رشا عوض: في وجه الإقصاء وسلاح العنف اللفظي للإسلام السياسي

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

في زمن اختلطت فيه الحقيقة بالزيف، يصبح العنف اللفظي أكثر فتكًا من الرصاص.
هكذا مارست الجبهة الإسلامية سلطتها عبر الإعلام الموجّه، الذي لم يكن منبرًا بريئًا أو مجرد صوت سياسي، وإنما أداة لإقصاء المختلف وقتل شخصيته، تشويهًا وتشهيرًا، حتى صار الخطاب الصحفي امتدادًا للسلاح.

وكما قال فرانز فانون: “الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى أيضًا إلى تدمير صورة الذات في وعيها.”
وهذا بالضبط ما فعلته آلة إعلامهم حين حوّلت الكلمة إلى سيف مسلّط على كل ما هو مختلف، وكل من يرفض الانصياع للهيمنة.

في هذا المشهد الموبوء، برزت الإعلامية الأستاذة رشا عوض كاستثناء.
لم تساوم على قلمها، ولم ترضَ أن يكون في خدمة العنف بل في خدمة الحقيقة.
منذ ما قبل حراك ديسمبر الثوري، كتبت عن دولة المواطنة المتساوية، عن السلام كشرط للكرامة الإنسانية، وعن العلمانية كضمان للحريات.

وبعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، سمّت ما جرى انقلابًا ورفضت كل التبريرات.
وحين استعرّت الحرب، بقيت على موقفها: “لا للحرب”، “لا لعسكرة السياسة”، “لا لتسليع دماء السودانيين.”
لم تكتب من برج عاجي، بل من قلب المعركة، وبصوت يعبّر عن الضمير الجمعي للشعب.

وعلى الضفة الأخرى، ظهر “صحفيو الغفلة”؛ الذين هرعوا إلى تبرير انقلاب الجيش بتسميته “إجراءات تصحيحية.”
وحين خرجت الجماهير تهتف “مدنية”، صوّروها كفوضى مدفوعة.
وعندما أُحرقت القرى في دارفور، اختزلوها في “نزاعات قبلية.”

لم تكن هذه أخطاء عابرة، بل جبنًا معرفيًا وعجزًا عن مواجهة السلطة بالحقيقة.
فبدل أن يكونوا حراسًا للوعي، صاروا شهود زور يغلّفون القمع ببلاغة زائفة.

هؤلاء لم يروا في الصحافة إلا جسرًا إلى موائد السلطان.
تنقّلوا بين الخطابات كما تتنقّل الحرباء بين الألوان: يمدحون بالأمس من يهاجمونه اليوم، ويهاجمون اليوم من سيعودون لتملّقه غدًا.
كتبوا بمداد الانتهازية، ووظّفوا أعمدتهم لتلميع الطغاة وتبرير الدم.
تاريخهم متناقض، مقارباتهم رخيصة، ومصائرهم مرهونة بجيوب السلطة.

هؤلاء الانتهازيون يمكن أن نسمّيهم “الصحفيين المَكَرِين”؛ لا بمعنى المكر والخداع، بل بمعنى آخر راسخ في وجدان اللغة السودانية:
“المَكَرِي” هو الذي يؤجّر دابته أو عربته ليحمل أثقال الآخرين.

لكن هؤلاء لا يحملون بضائع ولا ينقلون مسافرين، إنما يؤجّرون أقلامهم لنقل أكاذيب السلطة وأحمال دعايتها.
إنهم مكَرِيّو الكلمة، يحوّلون الصحافة من رسالة إلى وسيلة نقل رخيصة، ومن صوت الضمير إلى عربة مأجورة في سوق السياسة.

والمفارقة الفادحة أنهم يدعون الناس إلى الموت في الخرطوم ونيالا والفاشر، بينما يحيَون هم في مدن بعيدة، محميّين بمن يشعلون الحرب نفسها:
بعضهم اتخذ من الدوحة ملاذًا،
آخرون استقروا في القاهرة،
ومنهم من اختار بورتسودان حيث وفّر لهم الجيش بيوتًا مؤجرة ووضع على أبوابها حراسة عسكرية لحمايتهم.

كلهم يستلمون ثمن تبعيتهم عبر “بنكك”، وبعضهم يفضّل الدولار نقدًا.

المَكَرِين لا يكتفون بالانبطاح للسلطة فحسب، بل يغالون في الخصومة مع غيرهم وحتى فيما بينهم.
ينهش بعضهم بعضًا حين يختلفون على الولاء أو على نصيب من الغنيمة.
وحين يتنافسون على فتات السلطة، تنفجر خصوماتهم وتطفو فضائحهم إلى السطح.

قبل فترة، اتهم أحدهم الآخر بأنه بلا شهادة، فردّ عليه بأنه عندما كان مراهقًا كان يعمل في “قهوة” بالحصاحيصا صاحبها “صقر.”
وانتهازي آخر منهم ذهب أبعد من ذلك بأن اشترى شهادة دكتوراه من “أكشاك السوق العربي” ليحصّن مكانته.

هذه ليست طرائف، بل علامات على سقوط القلم حين يفقد رسالته.
يتحول أصحابه إلى تجار يفضح بعضهم بعضًا عند أول خلاف.

ولأن القبح أوضح من أن يحتاج إلى أسماء، فإن القضية ليست في الأشخاص بل في المواقف: كيف تهاوى الصحفي إلى مجرد متعاقد على خطاب، وكيف باع الكلمة وهي آخر حصون الحقيقة.

إن المَكَرِين وجوه لجبنٍ بنيوي اختار الارتزاق على حساب دماء الشهداء.
وكما قالت روزا لوكسمبورغ: “من لا يجرؤ على مقاومة الظلم، يتواطأ معه بصمته.”

في مواجهة هذا الانحطاط، تبدو رشا عوض نقيضًا أخلاقيًا كاملًا.
لم تشتر شهادة دكتوراه، لم تطلب حماية، لم تؤجّر قلمها.
كتبت من قلب المعركة، بصوت الضمير الجمعي، وبموقف يدفع ثمنه تهديدًا وتشويهًا.

لم تدّع بطولة، لكنها جسّدت أن الصحافة شرف لا وظيفة.
ووجودها في المشهد ليس مجرد حضور عابر، بل فضيحة يومية للمَكَرِين: لأن ظهور صوت نزيه واحد يكفي ليذكّرهم بقبحهم، بوضاعتهم، وبأن تاريخهم ليس سوى مرآة صدئة لانتهازية لم تعد قادرة على التخفي.

أنا لست هنا في مقام الدفاع عن رشا عوض كشخص، فصوتها القوي يكفيها، وتجربتها تشهد لها.
ما أدافع عنه هو المعنى الذي تجسّده: أن تظل الصحافة فعل ضمير لا صفقة، وأن تبقى الكلمة حصنًا في وجه السيف لا تابعًا له.

في زمن يزداد فيه صوت المَكَرِين ضجيجًا، يصبح وجود صوت نزيه واحد علامة على أن الصدق لم يمت بعد.
وأن الفضيحة الكبرى ليست في شجاعتها، بل في وضاعة من يقابلها من باعة الأقلام.

لذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى الثناء على الأفراد، بل إلى بناء جبهة من الأصوات الحرة، قادرة على مجابهة آلة الدعاية المنظمة التي تحوّل الشتيمة إلى خطاب رسمي، وتصنع من الإقصاء عقيدة.

الإعلام المضاد الذي ندعو إليه ليس رفاهًا، بل شرط بقاء.
حتى تستعيد الكلمة وظيفتها الأولى: أن تكون مرآة للضمير الجمعي، لا مرآة لوجه المستبد.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …