريخ المطلوبة. وقد تم ذلك الاتفاق تحت مظلة وساطة الإيقاد، كما سنناقش في مقالاتٍ لاحقة من هذه السلسلة من المقالات.
ثُمَّ تمَّ تأكيد حق تقرير المصير في اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا) بين هذين الطرفين (حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان) في 9 يناير عام 2005، والتي قادت إلى انفصال جنوب السودان في سلاسةٍ بالغةٍ في عام 2011، بعد ستِّ سنواتٍ انتقاليةٍ مرتبكةٍ.
21
وقد تم التوصّل إلى حقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان في كل هذه الاتفاقيات مجتمعةً بسهولةٍ مذهلةٍ، أوضحت وأكّدت المقدرات العسكرية والتفاوضية والدبلوماسية والسياسية والقانونية الهائلة للحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، وكذلك للفصائل المنشقّة عنها. كما أكدتْ تلك السهولةُ أيضاً الارتباكَ الكبير الذي كان السمةَ الرئيسية لكل الأحزاب السياسية الشمالية، خاصةً مجموعة الإنقاذ الحاكمة، كما ستوضّح المقالات اللاحقة من هذه السلسلة من المقالات.
22
لا بُدّ من الإشارة إلى اتفاقين آخرين، يُضافان إلى هذه الاتفاقيات المتعدّدة التي تعرّضنا إليها أعلاه، والتي اعترفت فيها أحزابٌ شمالية فيما بينها بحقَّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
الاتفاق الأول هو اتفاق جيبوتي بين حزب الأمة وحكومة الإنقاذ والذي تمّ التوقيع عليه في 25 نوفمبر عام 1999. وقد اتفق الطرفان بموجبه على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بإكمال الإجراءات الخاصة به في فترة انتقالية قدرها أربعة أعوام “يُستفتى جنوب السودان … ليختار بين وحدةٍ طوعية … أو الانفصال.”
وهذا هو أول اتفاقٍ شماليٍ – شماليٍ يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
أما الاتفاق الثاني فهو اتفاق القاهرة بين حكومة الإنقاذ والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان والذي تم التوقيع عليه في 20 يونيو عام 2005. وقد أكد الاتفاق التزام الأطراف بالتخطيط ووضع التنفيذ للتدابير اللازمة “بحيث تقود ممارسة حق تقرير المصير إلى دعم خيار الوحدة.”
23
بهذين الاتفاقين (واللذين سنتعرّض لهما بقدرٍ من التفصيل في هذه السلسلة من المقالات) ارتفع عدد الاتفاقيات التي اعترفت بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان خلال الفترة 1992 – 2005 إلى ثلاث عشرة اتفاقية (بمعدّلِ اتفاقيةٍ لكل عام).
نعم، ثلاث عشرة اتفاقية شملت كل الأحزاب الشمالية (الحركة الإسلامية الحاكمة، والأحزاب المعارضة) بلا استثناء، وكل الحركات السياسية والمسلحة الجنوبية (الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، والفصائل المنشقة عنها، أو التي رفضت الانضمام إليها بدايةً).
24
سوف نواصل في هذه السلسلة من المقالات مناقشة هذه التطورات والمفاوضات والاتفاقيات التي نتج عنها الاعتراف الشمالي بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وسنوضّح بقدرٍ من التفصيل كيف قادت هذه الاتفاقيات إلى الاستفتاء، ثم انفصال جنوب السودان بسلاسةٍ وحنكةٍ كبيرتين.
وسوف يشمل السردُ والنقاشُ الأسبابَ التي دفعت بكلٍ من حكومة الإنقاذ من جانب، والأحزاب الشمالية المعارضة من الجانب الآخر، إلى قبول مطلب حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بتلك السرعة والسهولة المذهلتين، وإلى تأطير هذا الحق بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل والوضوح في كلٍ من الاتفاقيات المتعدّدة التي أشرنا إليها أعلاه.
25
غير أنه لا بُدّ من التوضيح قبل مواصلة هذا النقاش في المقالات القادمة أن النقد للأحزاب السودانية الشمالية في هذه السلسلة من المقالات ليس بسببِ أنها وافقت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
على العكس تماماً، فالكاتب يؤمن إيماناً قاطعاً أن شعب جنوب السودان له الحقُّ كاملاً في تقرير مصيره بنفسه بسبب الاضطهاد والظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والبطش العسكري الذي تعرّض له خلال السنوات الطويلة منذ فترة ما قبل الاستقلال وحتى الانفصال.
فحقُ تقرير المصير حقٌ مكفولٌ لجميع الشعوب بمقتضى القانون الدولي ومبادئ الديمقراطية والحرية.
26
فقد دعا ميثاق الأمم المتحدة (الذي دخل حيز النفاذ في 24 أكتوبر عام 1945) في المادة الأولى، وكذلك في المادة 55، إلى:
“احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكلٍ منها تقرير مصيرها.”
وتنصُّ المادةُ الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، على أنه:
“لجميع الشعوب حقُّ تقرير مصيرها بنفسها، وهى بمقتضى هذا الحق حرةٌ في تقرير مركزها السياسي، وحرةٌ في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.”
وهذا الحق يشمل أيّةَ مجموعةٍ شعبيّةٍ لها هويّةٌ مميّزةٌ وتسعى لحريةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ.
ولا اعتقد أن هناك أقلَّ قدرٍ من الجدل في أن شعب جنوب السودان يقع بالكامل في إطار هذه المادة من العهدين الدوليين.
فشعب جنوب السودان له هويّةٌ ثقافيةٌ وعرقيةٌ ودينيةٌ وتاريخيةٌ متميّزةٌ عن شمال السودان، وقد تعرّض للكثير من الظلم والاضطهاد، كما أوضحنا بتفصيلٍ في سلسلة المقالات السابقة.
27
دخل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيّز النفاذ في عام 1976. وقد صادق السودان على العهدين وأصبح طرفاً فيهما في 16 مارس عام 1986.
28
كما ذكرنا أعلاه، فإن النقد للأحزاب السودانية الشمالية في هذه السلسلة من المقالات ليس بسببِ أنها وافقت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
بل إن النقد موجّهٌ إلى الأسلوب والمنهج والكيفية الاستخفافية التي تعاملت بها الأحزاب الشمالية مجتمعةً، وبلا استثناء، منذ البداية مع مطالب جنوب السودان العادلة والمشروعة، خصوصاً مطلب الفيدرالية.
فقد رفضت هذه الأحزاب مجتمعةً وبشدّة (خصوصاً في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965) رفضاً قاطعاً مطلبَ جنوب السودان للنظام الفيدرالي، (والذي كان سيحفظ للسودان وحدته)، بل واستخفت به وسخرت منه.
ثم عادت نفس هذه الأحزاب، فرادى ومجتمعةً، ووافقت (دون أيّةِ تحفظاتٍ، وبلا استثناء) على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان والذي قاد لانفصال الجنوب. بل وأشادت هذه الأحزاب جميعها بحماسٍ متدفّقٍ بحق تقرير المصير، كما سنناقش بالتفصيل في المقالات القادمة من هذه السلسلة من المقالات.
29
كما ذكرنا أعلاه، فسوف نتوقّف عند كل محطة تفاوضٍ واتفاقٍ حول حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في مقالٍ منفصلٍ.
وسوف يبلغ عددُ هذه المقالات في هذه السلسلة تسعةً وعشرين مقالاً، سيكون توزيعها وعناوينها كالآتي:
مقدمة
اعلان فرانكفورت 1992
أبوجا 1992 – 1993
اللجوء إلى الإيقاد 1994
مبادئ الإيقاد 1994
إعلان نيروبي 1993
إعلان واشنطن 1993
اتفاق أسمرا الرباعي 1994
إعلان أسمرا 1995
السلام من الداخل 1996
اتفاقية الخرطوم للسلام 1997
الإيقاد (2) 1998
اتفاق جيبوتي 1999
اتفاق جنيف 2001
المبادرة الليبية المصرية 2001
الإيقاد (3) 2002
الطريق إلى مشاكوس 2002
بروتوكول مشاكوس 2002
ملاحظات على بروتوكول مشاكوس
اتفاق الترتيبات الأمنية 2003
اتفاقا تقاسم الثروة والسلطة 2004
اتفاق المنطقتين 2004
اتفاق أبيي 2004
توقيع اتفاقية نيفاشا 2005
القترة الانتقالية 2005 – 2011
ندوة واشنطن 2005
قانون الاستفتاء 2009
الاستفتاء والانفصال 2011
خاتمة.
30
سوف يكون إعلان فرانكفورت، الذي سيناقشه المقال القادم، هو المحطة الأولى من هذه المحطات المتعدّدة.
وسوف نقوم بالردِّ على أيِّ تعقيبٍ أو تعليقٍ على أيّةٍ من هذه المقالات بعد الانتهاء من نشر المقالات التسعة وعشرين جميعِها، حتى لا يحدث تشتّتٌ في الجهد، أو توقّفٌ في تتابع النشر اليومي للمقالات.
Salmanmasalman@gmail.com

الكاتب
د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
لا يا وزيرة الاتصالات الأمر ليس لك!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله
مروي الجيش و”الدعم السريع”: من الحب إلى الرعب .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
Uncategorized
هل الحكومة ضد المواطن؟
بيانات
الجبهة السودانية للتغيير تدين أحداث مجزرة مدينة نيالا وتطالب بفتح تحقيق عاجل
كاريكاتير
2022-10-28

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ما هذه اللغة التي تعرف باللغة الإنجليزية (4/4) .. بقلم: سنوسي عبدالله ابوجولة (السنوسي ابو الوليد)

السنوسي أبو الوليد
منبر الرأي

مفهوم الضريبة اهميتها وسلبياتها .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم

طارق الجزولي
منبر الرأي

هو ايضا فرصة لتصحيح استراتيجية المعارضه، خوض الانتخابات .. بقلم: عبد العزيز حسين الصاوي

عبد العزيز حسين الصاوي
منبر الرأي

ياسر عرمان وحسن الترابي وحديث على الهواء … بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss