باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل ود سهل
عادل ود سهل عرض كل المقالات

‏ستنتهي الحرب في السودان… قريباً جداً

اخر تحديث: 3 أغسطس, 2026 12:39 مساءً
شارك

عادل ود سهل يكتب ‏
لا أعرف متى سيحدث ذلك باليوم والساعة، ولا أملك جدولاً زمنياً مخفياً في درج أحد ‏المفاوضين، ولا أتحدث باسم غرفة عمليات عسكرية، ولا أنقل معلومة من أجهزة ‏استخبارات، ولا أروي رؤيا منام، ولا أقرأ فنجاناً، ولا أمارس التنجيم السياسي الذي ‏امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي‎.‎

‏ومع ذلك‎…‎‏‏

‏ولأول مرة منذ اندلاع هذه الحرب في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، ‏أكتب هذه الجملة بيقين كامل لا يتردد‎:‎‏‏

‏ستنتهي حرب السودان قريباً جداً‎.‎‏‏

سيبتسم بعضهم ساخراً، وسيقول آخرون: “كم مرة سمعنا مثل هذا الكلام؟”، ‏وسيطالبني آخرون بالدليل قبل أن يكملوا السطر الأول‎.

وهذا بالضبط ما أريده‎.‎
أريد للقارئ ألا يصدقني لمجرد أنني قلت ذلك، بل أن يرافقني حتى آخر المقال، ثم يسأل ‏نفسه‎: ‎هل كان الرجل يبالغ… أم أنه يقرأ التاريخ جيداً؟

أنا لا أطلب من أحد أن يصدقني‎.‎

أطلب فقط أن يمنح التاريخ فرصةً ليتحدث‎.‎

‏التاريخ… ذلك القاضي الذي لا يكذب:‏
منذ أن بدأ الإنسان أول معركة على وجه الأرض، وحتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذا ‏المقال، لم يعرف التاريخ حرباً واحدة استمرت إلى الأبد‎.‎
قد تطول الحرب‎…‎
وقد تزداد شراسة‎…

‏وقد تخلف وراءها مدناً من الرماد، ومقابر تمتد حتى الأفق، وأطفالاً لا يعرفون سوى ‏صوت المدافع‎…‎‏ لكنها، في النهاية، تنتهي‎.‎‏‏

هذه ليست أمنية شاعر، ولا دعاء أمٍ تنتظر ابنها على باب الدار، وإنما هي القانون الأكثر ‏ثباتاً في تاريخ البشرية‎.

فحرب داحس والغبراء التي استنزفت العرب أربعين عاماً… انتهت‎.‎
وحرب البسوس التي أحرقت القبائل عقوداً طويلة… انتهت‎.‎
الحروب الصليبية، بكل ما حملته من دماء وشعارات وعقائد… انتهت‎
وحرب الثلاثين عاماً التي مزقت أوروبا… انتهت‎.‎
والحرب الأهلية الأمريكية… انتهت‎.‎
والحربان العالميتان اللتان قتلتا عشرات الملايين… انتهتا‎.‎
وحرب فيتنام… انتهت‎.‎
وحرب البوسنة والهرسك… انتهت‎.‎
وحرب رواندا… انتهت‎.‎
وحرب لبنان الطويلة ‏‎(1990–1975)‎‏ … انتهت‎

‏ثم حرب السودان (2023 – 2026) … ستنتهي.‏

‏ولم يكن انتهاء تلك الحروب لأنها أصبحت فجأة عادلة، أو لأن أحد الأطراف اكتشف ‏فجأة فضيلة التسامح، وإنما لأنها وصلت إلى تلك اللحظة التي اكتشف فيها الجميع أن ‏استمرارها صار أكثر كلفة من إنهائها‎.‎‏‏

‏وهذا هو القانون الذي لم يخالفه التاريخ مرةً واحدة، النار لا تظل مشتعلة إلى ‏الأبد.‏

الحروب تشبه النار‎.‎
في بدايتها تكون شرسة، متوحشة، تلتهم كل ما تجده أمامها‎.‎
ثم تبدأ شيئاً فشيئاً في استهلاك الوقود الذي أشعلها‎.‎
تلتهم الرجال‎…‎
والمال‎…‎
والمدن‎…‎
والاقتصاد‎…‎
والثقة‎…‎
والأمل‎…‎
حتى تصل إلى لحظة يصبح فيها ما تبقى من الوطن أغلى من أن يُحرق، وما تبقى من ‏الناس أثمن من أن يُدفع إلى محرقة جديدة‎.‎

عندها فقط تبدأ الحروب في الشيخوخة‎.‎

وللحروب أعمار، كما للبشر أعمار‎.‎
تولد‎…‎
ثم تكبر‎…‎
ثم تتوحش‎…‎
ثم تتعب‎…‎
ثم تموت‎.‎
أما الأوطان، فإنها — إذا أحسن أهلها إليها — تستطيع أن تولد من جديد‎.‎

‏لماذا يبدو هذا العنوان صادماً؟‏
لأننا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، اعتدنا الأخبار السيئة حتى أصبح التفاؤل ‏نفسه يبدو خبراً غريباً‎.‎
اعتدنا أن نستيقظ كل صباح على بيانات عسكرية، وعلى صور الدمار، وعلى قوائم ‏الشهداء، وعلى أخبار النزوح، حتى أصبح كثير من السودانيين يظنون — من فرط ما رأوه ‏‏— أن هذه الحرب خُلقت لتبقى‎.‎
لكن التاريخ يقول غير ذلك‎.‎
والسياسة تقول غير ذلك‎.‎
والاقتصاد يقول غير ذلك‎.‎
والمجتمع يقول غير ذلك‎.‎
بل حتى الحرب نفسها بدأت تقول غير ذلك‎.‎

فالذين كانوا قبل سنوات يتحدثون بثقة عن الحسم الكامل، أصبحوا اليوم يتحدثون عن ‏المخرج‎.‎
والذين كانوا يرفعون سقف التوقعات إلى أقصى مدى، باتوا يبحثون عن أقل الخسائر‎.‎

وهذا التحول ليس صدفة‎.‎
‏إنه أحد أهم العلامات التي تسبق نهاية كل حرب‎.‎‏‏

‏على ماذا بنيتُ هذا اليقين؟‏
سألني كثيرون خلال الأشهر الماضية‎:‎‏ هل تتوقع أن تنتهي الحرب قريباً؟
وكنت دائماً أتجنب الإجابة القاطعة‎
.‎
أما اليوم، فأقولها بثقة؛ لا لأنني أعلم الغيب، فالغيب لله وحده، وإنما لأنني أقرأ ما أمامي ‏بعين التاريخ، لا بعين الانفعال‎.‎

لقد علمتنا الحروب أن لها لحظةً خفية، لا تُعلن في مؤتمر صحفي، ولا تُبث في نشرة ‏أخبار‎.‎

لحظة يبدأ فيها الجميع، بصمت، بإعادة حساباتهم‎.‎
لحظة يدرك فيها المنتصر أنه دفع أكثر مما توقع‎.‎
ويدرك فيها الخاسر أن ما بقي لديه يستحق أن يُنقذ‎.‎
ويدرك فيها المدني البسيط أن أي سلام ناقص، يظل أرحم من حرب كاملة‎.‎
تلك اللحظة لا يلاحظها كثيرون وهي تولد‎.‎
لكن المؤرخين، بعد سنوات، يشيرون إليها ويقولون‎:‎‏ هنا… بدأت نهاية الحرب…‏

‏وأنا أعتقد – بكل تواضع – أن السودان يقف الآن قريباً من تلك اللحظة ‏التاريخية‎.‎‏‏

ليس لأن المعارك توقفت، فهي لم تتوقف‎.‎
وليس لأن الخلافات انتهت، فهي لم تنته‎.‎
بل لأن العوامل التي تُبقي الحروب مشتعلة بدأت تضعف، بينما العوامل التي تدفع ‏نحو نهايتها أصبحت أقوى من أي وقت مضى‎.‎

ولهذا، فإنني لا أبني هذا اليقين على أمنية، ولا على انحياز، ولا على عاطفة‎.‎

بل أبنيه على قراءة هادئة لمسار الحروب عبر التاريخ، وعلى ما أراه من مؤشرات ‏عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وإنسانية، وإقليمية، وشعبية، سأضعها أمام القارئ ‏واحدةً بعد الأخرى، ليحكم بنفسه في نهاية هذا المقال، لا في بدايته‎.‎

‏أولاً: المؤشر العسكري – حين تتعب البنادق قبل أن تتعب الأوطان:‏
في كل حربٍ يظن المتحاربون، في أيامها الأولى، أن النصر يقف خلف التلة التالية، وأن ‏معركةً أخرى، أو هجوماً آخرأو سلاحاً جديداً، كفيلٌ بأن يحسم كل شيء‎.‎

هكذا تبدأ الحروب دائماً‎…‎

كل طرفٍ يعتقد أن الزمن يقاتل معه، وأن الأيام المقبلة ستمنحه ما لم تمنحه الأيام ‏الماضية، وأن خصمه هو الذي سينهار أولاً‎.‎

لكن الزمن، ذلك القائد الذي لا ينتمي إلى أي جيش، يبدأ ببطء في إعادة ترتيب المشهد‎.‎
تمر الشهور‎…‎
ثم الأعوام‎…‎
فتكتشف البنادق أنها تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطناً‎.‎

ويكتشف القادة أن الخرائط العسكرية يمكن أن تتغير عشرات المرات، بينما يبقى النزيف ‏الإنساني في مكانه‎.‎

وتكتشف الشعوب أن الحروب لا تستهلك الذخيرة وحدها، وإنما تستهلك معها ‏الأعصاب، والاقتصاد، والثقة، والأمل، وحتى القدرة على الفرح‎.‎

لقد علمنا التاريخ أن أخطر مرحلة في أي حرب ليست بدايتها‎…‎

‏بل لحظة الإرهاق‎.‎

لأن الحرب في بدايتها تشبه العدّاء الذي ينطلق بكل قوته، أما في نهايتها فتشبه الرجل ‏الذي يحمل جبلاً على كتفيه، ويواصل السير فقط لأنه لا يعرف كيف يتوقف‎.‎

وحين تصل الحروب إلى هذه المرحلة، ينكشف ميزان القوة الحقيقي‎.‎

ليس ميزان الدبابات والطائرات‎…‎
بل ميزان القدرة على الاستمرار‎.‎
والاستمرار، في كل الحروب، هو السلاح الأغلى ثمناً‎.‎

إن الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تعد كما كانت في أيامها ‏الأولى‎.‎
لقد دفعت كل الأطراف أثماناً باهظة‎.‎
أثماناً في الرجال‎…‎
وفي الموارد‎…‎
وفي الزمن‎…‎
وفي المدن‎…‎
وفي الاقتصاد‎…‎
وفي صورة السودان أمام العالم‎.‎

وليس مهماً هنا أن يختلف الناس حول تقييم المكاسب والخسائر العسكرية لكل طرف؛ ‏فذلك شأن يكتبه المؤرخون لاحقاً‎.‎

أما الحقيقة التي يصعب إنكارها، فهي أن الحرب نفسها أصبحت أكثر كلفة من أي ‏مكسب يمكن أن تحققه‎.‎

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن ميادين القتال نفسها‎.‎

فالحروب الحديثة لا تعيش على ما يملكه المتحاربون وحدهم، بل كثيراً ما تعتمد، ‏بدرجات متفاوتة، على ما يصلها من خارج حدودها‎.‎

وقد تابع العالم كله كيف ارتبط استمرار الحرب السودانية، خلال سنواتها الماضية، ‏بأشكال مختلفة من الدعم الخارجي الذي تلقته أطراف الصراع‎.‎

غير أن التاريخ يعلمنا أيضاً أن هذا النوع من الدعم لا يكون أبدياً‎.‎

فالدول، مهما كانت دوافعها السياسية أو الاستراتيجية، تحكمها في نهاية المطاف ‏حسابات الكلفة والعائد‎.‎

ومع امتداد أمد الحروب، تبدأ الأسئلة الصعبة في الظهور داخل تلك الدول نفسها‎:‎

إلى متى يستمر هذا الدعم؟
وما الذي تحقق منه؟
وهل أصبحت كلفته أكبر من جدواه؟

وليس هناك دولة تستطيع أن تجعل من تمويل حرب خارج حدودها التزاماً مفتوحاً ‏إلى ما لا نهاية‎.‎
فالخزائن ليست بلا قاع‎…‎
والرأي العام لا يصبر إلى الأبد‎…‎
والأولويات تتغير‎…‎
والتحالفات يعاد ترتيبها‎.‎

وحين يبدأ هذا الوقود الخارجي في التراجع، ولو تدريجياً، تدخل الحرب مرحلة جديدة ‏يصبح فيها الاستمرار أصعب مما كان في سنواتها الأولى‎.‎

وهذه، في علم الحروب، ليست علامة ضعف لطرف بعينه‎…‎

بل علامة تعب للحرب نفسها‎.‎
وعندما تتعب الحروب‎…‎‏ تبدأ نهاياتها‎.‎

‏ثانياً: المؤشر السياسي – عندما يبدأ الجميع في البحث عن المخرج بدلاً من البحث عن ‏النصر:‏

هناك فرقٌ كبير بين الحرب والسياسة‎.‎
الحرب تسأل دائماً‎:‎‏ من انتصر؟
أما السياسة، ففي النهاية، تسأل‎:‎‏ كيف نخرج من هذا كله؟

ولهذا، فإن أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الحروب ليست تلك التي ترتفع فيها أصوات ‏المدافع، وإنما تلك التي يبدأ فيها السياسيون، بصوتٍ منخفض، في البحث عن أبواب ‏الخروج‎.‎

ففي بداية أي حرب، تكون اللغة مختلفة‎.‎
لغةٌ مليئة بالوعود‎.‎
وبالحسم‎.‎
وبالانتصار الكامل‎.‎
وبالخطوط الحمراء‎.‎
لكن كلما طال أمد الصراع، تغيّرت المفردات نفسها‎.‎
فتظهر كلمات مثل‎:‎
الحل‎…‎
التسوية‎…‎
المرحلة الانتقالية‎…‎
وقف إطلاق النار‎…‎
الضمانات‎…‎
إعادة الإعمار‎…‎
المصالحة‎.‎
وليس لأن أحداً أصبح أكثر رومانسية‎.‎
بل لأن الواقع فرض لغته الجديدة‎.‎
إن السياسة، في نهاية المطاف، أكثر براغماتيةً من الحرب‎.‎

فهي تعرف أن الأوطان لا تُدار بالبندقية وحدها، ولا يمكن أن تُبنى الدولة إلى الأبد ‏فوق أصوات المدافع‎.‎

ولذلك، كلما طال أمد الحرب، ازدادت قيمة السياسة، وتراجعت قدرة السلاح على ‏تقديم حلولٍ دائمة‎.‎

وهذه ليست خصوصية سودانية‎…‎

بل قانونٌ تكرر في كل الحروب التي عرفها العالم‎.‎

‏ثالثاً: المؤشر الاقتصادي – حين تصبح الحرب أفقر من أن تستمر:‏

قد تستطيع الدول أن تتحمل حرباً قصيرة‎.‎
وقد تتحمل حرباً متوسطة‎.‎

لكن لا توجد دولة، مهما بلغت ثروتها، تستطيع أن تجعل الحرب أسلوبَ حياةٍ دائماً‎.‎
لأن الاقتصاد، بخلاف الخطابات، لا يعرف العواطف‎.‎
إنه يعرف لغة الأرقام فقط‎.‎
وحين تبدأ الأرقام بالصراخ‎…‎
يعرف الجميع أن الوقت لم يعد يعمل لصالح الحرب‎.‎
في الحروب الطويلة لا ينهار الجنيه وحده‎…‎
ينهار الاستثمار‎.‎
وتهاجر العقول‎.‎
وتغلق المصانع‎.‎
ويتراجع الإنتاج‎.‎
وتضعف الزراعة‎.‎
وتتوقف الجامعات‎.‎
ويغادر الأطباء والمهندسون.‏
وتتسع دائرة الفقر عاماً بعد عام‎.‎
ثم يصل المجتمع كله إلى لحظة يكتشف فيها أن الحرب لم تعد تلتهم الجنود فقط‎…‎
بل تلتهم المستقبل أيضاً‎.‎

ولذلك فإن الاقتصاد، عبر التاريخ، كان من أكثر القوى التي أجبرت الحروب على ‏التوقف‎.‎
لأن الرصاصة تُصنع في المصنع‎.‎
والمصنع يحتاج إلى كهرباء‎.‎
والكهرباء تحتاج إلى مال‎.‎
والمال يحتاج إلى اقتصاد‎.‎
والاقتصاد لا يعيش طويلاً تحت القصف‎.‎
ولهذا، فإن الحروب قد تبدأ بالبندقية‎…‎
لكنها كثيراً ما تنتهي عند خزينة الدولة‎.‎

وليس السودان استثناءً من هذه القاعدة‎.‎

بل ربما ازدادت وطأة هذا المؤشر فيه، أن السودان لم يدخل هذه الحرب وهو يقف ‏على أرض اقتصادية صلبة‎.‎

فقد كان يعاني، قبل اندلاعها، أزمات مالية متراكمة، وديوناً خارجية ثقيلة، وضغوطاً ‏متزايدة على العملة الوطنية، وتراجعاً في الإنتاج والاستثمار‎.‎

ثم جاءت الحرب، لا لتبدأ الأزمة‎ وإنما لتضاعفها‎…‎

فأصبح الاقتصاد الذي كان يترنح قبل الحرب، يقاتل اليوم من أجل البقاء‎.‎
وأصبحت كلفة استمرار الصراع لا تُقاس بما يُنفق على ميادين القتال وحدها، بل بما ‏يخسره السودان، يوماً بعد يوم، من فرص التنمية، والاستثمار، وإعادة الإعمار، ‏واستعادة ثقة الداخل والخارج‎.‎

وكل يوم يطول فيه أمد الحرب‎…‎
يزداد الثمن الذي سيدفعه السودان عندما يحين وقت النهوض من جديد‎.‎
ولهذا، فإن الاقتصاد لا يرسل إنذاراً واحداً‎…‎
بل يرسل إنذاراً كل صباح‎.‎
وحين تتوالى هذه الإنذارات، وتصبح كلفة استمرار الحرب أكبر من قدرة الدولة والمجتمع ‏على احتمالها‎…‎

حينها يعرف الجميع أن ساعة البحث عن السلام أصبحت أقرب من أي وقت مضى‎.‎

‏رابعاً: المؤشر الإنساني – حين يصبح الألم هو الحزب الأكبر في السودان:‏
لعل أخطر ما فعلته هذه الحرب أنها لم تفرّق بين المنتصر والمنهزم في صناعة الألم‎.‎
فالدموع لا تسأل أصحابها عن مواقفهم السياسية‎.‎
والقذائف لا تفتش عن الانتماءات قبل أن تسقط‎.‎
والنزوح لا يختار ضحاياه على أساس الآراء‎.‎
لقد صنعت هذه الحرب شيئاً واحداً يتفق عليه الجميع‎…‎
وهو الوجع‎.‎
لم يعد السوداني اليوم يسأل‎ من ربح المعركة؟ :‎
بل يسأل‎ متى أعود إلى بيتي؟:‎
متى يذهب أطفالي إلى مدارسهم؟
متى أفتح متجري؟
متى أزور أهلي دون أن أخاف من الطريق؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي تصنع نهايات الحروب‎.‎
لأن الشعوب قد تصبر على الألم‎…‎
لكنها لا تستطيع أن تعيش فيه إلى الأبد‎.‎

ولهذا أقول، وأنا أقرأ وجوه السودانيين قبل أن أقرأ نشرات الأخبار‎:‎

إن الرغبة الشعبية في السلام أصبحت، في تقديري، أكبر من الرغبة في انتصار أي ‏طرف‎.‎

غير أن المأساة الإنسانية لم تعد تقف عند حدود السودان وحده‎.‎

فملايين السودانيين حملوا ما استطاعوا حمله من ذكرياتهم، وغادروا بيوتهم إلى مدن ‏أخرى داخل الوطن، أو إلى دول الجوار، أو إلى بلدان بعيدة، بحثاً عن مكان أكثر أمناً‎.‎

وقد فتحت تلك الدول أبوابها في بداية الأزمة، وتحملت أعباءً إنسانية كبيرة تستحق ‏التقدير‎.‎

لكن اللجوء، بطبيعته، ليس وضعاً يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية‎.‎

فكلما امتدت سنوات الحرب، ازدادت الضغوط على الدول المستضيفة، وعلى ‏مواردها، وخدماتها، وأسواق العمل فيها‎.‎

ومع مرور الوقت، بدأت ترتفع أصوات داخل كثير من تلك المجتمعات تنادي بأن الحل ‏الحقيقي لا يكمن في إدارة اللجوء إلى ما لا نهاية، وإنما في إنهاء الحرب نفسها، حتى يعود ‏الناس إلى وطنهم آمنين‎.‎

وهكذا لم تعد الحاجة إلى إنهاء الحرب مطلباً للسودانيين وحدهم‎…‎

بل أصبحت مصلحةً مشتركةً لكل من تحمل آثارها المباشرة أو غير المباشرة‎.‎

فعندما يصبح الجميع‎…‎
من بقي داخل الوطن‎…‎
ومن اضطر إلى مغادرته‎…‎
ومن استضافه خارج حدوده‎…‎
ينتظرون نهاية الحرب أكثر من انتظارهم نتائجها‎…‎
ويتطلعون إلى اليوم الذي يعود فيه الإنسان إلى بيته‎…‎

فإن التاريخ يكون قد بدأ بالفعل في إدارة صفحته التالية‎.‎
وهذه، في تقديري، واحدة من العلامات التي تسبق نهاية الحروب الطويلة‎.‎
وعندها يبدأ صوت السلام، رويداً رويداً، في أن يصبح أعلى من صوت البنادق‎.‎

‏خامساً: المؤشر الإقليمي والدولي – عندما يكتشف العالم أن استمرار الحرب لم يعد ‏خياراً:‏

في السنوات الأولى لأي حرب، ينشغل العالم غالباً بمتابعة تطوراتها، ومراقبة موازين ‏القوى، وانتظار ما ستؤول إليه المعارك‎.‎

لكن كلما طال أمد الصراع، يتغير السؤال‎.‎
فلا يعود النقاش يدور حول من يكسب جولة هنا أو يخسر معركةً هناك‎.‎

بل يصبح السؤال‎:‎‏ إلى متى يستطيع هذا البلد أن يتحمل؟

ذلك لأن الحروب الطويلة لا تبقى شأناً داخلياً‎.‎

فهي تفتح أبواب النزوح، وتربك الاقتصاد الإقليمي، وتهدد طرق التجارة، وتخلق ‏فراغات أمنية تتجاوز حدود الدولة نفسها‎.‎

ولهذا، فإن المجتمعين الإقليمي والدولي قد يختلفان في قراءة أسباب الحرب، وقد ‏يتباينان في مواقفهما من أطرافها، لكنهما يصلان في مرحلة معينة إلى نقطة مشتركة‎:‎

أن استمرار الحرب أصبح، في حد ذاته، خطراً أكبر من البحث عن تسوية لها‎.‎

وهذه ليست خصوصية سودانية‎.‎

بل هي إحدى القواعد التي كررها التاريخ مراراً‎.‎

ففي يوغوسلافيا السابقة لم تتوقف الحرب لأن أحد الأطراف استطاع أن يمحو الآخر ‏من الوجود، وإنما لأن سنوات الدم والاستنزاف دفعت الجميع، في الداخل والخارج، إلى ‏قناعة بأن استمرار الصراع سيقود إلى انهيار أوسع من حدود ميادين القتال، فبدأت ‏مرحلة الاتفاقات التي أنهت واحدة من أعقد الحروب الأوروبية في العصر الحديث‎.‎

وفي إيرلندا الشمالية لم يكن اتفاق الجمعة العظيمة ثمرة نصر عسكري حاسم، بل ‏نتيجة إدراك متبادل، بعد عقود من العنف، بأن السياسة تستطيع أن تحقق ما عجزت ‏عنه البنادق، وأن السلام، مهما كان ناقصاً، أقل كلفة من حرب بلا نهاية‎.‎

وفي كولومبيا، فقد عاشت لعقود واحدة من أطول الحروب الداخلية في العالم، حتى ‏اكتشفت الأطراف المتحاربة أن الزمن لم يعد يعمل لصالح أحد، وأن كل عام جديد ‏يضيف خسائر للوطن أكثر مما يضيف مكاسب لأي طرف، فكان طريق المفاوضات، ‏رغم تعقيداته، أقل مرارة من استمرار النزيف‎.‎

أما موزمبيق، لم يولد السلام لأن أحد المتحاربين اختفى، وإنما لأن الجميع أدرك أن ‏الدولة نفسها قد لا تبقى إذا بقيت الحرب‎.‎

هذه التجارب لا تعني أن السودان سيسير على خطاها حرفياً‎.‎

فلكل أمة تاريخها، ولكل حرب ظروفها، ولكل شعب طريقه الخاص‎.‎

لكنها تؤكد حقيقة يصعب تجاهلها‎:‎

أن الحروب الطويلة تخضع لقوانين متشابهة، مهما اختلفت خرائطها‎.‎

فعندما يصل الإرهاق إلى الميدان‎…‎
ويضغط الاقتصاد‎…‎
ويتعب المجتمع‎…‎
وتتحرك الدبلوماسية‎…‎
‏فإن التاريخ يبدأ في كتابة فصل جديد‎.‎‏‏

‏عندما يغيّر التاريخ اتجاهه… ولماذا قلت: قريباً جداً؟‏

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه كثيراً ما يعيد قوانينه‎.‎

وهذه واحدة من أكثر قوانينه ثباتاً‎
فالحروب الطويلة، مهما اختلفت شعاراتها، ومهما تنوعت أطرافها، لا تنتهي عادةً في ‏اللحظة التي ينتصر فيها طرف انتصاراً ساحقاً، بل تبدأ نهاياتها عندما يكتشف الجميع ‏أن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه منها‎.‎

عندها لا يتغير الميدان وحده‎…‎
بل تتغير السياسة‎.‎
ويتغير الاقتصاد‎.‎
وتتغير حسابات الدول‎.‎
ويتغير المزاج الشعبي‎.‎

ويبدأ التاريخ، بصمت، في تغيير اتجاهه‎.‎

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس‎:‎‏ من يتقدم اليوم؟

بل‎:‎‏ إلى أين تتجه الحرب نفسها؟

‏لماذا قلت‎” :‎قريباً جداً”؟‏

توقف كثيرون عند هذه العبارة‎.‎

وربما ظن بعضهم أنها مجرد أمنية كتبها رجل سئم الحرب، كما سئمها ملايين ‏السودانيين‎
.‎
وربما اعتبرها آخرون تفاؤلاً لا يستند إلى الواقع‎.‎

لكنني لم أكتبها باعتبارها أمنية‎.‎

ولو كانت أمنية، لقلت‎:‎‏ ‏‎”‎أتمنى أن تنتهي الحرب قريباً‎.”‎

لكنني كتبت‎:‎‏ ‏‎”‎ستنتهي الحرب قريباً جداً‎.”‎

لكني لم أحدد موعداً‎…‎

بل كنت أقرأ اتجاهاً‎.‎

فالسياسة لا تمنح تواريخ دقيقة‎.‎

والحروب لا تعلن مسبقاً يوم نهايتها‎.‎

لكنها، قبل أن تنتهي، تترك إشارات واضحة لمن يقرأ حركة التاريخ، لا ضجيج ‏اللحظة‎.

لقد حاولت، منذ بداية هذا المقال، أن أجمع هذه الإشارات أمام القارئ‎.‎

المؤشر العسكري يقول إن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف، حيث أصبحت القدرة ‏على الاستمرار أكثر أهمية من القدرة على التقدم‎.‎

والمؤشر السياسي يقول إن لغة الحسم المطلق لم تعد وحدها تسيطر على المشهد، ‏وأن مساحة البحث عن المخارج تتسع، ولو ببطء‎.‎

والمؤشر الاقتصادي يقول إن فاتورة الحرب أصبحت أثقل من أن يحملها وطن أنهكته ‏ثلاثة أعوام من الدمار‎.‎

والمؤشر الإنساني يقول إن السودانيين، على اختلاف مواقعهم، بدأوا يبحثون عن ‏الحياة أكثر مما يبحثون عن الانتصار‎.‎

أما المؤشر الإقليمي والدولي، فيقول إن استمرار الحرب لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة ‏سودانية فحسب، بل باعتباره ملفاً يمس استقرار منطقة كاملة‎.‎

قد لا يكون أي واحد من هذه المؤشرات كافياً وحده‎.‎

لكن التاريخ لا يصنع تحولاته بمؤشر واحد‎.‎

إنه ينتظر دائماً اللحظة التي تلتقي فيها المؤشرات كلها في اتجاه واحد‎.‎

وأحسب أن السودان يقترب جداً من هذه اللحظة‎.‎

ولهذا قلت‎:‎‏ قريباً جداً‎.‎

ليس لأن الطريق أصبح قصيراً‎.‎

ولا لأن العقبات اختفت‎.‎

ولا لأن السلام سيولد غداً‎.‎

بل لأن اتجاه البوصلة بدأ يتغير‎.‎

ومن يقرأ التاريخ جيداً، يعرف أن تغيير الاتجاه هو أصعب خطوة في رحلة الأوطان‎.‎

فإذا تغيّر الاتجاه‎…‎

أصبحت بقية المسافة، مهما طالت، مسافة وقت، لا مسافة استحالة‎.‎

ولذلك، فإن عبارة ‏‎”‎قريباً جداً‎” ‎ليست وعداً أقدمه للقارئ‎.‎

وليست نبوءة أدعي امتلاكها‎.

بل هي خلاصة قراءة لمجموعة من المؤشرات التي، إذا استمرت في التلاقي بالاتجاه ‏نفسه، فإن السودان سيكون أقرب إلى بداية نهاية هذه الحرب، لا إلى بدايتها من ‏جديد‎.‎

ولعل أجمل ما في التاريخ أنه لا يكافئ الأقوى دائماً‎…‎

‏بل يكافئ، في النهاية، من يعرف متى يطوي صفحة الحرب، قبل أن تطوي الحرب ‏صفحة الوطن‎.‎‏‏

‏لا تخسر أهلك، اصدقائك وزملائك من أجل الحرب:‏
هناك خسائر تستطيع الأوطان أن تعوضها‎.‎
فالمدن، مهما تهدمت، يمكن أن تُبنى من جديد‎.‎
والجسور يمكن أن تعود أقوى مما كانت‎.‎
والمدارس يمكن أن تستقبل تلاميذها من جديد‎.‎
والأسواق، مهما أُغلقت، لا بد أن يأتي عليها صباح تُرفع فيه الأبواب، ويعود إليها الباعة، ‏وتمتلئ بأصوات الناس‎.‎

لكن هناك خسائر لا يعرف التاريخ كيف يعوضها‎.‎

حين ينكسر قلب أم‎.‎
وحين يكبر طفل وهو لا يعرف معنى الأمان‎.‎
وحين يتحول الجار إلى غريب، والقريب إلى خصم، والصديق إلى ذكرى‎.‎

هذه هي الخسائر التي لا تُرمَّم بالإسمنت، ولا تُقاس بالأرقام، ولا تعيدها مؤتمرات ‏السلام وحدها‎.‎

‏قد تنتهي الحرب يوماً:‏
بل حتماً إنها ستنتهي‎.
.‎
فهذه سنة الحياة، ولم يكتب الله الخلود لحرب‎.‎

لكن السؤال الذي سيقف أمامنا جميعاً، يوم تصمت البنادق، لن يكون‎:‎‏ من الذي ‏انتصر؟

بل سيكون‎:‎‏ أيُّ سودانٍ بقي لنا؟

هل بقي السودان الذي كنا نعرفه؟

السودان الذي كانت فيه رائحة القهوة، مع أول خيط للفجر، تعلن أن البيت عامر ‏بأهله.

والذي كانت فيه صينية الشاي، عند العصر، تجمع الجيران قبل أن تجمعهم ‏المناسبات.‎

والذي كانت فيه ظلال شجرة النيم مجلساً سودانياً مفتوحاً؛ يختلف الناس تحتها في ‏السياسة، ثم ينهضون منها متصافحين، لأن الخلاف كان يخرج من المجلس، ولا ‏يدخل إلى القلوب‎.‎

هل بقي السودان الذي كان الأطفال فيه يركضون حفاة في الحلة، يطاردون كرة الشُرّاب، ‏ثم يعودون عند أذان المغرب على صوت أمهاتهم،

دون أن تعرف الأمهات معنى كلمة ‏‏”نزوح”؟‏

هل بقي السودان الذي كانت فيه النسوة يتبادلن أطباق الكسرة والعصيدة والملاح، ‏دون أن يسأل أحد: من أي قبيلة أنت؟ ومن أي جهة جئت؟

هل بقي السودان الذي كان المسافر إذا مر بقرية لا يعرف فيها أحداً، وجد من يدعوه ‏إلى الطعام قبل أن يسأله عن اسمه؟

ذلك هو السودان الحقيقي، الذي كنا نعرفه منذ ان خلق الله الأرض …‏

هو الذي أخاف عليه أكثر مما أخاف على الحجر‎.‎

‏أيها السوداني‎…‎‏‏

قبل أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك‎…‎

تذكر أنك ابن هذا التراب‎.‎

ابن النيل الذي لا يفرّق بين من يشرب من ضفته اليمنى أو اليسرى
‎.‎
وابن المطر الذي إذا هطل على كردفان، سعدت به دارفور، وابتهجت له الجزيرة، ‏وانتظرته القضارف، واستبشر به الشمال وابتسم له الشرق وفرحت به الخرطوم‎.‎

وقبل أن تنتمي إلى حزب، أو جيش، أو حركة، أو فكرة‎…‎

أنت تنتمي إلى أم تنتظر صوتك كل مساء‎.‎

وإلى أب يحلم أن يجمع أبناءه حول مائدة واحدة‎.‎

وإلى إخوة لا يريدون أن يزوروا قبرك‎…‎

بل يريدون أن يفتحوا لك الباب وأنت عائد إلى البيت‎.‎

لقد سرقت الحرب منا أشياء كثيرة‎.‎
سرقت البيوت‎…‎
وسرقت المدارس‎…‎
وسرقت أعواماً من أعمار الشباب‎.‎

لكن أخطر ما سرقته منا، أنها حاولت أن تسرق ثقتنا ببعضنا‎.‎

أن تجعل السوداني يخاف من السوداني.‎

وأن تجعل الكلمة أشد وقعاً من الرصاصة‎.‎

فالطلقة قد تقتل إنساناً واحداً‎
…‎
أما الكراهية، فقد تقتل جيلاً كاملاً‎.‎

كم من أخوين افترقا بسبب موقف سياسي‎.‎

وكم من صديقين انقطعت بينهما سنوات من المودة لأن الحرب مرّت بينهما‎.‎

وكم من أسرة صار أفرادها يجلسون في بيت واحد، لكن كل واحد يحمل في داخله وطناً ‏مختلفاً‎.‎

وليس هذا هو السودان الذي ورثناه‎.‎

لقد عرف السودانيون الاختلاف منذ زمن بعيد‎.‎
اختلفوا في السياسة‎.‎
واختلفوا في الأحزاب‎.‎
واختلفوا في الحكومات‎.‎

لكنهم كانوا يلتقون في الأفراح والأتراح، ويقفون صفاً واحداً إذا نزلت مصيبة بأحدهم‎.‎

لم يكن السؤال‎:‎‏ ‏‎”‎مع من أنت؟‎”‎
بل كان السؤال‎:‎‏ ‏‎”‎كيف حالك؟‎”‎

تخيلوا معي أن الحرب انتهت غداً‎.

