رحلة بقطار السودان

osmanmsalih@hotmail.com

في خريف 1979 سافرت للمرَّة الاولى من كسلا إلى الخرطوم على متن قطار قادم من بورتسودان. كنت في نحو العاشرة من العمر بصحبة والديَّ وشقيقتي ندى. انطلق بنا قطار الإكسبريس الذي كان ذا شَنَّة ورنَّة وقتها حديث التشغيل اشترته إدارة السكة حديد ليحلُّ محل القطر البخاري الذي شاخ وأقعده الوهن وهو يخدم السودان بإخلاص منقطع النظير. صعدنا إلى القطار الذي جاءنا محملاً بغبار الشرق عبر المحطات الخلوية على خط كسلا هيا بورسودان : أدروت، دورديب، متاتيب، هداليا، تهاميم، درديب، تهلا وغيرها من اسماء المحطات باللغة البجاوية. في تلك المحطات عمل أبي وأفنى فيها زهرة شبابه يَدِّي اللوازم لنُظَّارها (أي يحل محل النُظَّار في العمل مؤقتاً ريثما يعودوا إلى أسرهم لبضعة أيام). كان ابي دابَّم التتقل بين تلك المحطات. جلسنا في قَمَرة (مقصورة) في عربة الدرجة الاولى مدجَّجين للرحلة بالزُوادة والحكايات والصبر على مكاره السفر. شاركتنا في المقصورة أسرة جمعتنا بها أواصر الجيرة والصداقة في حي العمال بكسلا. كان أبي هو كُمْساري (مفتش) التذاكر في ذلك القطار. يطلُّ علينا ليطمئن على أحوالنا بين الفينة والأخرى مرتدياً زيَّ الكماسرة المعروف الغارق في اللون البُنيِّ. بُنِّي × بُنِّي كما يقولون. بنطال بُنّي، وقميص بُنَّي، وكَسْكِتَّة مدورة مهيبة، لها بروز مستدير مميَّز، كانت هي الأخرى بنيِّة، وحذاء بنِّي. ظل أبي يطوف على ركاب القطار يسألهم التذاكر بصحبة أحد أفراد شرطة السكة حديد الذي يتدخل عند الضرورة فقط ليسبغ على أبي الحماية ويفرض هيبة السلطة. كان من سوء طالعنا في تلك الرحلة أن الخريف كان رهيباً هطلت فيه الأمطار بغزارة. بدأت معاناة قطارنا مع الأمطار في محطِّ سنار التقاطع، وبلغت ذروتها حين توغَّلنا في قرى الجزيرة حيث تدفقت المياه في كل اتجاه وأغرقت السيول الأرض جارفة معها كل ماصادفته في طريقها بما في ذلك قضبان السكة حديد في أكثر من مكان مما اضطر سائق القطار إلى التوقف لساعات طوال ريثما يقوم عمال الدَرِيسة برقع السكك المجروفة مع رَدْمِيّٖاتها. وهكذا أخذنا نزحف ببطء ونحن نعاني من البلل من محط إلى محط، توقفنا في أكثر من محطِّ مما دفع الركاب الذين بلغوا من السأم أقصاه إلى النزول من القطار حيث انغمسوا في أجواء الخريف الملبَّدة بالغيوم والمنذرة بالخطر في قتل الوقت بالتعارف والمؤانسة على الرصيف. تراهم متراصين على الرصيف، الرجال بجلابيبهم البيض المُظَهَّرة تفوح منها رائحة النَفْتَلين، والشباب جلهم بشعور كثّة، والأقلية منهم أطلقت اللحى وأطالت شعر الرأس وجعلته منسدلاً مجدولاً على النحو المعروف بالراستا، لكنهم يشتركون جميعاً في ارتداء بنطال التشارلستون المصنوع من قماش التريفيرا والقميص الضيق المحذَّق طويل الأكمام يتشبهون في ذلك الصنيع ببوب مارلي، أمّا ثياب النساء والأطفال فكانت ملونة ومشجَّرة، تراهم على الرصيف فتخالهم يتهيَّأون لصور جماعية آخروية تلتقطها لهم كاميرا تُرسِّخ وجودهم في عالم مرتبك ومبتل يتوعَّده خريف الجزيرة الحانق المحتقن بالويل والثبوروعظائم الأمور. تضيق عدسة الكاميرا لتلتقط دقائق وجه طفلٍ يبتسم وهو غافٍ في حجره امه، أو خفر حسناء خديراء باغتتها الكاميرا وهي تسبل أهدابها، ثم تتسع عين الكاميرا عند مرأى شاب يتودَّد إلى فتاة تشيح بوجهها إلى الجهة الأخرى وتقطب الجبين، تتوقف الكاميرا عند جدة موسومة الوجه بشلوخ، تحلَّق حولها أحفاد لها يضيقون عليها الحصار، يستحثونها لتسليهم وتحجِّيهم بأحجية القطار. في البدء حارت الجدة فيما يمكنها ان تقوله، لكنها سرعان ما اهتدت إلى الجواب قائلة: مافي حجوة مخسوسة كدا اسمها حجوة القطر، أنحن ديل المسافرين الملمومين من كل مكان في بلدنا الواسعة، نحن ديل الرُكَّاب يانا حجوة القطر. صمت الصغار فلم تفهم الجدة إن كانوا راضين بالجواب أم لا. تفرست في وجوه أحفادها المنتظرين، وخطر لها أن تفاجئهم وتسعدهم بالغناء فجرت على لسانها أغنية لفضل المولى زنقار :

من بَفْ نَفَسَك يا القطار،
ورزيم صدرك قلبي طار.
وين الحبيب،
زي ما شِلتو
جيبو يا القطار .
كم غرَّبت من قريب،
وكم قرَّبت من غريب.
مـا خليـت لـى نصـيـب
غير البكا والنحيب.
جوفـك ياكـل اللهيــب
وأنا جوفى بياكلـو اللهيب.

غنَّت الجَدَّة (مِن بَفْ نَفَسَك) في الهواء الطلق في خريف الجزيرة كما لم تغنَّي من قبل. غنتها ثم انتقلت إلى غيرها من الأغاني فانتفض جسدها الهزيل المثقل بالعلل والأوجاع، ودبّ دبيب الحياة في ساعديها المعروقين، وارتد إليها صوتها السَنِين المشبع بالأشجان، واعتدلت قامتها، ولمعت شلوخها الشبيهة بالمطارق، وبقَّ وجهها بالنضار القديم، وعاد اليها شبابها، واكتسى شعرها المضفور بسواد كسواد الليل، وتنفست ثيابها التي تجدَّدت وازدهت لتواكب صرعة الازياء الشائعة في آخر السبعينات وتناسب عمرها الجديد الذي بدا دون العشرين، تنفست ثيابها الفرايحية الأزاهيرعطراً فواحاً دوَّخ ضوعه من كانوا حولها. ولدت الجدة من جديد. وشاركتها الغناء جوقة متحمسة من الصبيان والفتيات. هزُّ المجتمعون قبضاتهم فوق فتنتها الكامنة وهي تتجلَّي للناظرين. بَشَّروا وصفَّقوا بالطريقة الشايقية التي أدَّاها عدد من الرجال وهم يتمايلون كأنهم في حالة جذب صوفي محيطين بحسناء يحتوي فتنة جسدها الغض المتمايل ثوب من التوتل هاديء الألوان، تتهادى بينهم وتوزِّع الشَبَّال، وبالطريقة المحسية التي دار فيها الراقصون دورات عجيبة حول أنفسهم وهم لايتوقفون عن التصفيق، خطوا الى الامام وهم منحنون ثم استقامت ظهورهم ثم يدورون حول أنفسهم من جديد وهكذا دواليك، وتجرَّأ البعض وخاطروا بالرقص في الأوحال لكنهم أفاقوا من خدر النشوة، واخلوا ساحة الرقص، وانفضَّوا عن الحبوبة وأحفادها حين تذكَّروا أن المطر قادم قادم. وغير بعيد من الجدَّة اندمجت أمهات في حديث تخللته ضحكات عِذاب وهن مشغولات يلقمن أطفالهن الرضع الثدي سراً من تحت الثوب. يحاول السودان المتعدُّد الألسن والسحنات، المتحرِّك في قطار يصارع البلل والأوحال أن يتزوَّد من الأُنس في تلك السويعات النادرة أثناء إنقطاع المطر قبل أن تنطلق الصيحة العظيمة، وينفخ في الصور، ويتوقف قلب الخليقة عن الخفقان، فيطوي جبريل الأرض بما عليها تحت جناحيه ثم يقوم الناس لرب العالمين. يصطفون على الرصيف، وفيما وراءهم يتجلَّى في أتمِّ صورة له المشهد الطبيعي لقرى الجزيرة في الخريف: أرض طينية سوداء طافحة بمياه الأمطار والعقارب، في البعد يرتفع قيف كنار، وهناك قنطرة يفور تحتها ماء الترعة الكبرى مختلطاً بالطين والطحالب والعيدان والحشائش، ويعبر فوق القنطرة وهو يترجرج جرَّار زراعي روسي متهالك يسحب خلفه ديسكاً مرفوعاً من الأرض الغارقة في السيول، تطقطق مكنة التراكتور الذي كان يقوده رجل في منتصف العمر يرتدي زي المكنيكية الأزرق تظهر عليه هنا وهناك بقع من زيت العربات اللزج والداكن اللون، رفع الرجل يمناه ملوِّحاً لركَّاب القطار قبل أن يغيب فيما وراء الترعة والزروع الطويلة السيقان هناك بينما بقى صوت ماكينته خالداً معلَّقاً يطقطق في الآذان كأنه ينبعث من مصدر قريب لكنه خفي. تلوح في الأعالي نسور سوداء الأرياش من النوع المسمى تمليحاً بكلينق ابصلعة. بطيرانها المتداخل ترسم تلك النسور أشكالاً معقدة مدهشة لم أر لها مثيلاً إلاَّ في احتفالات الجيوش حين تقوم باستعراض قدرات ما عندها من الطائرات الحربية ومهارات طياريها الحربيين. تدور في المشهد الطبيعي بقلق ظاهر وهي تطلق زعيقاً منكراً يصمُّ الاذان كأنه الإنذار باقتراب الساعة، تدور تلك الطيور الكبيرة عدة دورات فوق سدرة داكنة الخضرة تنتصب كالحارس المجنِّح فوق شواهد بعض القبور في طرف المقابر، ثم مالبثت الطيور الجارحة أن توقفت عن الدوران ثم اختفت تماماً من السماء القاتمة التي تكاد تتفطَّر من قوّة البروق والرعود. لعلها هبطت فوق وليمة من حيوان نافق؟. تملَّك الناس خوف عظيم كأنما تذكَّروا الطوفان وقارب نوح فهرعوا إلى القطار يتسابقون وهم يصعدون ليحتموا به خوفاً من المجهول إذا وقعت الطامة الكبرى، وجاء السيل المدمر جارفاً معه كل شيء. ولما بلغنا مدني لبث القطار زمناً في محطِّها فاصرَّت امي على إصطحابنا لزيارة جارة قديمة من حَيِّنا العمال بكسلا تزوَّجها عامل في السكة حديد وأسكنها في بيوت المحط بمدني. دي فرصة نمشي نزور جارتنا نعيمة نشوف بيتا ونفرِّحا ونرفع راسها قدام راجلا وأهل راجلا، قالت امي وهي تهبط بنا من القطار، وتقودنا أنا وأختي ندى نحو بيوت المحط بقطاطيها المميزة. ولما أطلق القطار صافرته الأخيرة وهو يدخل بنا محط الخرطوم عصراً، ثم سكن إلى الرصيف وانقطع حس دِيزِله الهادر كانت قد مضت ثلاثة أيام بلياليها على زحفنا في البلل والأوحال.

برغم ماعانيناه في تلك الرحلة الطويلة من نَصَب وإعياء إلَّا أنني كنت سعيداً بقطارنا الثابت الجنان المنتصر في آخر المطاف يحيِّي صمودَه نُظَّار المحطات بتسليمه التابْلِت (لواء العبور الآمن)، وسعيداً بما تحقَّق لي من كشوف جديدة راكمتها مما تسنى لي من المشاهد عبر نوافذ القطار وعلى أرصفة المحطات، وكنت سعيداً برؤية الخرطوم سعادة لاتقل عن سعادة الهام ، وهي بنت من حلفا، حين تعرَّفت على سهام والتي هي من بنات الخرطوم في كتاب المطالعة للصف الأول الإبتدائي، وترافقتا حتى صارتا صديقتين في رحلة خالدة بالقطر البخاري عبر وطني السودان.

مابدأناه كرحلة، تمخَّض عن (سيرة) بالقطار، بلا زين وبلا عديل، سيرة تقطَّعت بها السبل في الخريف ومع ذلك بلغنا بها منتهاها. سيرة مُنتَزعة من جوف السآمة والانتظار الطويل، شققنا فيها مجاهل الجزيرة الممطورة، وصنددنا ( أي رابطنا) في محطاتها بانتظار الغوث وفك الحصار، وأحطنا بالجدة التي صبرت وصابرت ورابطت مع أحفادها فتفتَّق شبابها الغابر من جديد فصدحت بالغناء فأجادته، فطربنا ورقصنا لقطار السودان في ذلك الطين اللِكَّة وهو من الطين ما امتزج فيه ثقل القوام واللزوجة.

عثمان محمد صالح
تلبرخ، هولندا
07.02.2026
osmanmsalih@hotmail.com

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

طيف من البطانة

osmanmsalih@hotmail.comطيف من سهل البطانة بين الفينة والأخرى يلوح لي طيف محمد كُوكُو مجلجل القهقهات كأنها …