رحم الله أبوه العالم العصامي الجليل (١٩٣٠- ١٩٩٥) .. بقلم: صلاح أحمد البلال
11 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
45 زيارة
أبوه حمد حسب الله :من مواليد قرية جديد السيل سنة 1930م ، وهي قرية تبعد عن مدينة الفاشر مسافة ست عشرة كيلو متر شرق تميل الي الشمال قليلا . عندما كان صغيـــرًا بدأ بتعلم القرآن الكريم علي يد جده الشيخ / بدوي حمد ، خال والده وهذا كان بطلب من والده الذي كان مريضــًا علي فراش الموت قال لخاله الشيخ بدوي ” علم لي ابني أبوه القرآن ليأكل به العصيدة ” وقد توفي والده رحمه الله . . وكان ذلك بمثابة دعاء له وقد جعله الله يتحقق . وحتي يتحقق ذلك بدأ بتعلم القرآن مع الجد بدوي ثم خلوة الفكي سليمان بالفاشر وكان شغوفا للعلم ، ولكن عندما رأي عمه شغفه وحبه الشديدين للعلم حاول احجامه بإرجاعه الي جديد السيل وفكر بتزويجه وهو صغير في سن البلوغ ، رفض ذلك بكل ما أُتي من قوة ،وسافر هاربــًا من جديد السيل الي النهود ليذهب الي ابن عم والده محمد دفع الله ، وكان ذلك بمثابة أول خطوة له علي سبيل العلم . ذهب راجلا الي النهود وقد استغرقت الرحلة احد عشر يومــًا مشيــًا علي الأقدام ، مواصلا الليل بالنهار حتي وصل النهود وكان في رفقته رجلان يحملان حب البطيخ علي جمليهما كسلعة تجارية الي النهود ، والرجلان لم يحملاه علي بعريهما ولا مرة واحدة طوال تلك المسافة . وعندما وصل النهود وذهب الي السوق ليبحث عن يدله علي مكان عمه محمد دفع الله فدلوه علي تاجر في السوق بنفس الاسم وهو لم يرى عمه من قبل فسلم عليه التاجر وسأله وعرف قصته وسبب قدومه الي النهود ، ولحسن حظه قال الرجل التاجر أنت من أي قبيلة قال أبوه : أبي جامعي من أولاد جامع وأُمي جامعية ناليه ، قال له التاجر : أنا كاهلي وأُمي ناليه إذاً أنا خالا لك ، وأنت عطاء من الله رب العالمين وجهك الله الي وأنا لا أفرط في هذا العطاء الكريم ولن تذهب الي عمك هذا إلا للسلام فقط وكل سكنك وتعليمك وكل ما يلزمك علي أنا . مكث مع التاجر محمد دفع الله في بيته ومع أولاده وأسرته الكريمة مدة أربع سنوات وهو يدرس في معهد النهود العلمي ، وكان ترتيبه الأول حتي تخرج ، وكانت هنالك جوائز للمتفوقين توزع في يوم توزيع النتائج بحضور مجلس الآباء المكون من كبار التجار والقضاة وكبار الموظفين وكان له نصيب الأسد من تلك الجوائز . . وكان هناك أحد القضاة معجبـــًا بتفوقه وقد نقل الي الخرطوم كما أن أبوه هو الآخر ذهب الي معهد ام درمان بعد التخرج من معهد النهود ليواصل تعليمه هناك ، وبعد مرور سنة في الدراسة بمعهد ام درمان ذهب أبوه مع زميل له الي السوق وجلسا علي القهوة كالمعتاد أحيانــًا فرآه ذلك القاضي فأتي إليه وقال له بعد أن سلم عليه وسأله عن أحواله ثم قال له هناك منحة دراسية من القاهرة باسم وفد الملك فاروق وسوف يدرسون ما يشاءون من العلوم علي رعاية الملك . وأنتما اثنان حاليـــًا ، قال أبوه للقاضي انتظرنا قليلا ، رجع هو وزميله وأخبرا الطلاب بذلك الخبر وما كان إلا ساعة زمن حتي امتلأت القهوة بالطلاب الراغبين في الذهاب الي القاهرة في وفد الملك فاروق وكانت الرحلة المباركة . قال أبوه : عند وصولنا الميناء النهري وجدنا الوزراء والسفراء وكبار رجال الدولة في انتظارنا ، استقبلونا بحفاوة شديدة ولكن نحن كانت حالتنا حالة من يحمل شنطة حديد أو شنطة صفيح ، علي أي حال كانت الحفاوة أكبر من منظرنا والحمد لله . درس في كلية عالي اللغة العربية بالأزهر الشريف سبعة سنوات وكان ترتيبه الأول أيضــــًا حتي تخرج وكان بعد التخرج بقليل ظهرت منحة دراسية من أمريكا لسبع طلاب للدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وكان من حظ ستة طلاب مصريين وأُختير هو السابع معهم السوداني الوحيد بينهم وكانت الجامعة الأمريكية برستن وقد أُختير رئيس الطلاب العرب والأفارقة ، وهناك عمل الماجستير ثم الدكتوراه في الفلسفة الوجودية ولكن رسالة الدكتوراه لم تناقش بسبب تدخل أحد اليهود قبل المناقشة بأشهر قليلة ومنع المناقشة لأنه حاول أن يصنع منه جاسوســًا ولكنه رفض وقال له هذا العمل ليس من شيم السوانين لهذا القول خلق اليهودي له مشكلة في السفارتين السودانية والمصرية . بعد ذلك رجع أبوه الي السودان وعندما أرسل الي الأزهر إن كان بالإمكان أن يأتي ليناقش رسالته قيل له إن هذه المادة ليست موجودة آنذاك بالأزهر ، علي أي حال عُين استاذاً بجامعة الخرطوم ولكنه رفض وطلب أن يُعين في الثانويات لأنه طال غيابه عن أُمه أخويه ، أراد أن يرجع الي الفاشر ولكن لم يتم له ذلك وقد عُين استاذاً بمعهد إعداد المعلمين بالدلنج وله مجموعة من الطلاب الأجلاء الكثير الكثير ، ثم نقل الي رمبيك الثانوية بنين ومن طلابة كان يذكر لام اكول ووصفه بأنه مهذب وخلوق ، ثم نقل الي الفاشر الثانوية بنين وكانت قومية في ذلك الزمان ، ومن طلابه البروف أحمد علي الأمام رحمه الله ، الطيار خالد الحلاوي ، ومحمد الدقير رجل الأعمال المرموق والكثير جداً . بعد ذلك وهو استاذاًَ طلب منه الترشح في الحزب الوطني وأول مرة يفوز فيه الحزب ثم بعد انقلاب الرئيس نميري علي الأحزاب رجع الي التدريس ثم عمل في السياسة مرة أخري في عهد الإنقاذ حتي توفاه الله سنة 1995م في يوم 12/12/1995م .ألا رحم الله الأستاذ / أبوه حمد حسب الله ، وطيب ثراه وجعله مع الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقـــــا .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .أسرة الأستاذ / أبوه حمد حسب الله
فعلاً انه رجل عصامي وكان في غاية من التواضع الشديد ومن الذين أسهموا بإدخال فكرة معمل الجغرافية في المدارس الثانوية (انظرو الان علم الجغرافية تطور ودخل في المجالات العسكرية وفي ثورة الاتصالات والبترول عند الدول المتقدمة) وهو رائد فكرة اعادة تأهيل ما يسمي بالفاقد التربوي (وهم الذين كان يرسبون في امتحان الشهادة المتوسطة وليس لهم موقع الا الشارع) وكان ايضا محبا لتربية الحيوانات الأليفة ومهتما بزراعة الأشجار المثمره . وكان منزله عبارة عن مكتبة ثقافية داخل حي (المجمع الثقافي) الذي نشاركه فيه السكن ومنارة لرواد الشعر والأدب والفلسفة وكان لنا الفرصه لتعليم لعبة الشطرنج في منزله ونحن في بداية تفتحنا وقدومنا لهذه الحياة.
صلاح أحمد البلال
المملكة المتحدة – مانشستر
Salahdeen4444@yahoo.co.uk
Facebook: Salah Albalal
///////////////////////