علاء خيراوي
قرأت ردك بعناية كعادتي، وفيه بلاغة لا تخفى، واستدعاء كثيف لهوبز وميكافيلي وابن خلدون، وكأن المشكلة التي بيننا هي خلاف بين “فلسفة واقعية: و”مثالية كانطية”. ومع كُلٍّ، دعني أبدأ من هنا تحديداً؛ الخلاف بيننا ليس بين مثالية وواقعية، بل بين نوعين من الواقعية. أنت تتحدث عن واقعية القوة في لحظة الحرب، وأنا أتحدث عن واقعية الدولة في مسار التاريخ. والفرق بينهما ليس نظرياً، بل هو الفرق بين من يريد أن ينتصر في معركة، ومن يريد أن تنجو الدولة بعد المعركة.
تقول إنني أتحدث عن الدولة كما ينبغي أن تكون في كتب العلوم السياسية، بينما تتحدث أنت عن الدولة كما هي في قلب الجحيم. ولكن اخي احمد القرشي، المشكلة أن الدولة التي تتحدث عنها انت لم تصل إلى هذا الجحيم صدفة. لقد وصلت إليه عبر تاريخ طويل من تسييس المؤسسة العسكرية نفسها التي تدعونا اليوم إلى حمايتها من النقد وتخوّن كل من اقترب اليها حتى ولو اتى بالادلة والبراهين التي تقيم عليها حجج الفساد المؤسسي والانحراف التنظيمي. ثلاث انقلابات كبرى منذ الاستقلال لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل مساراً سياسياً متكرراً قطع تطور الدولة المدنية وأدخل السودان في الحلقة التي نعيشها اليوم. ولذلك فإن استحضار هذا التاريخ ليس “ترفاً فكرياً”، بل شرطاً لفهم كيف وصلنا إلى هنا.
وتستشهد بهوبز لتقول إن المواثيق بلا سيف مجرد كلمات. هذه مقولة صحيحة في سياقها، لكنها لا تقول إن السيف يجب أن يحكم المواثيق. الفكرة الأساسية عند هوبز كانت قيام سلطة تحمي العقد الاجتماعي، لا أن تحل محلّه. فالدولة الحديثة تقوم على توازن بين القوة والقانون، لا على سيادة أحدهما على الآخر. وإذا أخذنا مقولة هوبز إلى نهايتها المنطقية، فإن السيف الذي يحمي العقد يجب أن يخضع للعقد نفسه. وهذا هو جوهر الدولة الحديثة. أما قولك إن إنقاذ الجيش بعقيدته الحالية ضرورة تقنية سيادية، فهنا يكمن جوهر الخلاف بيننا. لأن هذه العقيدة نفسها ليست محايدة كما تفترض. لقد تشكلت خلال عقود من التسييس والأدلجة، وتداخلت فيها الشبكات السياسية والأمنية التي نشأت في ظل أنظمة الحكم السابقة. ولذلك فإن الحديث عن إنقاذ الجيش لا يمكن أن يعني الحفاظ على هذه البنية كما هي، بل إنقاذه منها. الجيوش لا تصبح قوية لأنها محصنة ضد الإصلاح، بل لأنها قادرة على إعادة تعريف دورها داخل الدولة.
وتقول في معرض ردك ايضا؛ إننا لسنا في لحظة “الاستقرار الدستوري” لنناقش الهيكلة. لكن التاريخ يعلمنا أن اللحظات التي تُؤجَّل فيها هذه الأسئلة هي نفسها التي تعيد إنتاج الأزمة لاحقاً. ألمانيا واليابان اللتان ذكرتُهما لم تبنيا جيوشهما الحديثة في زمن السلم المريح، بل بعد هزائم مدمرة أجبرتهما على إعادة التفكير في العلاقة بين الجيش والدولة. الفكرة لم تكن “ترفاً أكاديمياً”، بل إدراكاً بأن المؤسسة العسكرية التي تتحول إلى لاعب سياسي دائم تقود الدولة في النهاية إلى الكارثة.
أما استدعاؤك لابن خلدون لتعضد به افكارك، فهو في الحقيقة استدعاء يدعم فكرتي انا لا انت، فابن خلدون اخي قرشي، كان يرى أن الدولة في بدايتها تقوم بالعصبية، لكنها حين تستقر تحتاج إلى مؤسسات وقوانين تضبط تلك العصبية. أي أن القوة التي تؤسس الدولة لا يمكن أن تبقى هي نفسها التي تديرها إلى الأبد. وإلا تحولت الدولة إلى ما سماه هو نفسه “ملكاً عضوضاً”. كما انك تتهم النخب المدنية بأنها تعاملت مع الجيش كعدو مؤجل أو أداة مؤقتة. هذا فيه قدر من الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها. فالعلاقة بين المدنيين والعسكر في السودان لم تكن علاقة عداء نظري، بل علاقة تشكلت في سياق تدخلات متكررة للجيش في السياسة. حين ينقلب الجيش ثلاث مرات على النظام المدني، يصبح من الصعب إقناع المجتمع بأن المشكلة مجرد سوء إدارة مدنية للعلاقة معه. التاريخ لا يبدأ من نقطة تختارها، بل من مسار كامل.
أما حديثك عن الميليشيا باعتبارها الخطر الأكبر، فهذه نقطة لا خلاف حولها. الميليشيا بالفعل تمثل تهديداً وجودياً للدولة. لكن مواجهة هذا الخطر لا تعني تعليق النقاش حول طبيعة الدولة نفسها. الدول التي تخرج من الحروب دون أن تعيد بناء مؤسساتها تجد نفسها بعد سنوات قليلة في حرب جديدة. هذا ما حدث في لبنان بعد الحرب الأهلية، وما حدث في دول كثيرة حين انتصرت في المعركة العسكرية لكنها خسرت معركة بناء الدولة.
اما فيما يختص بالواقعية التي أدعو إليها، فهي ليست رومانسية الشعار كما وصفتها، بل واقعية التاريخ. واقعية تقول إن الجيش القوي ضروري لبقاء الدولة، لكن الدولة القوية ضرورية أيضاً لبقاء الجيش كمؤسسة مهنية. فحين يتحول الجيش إلى مركز السياسة، يتحول تدريجياً إلى طرف في الصراع بدلاً من أن يكون حارساً له. وهذا ما حدث في السودان مراراً وتكراراً. المشكلة ليست في أن بعض المدنيين يدينون التاريخ، بل في أن السودان لم يتعلم بعد كيف يمنع التاريخ من إدانته مرة أخرى. الواقعية التي تدعو إليها قد تنقذ الدولة في لحظة المعركة، لكنها إذا لم تقترن بإعادة بناء العلاقة بين الجيش والسياسة قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد سنوات قليلة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نمنع انهيار الدولة اليوم، بل كيف نمنع انهيارها مرة أخرى غداً. فالدولة لا تُبنى بالسيف وحده، ولا بالدستور وحده، بل بالتوازن الصعب بينهما. والتاريخ، يا صديقي القديم، لا يرحم الدول التي تنسى هذا التوازن.
إن أكثر ما تكرره اخي أحمد القرشي في كل مداخلاتك هو الإيحاء بأن الحديث عن الجيش أو نقده في زمن الحرب يصب تلقائياً في مصلحة الميليشيا. وهذه في الحقيقة مغالطة سياسية خطيرة، لأنها تحاول اختزال المجال الوطني كله في معادلة ضيقة؛ إما أن تصمت دعماً للجيش، أو أن تكون في صف الميليشيا. بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير من هذه الثنائية المبسطة. فالدول لا تُدار بمنطق المعسكرات النفسية، بل بمنطق المؤسسات. وإن نقد المؤسسة العسكرية لا يعني الوقوف ضدها، بل هو في كثير من الأحيان الشرط الضروري لإنقاذها من أخطائها التاريخية. والتجارب العالمية كلها تؤكد ذلك. ففي الولايات المتحدة نفسها جرى نقد المؤسسة العسكرية بشدة أثناء حرب فيتنام، ولم يقل أحد إن منتقدي الحرب كانوا يعملون لصالح فيتكونغ. وفي إسرائيل التي كثيراً ما تُستشهد بتماسكها في الحروب لم يتوقف النقاش الحاد حول أخطاء الجيش حتى أثناء المعارك الكبرى، لأن المجتمعات الحية تدرك أن النقد ليس خيانة بل جزء من آلية التصحيح.
المشكلة في هذا المنطق الذي تطرحه، أنه يحاول تحويل الحرب إلى لحظة تعليق للعقل السياسي، وكأن واجب المواطن والمثقف في زمن الحرب هو الصمت الكامل. لكن الدول التي تُطلب فيها الطاعة المطلقة في زمن الحرب غالباً ما تخرج من الحرب أكثر هشاشة، لأنها لم تسمح لنفسها بمراجعة أخطائها وهي تقع. والحقيقة البسيطة التي يجب قولها بوضوح هي أن السودان لا يواجه خطراً واحداً بل خطرين متوازيين؛ خطر الميليشيا التي تحاول تقويض الدولة بالقوة المسلحة، وخطر استمرار البنية السياسية التي أضعفت الدولة نفسها عبر عقود من التسييس والصراع داخل مؤسساتها. مواجهة الخطر الأول لا تعني تجاهل الثاني، لأن الدولة التي تنتصر على ميليشيا لكنها تخرج من الحرب بنفس البنية المختلة ستجد نفسها بعد سنوات قليلة أمام أزمة جديدة.
لهذا فإن النقد الصادق للمؤسسة العسكرية في هذه اللحظة لا يخدم الميليشيا، بل يخدم فكرة الدولة نفسها. لأن الدولة القوية ليست تلك التي تمنع مواطنيها من الكلام، بل تلك التي تستطيع أن تسمع النقد وتستخدمه لتصحيح مسارها.
وفي الختام اخي أحمد القرشي، دعنا نضع هذا السجال كله في ميزان الواقعية التي تدعو إليها. الواقعية الحقيقية لا تعني التكيف مع ما هو قائم لمجرد أنه قائم، ولا تعني الدفاع عن مؤسسة لأنها آخر ما تبقى في ساحة الحرب. الواقعية تبدأ أولاً بتسمية الأشياء بأسمائها. والمؤسسة التي تدافع عنها اليوم ليست مجرد جيشٍ محايد يقف خارج التاريخ، بل مؤسسة تَسيّست عبر عقود طويلة حتى تشبعت السياسة في بنيتها من رأسها إلى أخمص قدميها. هذه ليست شتيمة للجيش، بل توصيف لواقعٍ صنعته الانقلابات المتكررة، وصراعات السلطة، وعمليات التمكين التي جرت داخل الدولة منذ عقود. فالجيش السوداني لم يُولد هكذا بطبيعته، بل أُفسد تدريجياً حين أُقحم في السياسة، وحين استُخدم كأداة للحكم، وحين تحولت بعض مفاصله إلى ساحات تنافس أيديولوجي وحزبي. ومن هذه اللحظة بدأت الدولة نفسها تفقد توازنها. فكل انقلاب كان يضعف السياسة المدنية، وكل تدخل عسكري كان يقطع التراكم الديمقراطي، وكل محاولة لتسييس الجيش كانت تترك أثراً عميقاً في بنيته المهنية. وهكذا دخل السودان في الحلقة التي نعرفها جميعاً؛ انقلاب يوقف السياسة، ثم انفجار شعبي، ثم عودة إلى نقطة البداية. لهذا فإن الدفاع عن المؤسسة العسكرية بصيغتها الحالية باعتبارها الضامن الوحيد للدولة هو في حد ذاته مفارقة قاسية. لأن هذه المؤسسة نفسها، حين تسيست وتداخلت مع مشاريع السلطة، كانت أحد الأسباب الرئيسية في إضعاف الدولة السودانية وإدخالها في الأزمات المتتالية التي قادت
في النهاية إلى الكارثة التي نعيشها اليوم.
الواقعية إذن ليست في تبرير هذا التاريخ أو تجاوزه، بل في الاعتراف به بوضوح.
لا أحد ينكر أن الجيش اليوم يقاتل دفاعاً عن الدولة في مواجهة ميليشيا متمردة، وهذه حقيقة يجب أن تُقال بلا تردد. لكن الحقيقة الأخرى التي لا يمكن تجاهلها هي أن السودان لن يخرج من هذه المأساة إذا اكتفى بالدفاع عن المؤسسة كما هي، دون أن يسأل كيف وصلت إلى ما وصلت إليه. فالجيش الذي تُرك لعقود داخل دائرة السياسة لن يصبح جيشاً مهنياً بمجرد إعلان حسن النية، والدولة التي تُبنى على مؤسسة مسيّسة لن تكون دولة مستقرة مهما كسبت من معارك. الواقعية التي أدعو إليها لا تطلب تحطيم الجيش ولا إضعافه، بل إنقاذه من الإرث الذي حُمّل به. إنقاذه بإعادة بنائه على أساس مهني ووطني، يعكس تنوع السودان وعدالة تمثيله، ويعيد صياغة عقيدته العسكرية ليكون جيش دفاع يحمي الحدود والإنسان والدستور، لا جيشاً يدخل كل عقدٍ في معركة سياسية جديدة. هذا ليس حلماً مثالياً، بل الشرط الوحيد لكسر الحلقة التاريخية التي دمرت الدولة السودانية.
أما الواقعية التي تدعو إليها أنت، والتي تكتفي بحماية المؤسسة كما هي في لحظة الحرب، فقد تكون مفهومة في سياق المعركة، لكنها تصبح خطيرة إذا تحولت إلى رؤية دائمة. لأن الدول التي تكتفي بإنقاذ مؤسساتها من السقوط دون إصلاحها، تجد نفسها بعد سنوات قليلة في الأزمة نفسها.
وهذا هو جوهر الخلاف بيننا. أنت ترى أن الواقعية تبدأ بحماية المؤسسة القائمة، وأنا أرى أن الواقعية تبدأ بالاعتراف بأن هذه المؤسسة بصيغتها التي تشكلت عبر عقود من التسييس كانت أحد الأسباب الكبرى في مأساة السودان، بما في ذلك المأساة الحالية. ومن دون مواجهة هذه الحقيقة لن يكون هناك مستقبل مختلف، بل مجرد فصل جديد من القصة نفسها.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذه المشكلة أن هذا التسييس لم يعد سراً حتى عند صانعيه. فقد قال الدكتور حسن الترابي نفسه في شهادته الشهيرة في برنامج “شاهد على العصر” مع أحمد منصور على قناة الجزيرة، وهو يتحدث عن انقلاب ٨٩، إن الحركة الإسلامية اخترقت القوات المسلحة مبكراً ونجحت في زرع كوادرها داخلها حتى أصبح الجيش نفسه جزءاً من مشروعها السياسي. وتحدث بوضوح عن كيف جرى العمل لسنوات على إدخال عناصر الحركة في مفاصل الجيش والأمن تمهيداً للحظة الانقلاب، حتى قال عبارته المعروفة إنهم “كانوا يملكون داخل الجيش من يكفي لتنفيذ المشروع حين تحين اللحظة”. هذه ليست رواية خصوم الحركة الإسلامية، بل اعتراف صريح من مؤسس مشروعها السياسي نفسه. وهي شهادة تاريخية لا يمكن القفز فوقها حين نتحدث عن طبيعة المؤسسة العسكرية السودانية وكيف تشكلت بنيتها خلال العقود الماضية. فإذا كان من قادوا مشروع التمكين يعترفون بأن الجيش تم اختراقه وتسييسه، فكيف يصبح الحديث عن ذلك اليوم مجرد “أوهام خصوم” أو “سرديات دعائية”؟…الأمر لا يستقيم.
لهذا فإن الواقعية التي نحتاجها اليوم ليست واقعية تبرير ما هو قائم، بل واقعية إصلاحه. واقعية تقول إن الجيش يجب أن يبقى وأن يقاتل دفاعاً عن الدولة، لكن أيضاً إن هذه المؤسسة نفسها تحتاج إلى إعادة بناء عميقة حتى تتحرر من الإرث الذي فُرض عليها. لأن الجيش الذي تشكل داخل مشروع سياسي لا يمكن أن يصبح جيش دولة حديثة إلا إذا أعيدت صياغته من جديد. والسودان، بعد كل هذا الدم وكل هذه الخسارات، لم يعد يحتمل أن يواصل الدوران في الحلقة نفسها. إما أن نمتلك شجاعة الاعتراف بالحقيقة، أو نترك التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن بثمنٍ أفدح.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم