رسالةٌ من مُربِي الي مُقاتِل

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

(من رجلٍ أُخرِج من مدينته، إلى جندي ربما عاش… وربما مات)
يا بُني،
منذ اللحظة التي رأيتك فيها، وقد مرّ عليها سنتان ونيّف، وأنا أعيش في عذاب السؤال. أتذكر ذلك اليوم الغائظ من شهر مايو بُعيد اندلاع الحرب بتفاصيله: الغبار الذي كان يعلق بوجهك، ويداك واحدة تمسك ببندقية والأخرى تقبض على خنجر طويل حاد النصل، وكأنك تحمل شيئاً لم تعتده. عندما كنتَ ترابط على تخوم مدينة أمدرمان وريح الظهيرة تعوي. كان يقيني أنك ترى هذه المدينة لأول مرة، لا تعرف ذراها ولا مداخلها ولا مخارجها، ولا شمائل أهلها. ولا عوارف فضلهم وشيمهم، وما جُبلوا عليه وما فُطروا عليه. وما ألِفوه وما يعافوه.
أتيتَ تحمل في أعماقك فكرة مغصوبة (أن هؤلاء القوم ينظرون إليكم كحشرات).
هكذا قلت لي، عندما أمرتني بأن أنزل من السيارة. كان قلبك يرتدي درع قنفذ عنيد. يتدرّع بالشوك عازماً ألا ينفتح على أي قلب آخر، حتى لا يزول أثر الغِل الذي يعتمل فيه.
أذكر عينيك وهما ترتفعان للسماء بين فينة وأخرى.. مخافة أن تنقض عليك طائرة من جوف السماء. لبسك الحربي المموه، الشال الذي يطوق رأسك. سلاحك المزدوج حالوا دون أن تُصغي لقلبك، أو أن تفتحه ليناجي قلباً آخر يرى فيك إبناً، أو طالباً، أو شخصاً عاثر الحظ جاء ضمن فوج مقاتلين يحلمون “بـالغنائم”، لا بـوطن تستريح إليه الأرواح، تبنيه رؤى لا تخترقها قعقعة السلاح.
ولطالما تساءلت: هل تعرف حقاً ما هي تلك “الغنائم”؟ لقد صدف أن قابلتُ ذات يوم شاباً كان في مثل عمرك، عاد من حرب الجنوب برجِل واحدةٍ. وذاكرة مشبعة بأشباح تتراءى له وحده دون أن يكون لها وجود. ماتت أمه قبل أن تلقاه. تلك هي الغنائم التي لا يتحدث عنها من أعطاك البندقية. ثم هل تدرك أن الغائم التي تحلم بها، إنما هي حصاد سنين لأناس فضلاء كابدوا الحياة. عركتهم وعركوها حتى صار لهم من عرضها منزلاً يؤون إليه. وسيارة تقلهم لأماكن عملهم. ووسلية إنتاج صارت جزءا من هويتهم يأكلون منها بالحلال وبما يرضي الله.
يا بُني،
لو أن الحياة جمعتنا على ناصية مقهى هادئ، نحتسي القهوة أو الشاي في ظرف آخر، لكنتُ قد قلتُ لك:
“إن مهنتي كأستاذ ومربي تحُضني أن أستنكر أن يصوّب إنسان بندقية تجاه إنسان آخر، لا يعلم آماله، ولا أحلامه، ولا أمنيات أمه أو زوجته التي تنتظر عودته في بيتها بلهفة ولوعة.”
ولكنتَ قلتَ لي أنتَ: “يا عمي، إني أحتاج أن أقتلك لأعيش، لأني تعلمتُ أن من يحمل البندقية لا بد أن يُظهر بها قوته وجسارته وفروسيته، ويستأصل بها مكامن الشرّ الذي تمثلوه أنت وصفوتك من سدنة دولة 56!”
وقبل أن أجيبك، أريد أن أعترف لك بشيء: إن شجاعتك في حمل البندقية لا تُنكر، لكن تُستنكر.. فالشجاعة الأعظم هي أن تسأل: لمن هذه الشجاعة؟ ومن يربح عندما أكون أنا أو غيري من المدنيين العزل مَن يدفع الثمن دماً وروحاً؟
ولكنتُ أجبتُك وأنا أنظر إلى عينيك الواعدتين المتوجستين، وليس إلى البندقية: “يا بُني، البندقية ليست من مكملات الفتوة والرجولة. النبل واللطف هما ما يستخلصان من الإنسان عصارة ما به من قدسية.. وأنهما يسمانه بيميسم كونه مخلوق من رَوَح الله. لا مجرد كومة صلصال صُبت في قالب جسم ضال.
وقد أعلم أنهم وعدوك بمكانة وكرامة، ولكن اسمعها مني: الكرامة الحقيقية لا تُؤخذ بسلاح، بل بيدٍ تبني وقلبٍ يعرف الرحمة. أتعرف ما هو البناء الأبقى؟ أن تترك أثرا يُذكر في حياة إنسان، لا جرحاً غائراً في جسده أو روحه.
غير أني وبعد مرور كل هذه الأيام الطوال الحالكات، لا أدري إن كنتَ اليوم حياً أم قد توخاك حِمام الموت صيداً في ميدان المعركة. لا تبكي عليك أمك الثكلى، ولا يعود قبرك والدك المكلوم. ولا يرتجي أوبتك أخوتك الصغار. ولا يفتر ثغر أختك بزغرودة عند عودتك مظفراً،…. وبسبب هذا الاحتمال الموجع، أكتب إليك هذه الرسالة.
إنني أعتذر عن جبني وفراري يومها، فقد نزلتم بالمدينة العتيقة كأنكم جِمالةٌ صُفر تقذفون أهلها بشرر كالقصر… فما كان لهم إلا أن يفروا منها كحُمر مستنفرة. لكني لا أعذر نفسي إن لم أكتب لك هذه الكلمات، لعلها تُتلى على قبرك. أو على ذكرى اطلالتك العجلى على هذه الحياة. إني آسف أنني لم أدركك بشمول ما لديّ من معارف.
ولكي أكون صريحاً معك: لا أطلب منك أن ترمي سلاحك الآن، فهذا قد يكلفك حياتك. ولكن أطلب منك شيئا أقوى: أن تحمي إنسانيتك في داخلك. أن ترفض في سريرتك أن تكون أداةً للقتل. لأن يوماً ما، إذا حدث ذلك، فأعلم أن جزءاً من روحك سيهلك مع من قتلت، ولن تعود أبداً ذلك الشاب الذي ودعته أمك.
أعترف لك يا بُني بهزيمتي الكبرى: لقد خطفك مني من أعطاك البندقية وأقنعك أنها الطريق الأقرب للهدف. لكن رسالتي هذه هي التكفير الأخير، لعلها تبلغ مَنْ هو مثلك، فيعود يفكر ألف ألف مرة قبل أن يمتشق البندقية، مُدركاً أن هنالك طُرقات أخرى لتحقيق الأهداف غير طريق سفك الدماء. تلك هي طرق الحُجة والقلم.
يا بُني، صدقني إن البندقية التي تحملها ليست هويتك. إنها آلة ستُستلم منك يوماً كما سُلّمت إليك. أما القلم، ففوق أنه هوية، فإن له هدفاً يُصوَّب في الأول نحو الدواخل، يقتل جرثومة الفناء ويقدح الروح بإشراقات البقاء.
إن الذين يحملون القلم ينتهون بعد مشوار طويل من المعرفة إلى حقيقة قد تبدو بسيطة حد الإحراج، لكنها خلاصة الحكمة:
كل ما يمكننا فعله هو أن نكون أناس أكثر لطفاً مع بعضنا البعض.
هناك، في لحظة إدراك هذه الحقيقة الصوفية، تسقط دعاوى البندقية، وتعلو قيمة الإنسانية.
آهٍ يا بُني…
لقد أخطأت الحرب في تحديد مكانك، فميدان المعركة الحقيقي ليس تخوم المدينة التي لم تعرفها، بل هو تخوم روحك أنت. لا تدعهم يستعمرون باطنك. اخلع عن قلبك شوك القنفذ لعله يسطع مع شمس الحقيقة المشرقة أن القوي ليس بالصرعة وإنما من يمتشق القلم.
فإحفظ قلبك قبل أن تحفظ بندقيتك.
اليك مع حسرات عليك بلا نهاية.
مربيٍ عرفَ قسوة الأيام… لكنه أصرّ أن يبقى إنساناً.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …