خواطِر عَن خَمسةٍ وَعشريْن عامـاً وَنيـّف… .. بقلم: جمَـال مُحمّـد إبراهيْـم
11 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
28 زيارة
أقرب إلى القلب:
جمَـال مُحمّـد إبراهيْـم
Jamalim1@hotmail.com
(1)
نحن في الشهر الأخير من عام 2014، وانطواء العام وحلول آخر جديد، يكون محطة للتفكر وانتزاع الخواطر، حلوها ومرّها. وقفتُ على انقضاء ربع قرنٍ منذ 1989، وقوفاً أقرب إلى القلب وإن لم يبعد من العقل. حين كنتُ في بيروت قبل سنوات قليلة، لم تكن تفوتني متابعة ليلة نهاية العام في قنوات بيروت، إذ اللبنانيون مولعون بالتنجيم وقراءة النجوم والتنبؤ بما قد يقع في العام القادم، يتابعون المنجّمين الكذبة للترويح عن النفس، وأيضاً للتفاؤل بما هو آت. هي لحظة نجرد فيها الذي انقضى، ونتفاءل بالذي قد يأتي. لكني أرى الصورة عندنا قاتمة، ومن لا يرى تفاصيلها المقلقة عليه أن يراجع بصره قبل بصيرته. ذهب الجنوب عن بلادي إلى حاله، والنزاعات على حالها تستفحل هنا وهناك. .
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً لنظام حكمٍ بدأ بصبغة عسكرية تغطى توجّهات ذلك التيار الذي يعرف الناس لونه السياسي الداكن برغم التمويه وتلوين الوقائع، وقفتْ البلاد على أعتاب تحديات قرّبتنا من الفشل والانهيار، بحسب المعايير المعتمدة عالمياً. مَن أراد أن ينتشل الناس من وحل الانهيار ، بدأ بكذبة “بيضاء” ، ألقت في نهاية الأمر بالسواعد العسكرية التي جاءت بنظام مُتشددٍ مُسيطر إلى متاهات النسيان، فمن يتذكر الآن أسماء أعضاء ذلك المجلس الذي أحدث الانقلاب. .؟
(2)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً منذ تلك الليلة ، أما آن لنا أن نسأل أين فيصل أبوصالح وقد كان يتبوأ رتبة عسكرية عالية ساعة الإنقلاب ، وتولى بعد ذلك وزارة الداخلية في لحظات مفصلية من عمر الحركة التي أحدثت التغيير. .؟ ذلك جنرال هاديء الطبع، “طيبان” على قول الشوّام. .
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً نظرتُ حولي فما وجدت ذِكراً للعميد (مهندس طيار) فيصل مختار. نعرف عن الرجل أدواراً تحدث بها الناس منذ أواخر الحقبة المايوية. جاء عضواً بالمجلس العسكري وتواصل دوره في سنوات التسعينات الأولى، قبيل انقضاء أجل “المرحلة العسكرية” (وهو توصيف يخصّ كاتب هذا المقال وحده!). تولّى الرجل، وهو المتخصّص في هندسة الطيران – في آخر مسئولياته- وزارة الصحة الاتحادية، لكأنما رتبوا له أن يكون ضيفاً عابراً على تلك الوزارة الفنية المهمة. . أتذكّر آخر زيارة خارجية له كانت إلى تهران، عاصمة “الجمهورية الإسلامية في ايران”، حيث تعرفتُ إليه عن قرب، ولمستُ عدم حماس السفير السوداني وقتذاك لتلك الزيارة، والسفير من الشخصيات القيادية في الجبهة الإسلامية، وجرى تعيينه سفيراً في إطار سياسة “التمكين” السارية، (وكنتُ أنا نائبه في إيران). استنكف الرجل حتى مجرد مرافقة الوزير في جولاته الرسمية إبان زيارته تلك، على وزارة الصحة الإيرانية وإداراتها وأقسامها المتخصصة . لفت ذلك الأمر نظري، ودارت تساؤلات في رأسي فيما إن كان من المقدر للعميد فيصل مدني مختار أن يستمر في مسئوليته الوزارية أم سيغادرها. .؟ كنتُ أعلم من صديقنا العميد فيصل مختار أنه أعدّ مذكراته المفصلة عن تجربته الأخيرة عضواً في المجلس العسكري، غير أنها وحسب علمي لم ترَ النور بعد. .؟
(3)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً ، لنا أن نسأل أيضاً: أين العميد عثمان أحمد حسن، وقد كان في رتبة عسكرية عالية، وتولى اللجنة السياسية ردحاً من الزمان، وهو من الشخصيات التي أسبغتْ على الحركة العسكرية احتراماً وتقديراً في الأوساط العسكرية الداخلية على الأقل. حين رأس تلك اللجنة، حسبَ اللواء عثمان في سنوات الحماس الأولى، أنها هي التي تحدّد مسارات السياسة، بل والسياسة الخارجية تحديداً، فتبيّن له خطل ظنه وظنّ لجنته الوهمية ، إذ وضح أن السياسة لها لجنة أخرى، لها من الصلاحيات ما يفوق صلاحيات عثمان، ولم تملك لجنته الإسمية تلك أن تؤثر، تراجعاً أو تأييداً في تلك السياسات. وفي مواقف السودان- مثلاً- من اجتياح قوات العراق للكويت عام 1990 فيما عرف بحرب الخليج الثانية، شواهد في ذاكرة التاريخ القريب. . نحتاج أن نطلع على شهادته حول ما شارك فيه من عمل، ومما نشب من تباين في الأراء دفعت به إلى التخلي عن مسئولياته كلها . .
(4)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً .. نسأل مع السائلين: أين عضو مجلس الثورة صديقنا اللواء سليمان محمد سليمان. . ؟ يعلم الناس أجمعين أنّ الرجل هو الذي أدار العمل الإعلامي ردحاً طويلاً من الزمن ، وإن لم يكن من بين صلاحياته لجم الضابط يونس الذي كان اللسان اللاذع للحركة الحاكمة، يهاجم المعارضة ومن والاها في البلدان الشقيقة، وأيضاً من منحها الملاذ والقدرة على الحراك السياسي. ظلّ لسان الضابط يونس يلسع لسعاً مؤلماً حتى رقّ قلب وزير الخارجية وخشي على ملفات وزارته من أثر اللسع المتواتر لقادة في العالم العربي لهم المهابة والتقدير. . وسعى دكتور أبو صالح وقتها، سعياً جاداً لإيقاف أحاديث الرجل- أو هو نزيفه السياسي- من راديو “أم درمان”، فما أفلح. لم يكن العميد سليمان في علم أكثر الناس، مشاركاً فعلياً في ليلة الإنقلاب الطويلة ، لكن التوازنات العسكرية منحته وهو برتبة العميد، عضوية مجلس قيادة الحركة. خرج الرجل بعد انتهاء أجل ومهمة مجلس القيادة، ليدخل وزارة الخارجية سفيراً للسودان في سوريا. لم تكن أيامه هناك أياماً طيبة، إذ لم يكن بينه ووزير الخارجية أوانذاك من نقاط تلاقٍ أوتوافقٍ في التوجهات. نطمع أيضاً أن نطلع على شهادة الرجل عن تجربته تلك. .
(5)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً . . نسأل اين العميد البحري الذي أدار لجنة الاقتصاد في الأيام الأولى للحركة. بقي يجاهد للدفاع عن إسمه في حادثة إعدام “مجدي” الشهيرة لحيازته عملات أجنبية تخص أسرته، وكان للجنته الإقتصادية دور في القضية. ولكن لم يكن العميد صلاح كرار في لجنته الإقتصادية بأفضل من وضع رفيقه في السلاح، اللواء عثمان في لجنته السياسية تلك. تأتي القرارات الحاسمة من لجان خفية أخرى. لعل المشادة الشهيرة التي منع فيها حرّاس بوابة القصر الرجلَ من الدخول يوم حفل الذكرى، عبّرت تمام التعبير وبرمزية لافتة، عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، لن يكتب للعميد البحري أن يلعب فيها دوراً يناسب دوره المميز ليلة التحرك العسكري في آخر يونيو من عام 1989.
بعد انطواء خمسةوعشرين عاماً .. نسأل أين ذلك الضابط ابن دارفور: اللواء التجاني الطاهر. . ؟ أمّا وقد انطوت “المرحلة العسكرية” وودّع مسئولياته مع المودّعين ، أما كان من الممكن أن يلعب دوراً يناسب مقدراته في احتواء الصراعات التي نشبت واستفحلت حتى غدتْ أرض دارفور كلها ساحة لنشاط دوليّ، قضم من السيادة والهيبة شيئاً مقدرا. . ؟ ترى ماذا سيقول لنا عن تجربته. . ؟
(6)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً. . نسأل أين الضابط الذي – بعد انتهاء “المرحلة العسكرية” في سنوات التسعينات- تولى رئاسة البرلمان، وأبلى بلاءاً حسناً لترسيخ دورٍ فاعلٍ لمجلس نيابي في تلك السنوات، على علاته فقد كان بناءاً مشاهداً ومنظورا. نسأل عن العميد محمد الأمين خليفة، وقد انزوى بعيداً في المؤتمر الشعبي، وقد خفتَ صوته خفوتاً بعيدا. .
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً، مَن يسأل عن عضو المجلس العسكري وزير الشباب اللواء ابراهيم نايل ايدام وقد كان له دورٌ بارزٌ ومشهود. .؟
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً. . من يتذكر دوراً رئيساً لعبه لواء آخر إسمه حسن حمدين، يكاد أن ينسى الناس أنّهُ الرجل الذي أوكل إليه تنفيذ هيكل الحزب السياسي الذي نعرف اليوم باسم “المؤتمر الوطني” ؟ بنى الرجل الهيكل الذي جرى إعداد خرائطه الهندسية، وفق ترتيبات أجازها العقل المُدبر، لكن حمدين هو الذي بناها “طوبة طوبة” ، كما يقول عوام الناس.
(7)
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً، علينا أن ندرك أنه قد كان لهؤلاء الضباط الكبار الأعضاء في مجلس القيادة، أدوار مرسومة بدقة وإحكام ، ومحددة معالم طرائقهم، وفق إطار زمني في مرحلة معينة، “تتوالى” بعدها المراحل، واحدة إثر أخرى، في سبيل بناء “مشروع حضاري” تبنته الفئة الحاكمة، وتظل إلى الآن مصداقيته محل تساؤل وتشكيك. هم الذين كانوا في واجهة سياسة “التمكين السياسي”، و”التمكين” هو سلاح التغيير الذي أعتمده التيار الإسلامي الحاكم لتثبيت أقدامه وإحكام السيطرة، وإحداث التحولات المطلوبة في الساحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفق مشروع إسلاموي تبناه ذلك التيار الحاكم. هكذا وفور انتهاء “المرحلة العسكرية”، كان على هؤلاء الضباط الإنزواء بعيداً، وإخلاء الساحة لعناصر موكول إليها أمر التحولات الحقيقية. . لم يبقَ في الذاكرة من هؤلاء ربما ، إلا من توفاه الله في خلال “المرحلة العسكرية” تلك، ليحمل- بتلك المصادفة المحضة التي دبرها الله العزيز القدير- شارعٌ عام إسمه: “شارع بيـو يو كـوان”، في قلب الخـــرطوم.
(8)
بعد انطواء نحو عشرين عاماً. . نشر المحبوب عبد السلام – المقرّب مِن زعيم الجبهة الإسلامية، ووقت أن كان في منفاه الاختياري- شهادته بعد أن انفضّ تحالف “العسكر” والسياسيين “الملكية” : في كتابـــه “الحركة الاسلامية السودانية: دائرة الضوء ..خيوط الظلام”، وإن حصر كتابه في العشرية الأولى للتجربة الإسلامية في حكم البلاد، لكنها بالفعل هي العشرية المفصلية التي بلورت شكلاً كاملاً، برزت فيه معالم التجربة بوضوح.
بعد مرور خمسة عشر عاماً منذ المفاصلة التاريخية، ونحن نطـــوي
خمساً وعشرين عاما .. كتب عبد الغني أحمد ادريس شهادته:الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة – لندن 2012، يورد في كتابه تحليلاً أشبه بمحاكمة التجربة الإسلامية برمتها، برجالها ومواقفها. بنجاحاتها واخفاقاتها. .
بعد انطواء خمسة وعشرين عاماً، نجحنا في انهاء تنوع البلاد الإثني والثقافي واللغوي، وانفصل إقليم جنوب البلاد وذهب إلى حاله: دولة جديدة ، وغيّبنا جزءاً من تاريخنا وأيضاً من ترابنا ووجداننا، ولكن ما طوينا – للأسف-صفحة النزاعات. .
ترى ماذا سيقرأ المنجمون لنا عن أيامنا القادمات. . لو كتب لنا هؤلاء الرجال وبعد أن خلعوا بزاتهم العسكرية والذين شكلوا جزءاً من تاريخ البلد في أخطر مراحل تكوينه، أطرافاً من تجاربهم في الحكم على قصرها . . ؟
مع أجمل الأمنيات بعام قادم في يناير 2015. .
الخرطوم- 11 ديسمبر 2014
///////