د. محمد جلال هاشم ينقلب على ظله

umniaissa@hotmail.com
الصادق حمدين

كان د. محمد جلال هاشم فاعلا في صفوف الحركة الشعبية، لا أجزم إن كان انتماؤه تنظيمياً أم فكرياً، أم لشيء آخر، لكن المعروف عنه ارتباط اسمه بمشروع سياسي واضح لا مواربة فيه، يقوم على تفكيك الجيش القائم وإحلال جيش وطني بديل عنه، قوامه وعموده الفقري من الحركات المسلحة والحركة الشعبية. قبل أن ينقلب على هذا الطرح نفسه حين بدّل مواقفه واصطفّ لاحقاً إلى جانب الجيش، ليعيد تقديمه فجأة بوصفه “ركنًا من أركان الدولة”، إذا انهار انهارت معه الدولة بالتبعية. متجاهلاً عن سابق تصميم وتعمّدْ التعريف الدستوري للدولة في تخليط مفاهيمي فج.

والمؤسف حقاً، بل الفادح سياسياً وأخلاقياً، أن د. محمد جلال هاشم كان من بين الأصوات التي أسهمت في تعبئة المناخ العام للحرب قبل اندلاعها، عبر نشاطه في برامج عدة من بينها برنامج “رتينة”، الذي تمثّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الاستنفار للحرب، أو ما عُرف بالتحشيد الشعبي لاحقاً، فقد انحصرت مرافعاته التحريضية في استدعاء أحداث كِرِنْدِنْق الأولى والثانية، محمِّلا ما جرى هناك من انتهاكات خطيرة بصورة انتقائية إلى الذين اسماهم بـ “الجنجويد”، دون الانتباه للخطورة الدلالية للكلمة وثقلها الرمزي، تلك الكلمة الملتبسة، حمالة الأوجه، التي لا تشير إلى فاعل محدد بقدر ما تعمل كأداة شيطنة شاملة، تُسقِط المسؤولية الجنائية والسياسية بصورة انتقائية، وتُعيد إنتاج خطاب التعبئة العرقية، بما يشمل كل من تربطه صلة دم أو جغرافيا أو اشتباه بالدعم السريع، في انزلاق خطير من التحليل إلى التحريض.

ومقدّما ذلك بوصفه مسوّغاً صريحاً للدعوة إلى حرب شاملة ضدهم، باعتبارهم أضعف الحلقات التي تحمل السلاح دون غطاء سياسي، وواصفاً إياهم بأنهم مجموعة من “الفزّاعة” الجبناء سريعي الخطى لا يحتاجون إلا لعصاة “لهشّهم”، ولن يتوقفوا إلا في السنغال وتشاد والنيجر. غير أن ما لم يُكشف للرأي العام عن طبيعة هذا النشاط ودوره التحريضي أخطر وأعمق، إذ تجاوز حدود التحليل السياسي إلى الإسهام المباشر في شرعنة منطق الحرب وتمهيد الطريق لانفجارها، بما يحمله ذلك من مسؤولية فكرية لا يجوز القفز عليها أو تبريرها لاحقاً بخطاب البراءة بأثر رجعي.

وبعد اندلاع هذه الحرب الملعونة، التي تبدو في ظاهرها “سياسية” وفي باطنها “مناطقية”، أصبح د. محمد جلال هاشم كبقايا ظل غير منظم من نفسه السابقة التي كان يباهي بها في شوفينية مقيتة. فلجأ إلى ترديد الكذب البواح كآلية للتعامل مع آلامه الذاتية، وأصبح أمام قبيلة المثقفين الوطنيين مثل وتد الخيمة: “رأسه للضرب، وعنقه للربط، وجسمه للدفن”، ليُجرَّد من وقار العلماء الذي كان يتدثّر به كذباً ونفاقاً، ويبدو كفرعون مصر وقد كشف عورته أمام الملأ طفل نابه.

ليس أكثر قسوة من أن يرى المرء صورته القديمة تقف ضده، شاهدة عليه، بلا حاجة إلى خصم. هكذا يبدو د. محمد جلال هاشم اليوم في أعين كثيرين ممن عرفوه يوماً واقفاً في صف الضحايا، متوشحاً خطاب العدالة، قبل أن ينزلق إلى ضفة أخرى، حيث تتشابه الأصوات وتذوب الفروق بين المثقف والغوغاء والرجرجة والدهماء، بين ذوي السقف العقلي المحدود، وبين الذين يدّعون احتكار المعرفة، حتى تلاشى الفرق وأصبح الحال من بعضه.

في هذا السياق، يبرز سؤال محوري: ما الفرق بين د. محمد جلال هاشم و”البلابسة”؟ حتى راعي الضأن في بوادي دار حمر يدرك أن ما أُطلق عليه الجيش مجازاً قد سدّ كل الطرق المؤدية إلى السلام. وفي الوقت نفسه، يجد بعض المثقفين “المحايدين” أنفسهم مدافعين عن “الجيشوكيزاني” نفسه، الذي استُخدم من قبل الحركة الإسلامية كوسيلة ورافعة للتموضع على كرسي سلطة الدم. وهذا، في جوهره، هو أسّ الصراع في الدولة السودانية المنكوبة: “يا سودان بفهمنا، يا ما في سودان”. (وهنا لا أعني الجنرال الكباشي صاحب المقولة، بل أقتبس منه).

في مقاطع متداولة إسفيرياً، لم يتردّد محمد جلال هاشم في اتهام د. عبد الله حمدوك، آخر رئيس وزراء شرعي، بالعمالة والخيانة. ثم ذهب أبعد من ذلك حين اختزل حرب السودان المعقّدة في سردية كسولة عن “حرب بالوكالة”، معتبرا دولة الإمارات مجرّد وكيل للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. وهكذا، وبضربة واحدة، جرى تسطيح الصراع وشُطبت جذوره الحقيقية: التهميش العميق، والمظالم التاريخية، وانهيار الدولة الوطنية، وكأن كل ذلك تفاصيل هامشية لا تستحق الذكر في عرف د. محمد جلال هاشم، الذي انقلب على نفسه فسقط عميقاً في قاع التناقضات.

وحين يوجّه هجومه إلى د. عبد الله حمدوك، فإنه لا يستهدف الرجل في شخصه بقدر ما يتخذه ذريعة للنيل من القوى المدنية والحزبية، تلك التي تشكّل العمود الفقري لأي مسار ديمقراطي جاد؛ فمن دونها لا معنى للحديث عن حكومة مدنية، ولا عن دولة تُدار بمنطق المؤسسات لا الأهواء. وعند هذه النقطة تحديداً، يلتقي خطابه وعياً أو انسياقاً مع خطاب “البلابسة”، الذين يهاجمون القوى المدنية بغباء فادح، ممهدين الطريق لعودة الحكم العسكري البغيض، ذلك الحكم الذي لا يجد شرعية في ظل وجود قوى مدنية حيّة وفاعلة هدفها خدمة الوطن.

الأخطر من ذلك ليس تبنّي هذه السرديات غير المتماسكة فحسب، بل النبرة التي تُقال بها: نبرة العارف الوحيد وحارس الحقيقة الأوحد. ففي نفخة من يقين زائف، أعلن أنه “لا توجد قيادة للجنجويد يمكن التفاوض معها”، وكأن المعرفة قد أُغلقت دونه، فرفعت الأقلام وجفّت الصحف وأُغلق باب العلم، وكأن السودان، بتعقيده الاجتماعي والسياسي، لا يُفهم إلا من خلال طرحه العبقري. هذا الاحتكار للمعرفة ليس موقفاً سياسياً ولا حولاً معرفياً، بل شكل من أشكال العمى الأيديولوجي، حين يتحوّل التحليل إلى أداة لإلغاء الآخرين لا لفهم واقعهم والاعتراف بحقهم الإنساني في نيل المعرفة والحقوق.

ما يراه كثيرون اليوم أن د. محمد جلال هاشم لم يعد ذلك الصوت القلق الذي يزعج السائد من الأفكار المسلم بها، بل صار جزءاً من الضجيج الذي يثير غبار الجهل والتجهيل. وأنه، بدل أن يختنق من رائحة الدم ومنظر أشلاء الأبرياء – الذين هو واحد منهم – أُصيب مجازاً بضيق التنفس الأخلاقي الحاد، وانسداد في شرايين الضمير، وفقدان حاسة التعاطف الإنساني مع الآخر، الأمر الذي جعله يختار الاصطفاف مع الجلاد بدل مساءلته عن جرائمه، وتبرير أفعاله بدل الانحياز للأضعف المقهور.

التاريخ، في النهاية، لا يحاكم النوايا بل المواقف، ولا يسأل المثقف عمّا قاله حين كان الصوت آمناً، بل عمّا قاله حين صار الكلام مكلفاً باهظ الثمن. وفي زمن يُعاد فيه إنتاج الحرب بخطاب ثقافي مزيّف، يبقى السؤال معلّقاً: هل سيستعيد د. محمد جلال هاشم ظله القديم؟ أم يكتفي بالوقوف تحت ظل السلطة، مهما كان قصيراً كـ”ضل الضحى الزوّال”، الذي لا يمهل المترددين رفاهية الاستجمام لالتقاط الأنفاس؟ فالتاريخ يسجّل، ولن يرحم أولئك الذين انحازوا للجلاد على حساب الضحايا وأحبّائهم، بل على حساب الضمير الإنساني الحيّ.

الصادق حمدين

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

قناة الجزيرة: ماكينة تدوير الأكاذيب وتسويقها

umniaissa@hotmail.comالصادق حمدين لماذا هذا الإصرار المحموم على مطاردة الذباب الإلكتروني بمشبك “الصدق”، وسحقه بشِباك الأخلاق، …