ما هو أول مشهد تتمنون رؤيته؟

ألا تتمنون ان تروا دبابة تغادر المدينة؟

وتروا طفلاً يحمل حقيبته المدرسية لأول مرة منذ سنوات؟

وتروا فرحة أم عاد ابنها، بعد أن كانت تخشى أن تسمع اسمه في قوائم القتلى؟

ألا تتمنوا أن تشتموا رائحة الأرض بعد أول مطر، وأن تروا المزارعين يعودون إلى ‏حقولهم، والرعاة إلى مراعيهم، والطلاب إلى جامعاتهم، والتجار إلى أسواقهم، ‏والمسافرين إلى محطاتهم، والناس إلى بيوتهم؟

تلك هي صورة هي الوطن… صورة السودان الحقيقي الذي عرفناه.‏

وتلك هي الصورة التي تستحق أن نحيا من أجلها.‏

في هذه اللحظة وبعد هذه الرحلة الطويلة عبر هذا المقال، وأنا أكتب هذه الكلمات:‏

لا يخطر ببالي قائد‎.‎
ولا حزب‎.‎
ولا جيش‎.‎
ولا حركة‎.‎
ولا سلطة‎.‎

إنما يخطر ببالي صوت المؤذن وهو يرتفع من مسجد صغير في قرية بعيدة، بينما يرد ‏عليه جرس مدرسة عادت تفتح أبوابها‎.‎

ويخطر ببالي أطفال يختلفون في لعبة كرة القدم، ثم يتصالحون قبل أن تغيب ‏الشمس‎.‎

ويخطر ببالي ديوان في إحدى القرى، يجلس فيه شيوخ وشباب، يتجادلون في ‏السياسة، ثم يتقاسمون إبريق الشاي، ويضحكون على نكتة سودانية قديمة، كأن ‏الوطن لم يعرف يوماً هذا القدر من الألم‎.‎

هذا هو السودان، الذي أتمنى أراه أن يعود‎.‎

‏أيها السودانيون‎…‎‏‏

قد يختلف المؤرخون غداً في كتابة هذه الحرب‎.‎
وقد يختلف السياسيون في توزيع المسؤوليات‎.‎
وقد يختلف العسكريون في قراءة المعارك‎.‎

لكن أطفال السودان، بعد عشرين عاماً، لن يسألوا: من كسب هذه المدينة؟ … ومن ‏خسر تلك المعركة؟

سيطرحون سؤالاً واحداً‎:‎‏ لماذا تركتم الحرب تطول إلى هذا الحد؟

وسيكون مؤلماً إن لم نجد جواباً يوازي دمعة أم، أو خوف طفل، أو غياب أب‎.‎

إذا كان لا بد أن تتمسك بموقفك‎…‎‏ فتمسك به بشرف‎.‎

وإذا كان لا بد أن تختلف‎…‎‏ فاختلف باحترام‎.‎

وإذا كان لا بد أن تدافع عن قناعتك‎…‎‏ فدافع عنها دون أن تنزع إنسانية من يخالفك‎.‎ فالأوطان لا تموت حين تختلف الآراء‎.‎

إنها تموت حين يصبح الاختلاف سبباً لقطع الرحم، وهدم الجيرة، وإطفاء المحبة‎.‎

‏ولهذا‎…‎‏‏
فإن رسالتي، في هذا المقال، ليست إلى قادة الحرب وحدهم‎.‎

ولا إلى الساسة وحدهم‎.‎
ولا إلى الوسطاء وحدهم‎.‎
إنما هي إلى كل سوداني‎…‎
إلى الأم التي تدعو في جوف الليل أن يعود ابنها‎.‎
إلى الأب الذي ينتظر أن يسمع ضحكة أطفاله بدلاً من أصوات المدافع‎.‎
إلى الشاب الذي تأجل حلمه‎.‎
إلى الطالبة التي انقطع تعليمها‎.‎
الي العريس الذي انطفأ في نفسه حلم العرس. ‏
إلى المزارع الذي ينظر إلى أرضه من بعيد‎.‎
إلى الراعي الذي فرّقته الحرب عن مراعيه‎.‎
إلى التاجر الذي أغلق متجره‎.‎
إلى الطبيب الذي حمل حقيبته وغادر وهو يلتفت إلى وطنه بحسرة‎.‎

أقول لهم جميعاً‎:‎‏ لا تخسروا بعضكم من أجل الحرب‎.‎

فالحرب، مهما طالت، سترحل‎.‎

أما السودان‎…‎‏ فسيبقى‎.‎

وسيحتاج، حين يعود السلام، إلى كل يد تبنيه، وكل قلب يسامح، وكل بيت يفتح بابه، ‏وكل إنسان يؤمن أن ما يجمع السودانيين، أكبر بكثير مما فرقتهم به الحرب، فانت ‏محتاج لأهلك، لأصدقائك وزملائك، لذا قلنا: لا تخسرهم من أجل الحرب‎…‎

لأن الوطن، في النهاية، ليس خريطة نعلقها على الجدار‎.‎

الوطن هو رائحة القهوة عند الفجر‎…‎
وصينية الشاي في المساء‎…‎
وظل النيمة في الظهيرة‎…‎
وصوت الأذان يمتزج بضحكات الأطفال‎…‎
وبيت يظل مفتوحاً لكل عابر سبيل‎.‎

إذا ضاعت هذه الأشياء‎…‎‏ فلن يعوضها أي انتصار‎.‎

‏السودان… ليس نهاية الحكاية:‏

كنت قد كتبت قبل أسبوع، مقال تفطر له قلبي بمناسبة مرور ألف ومائتي يوم من ‏الحرب‎*…‎

واليوم تسابقني دموعي على وطني بعد أكثر من مرور ألف ومائتي يوم من الحرب‎…‎
وبعد آلاف الأرواح التي ارتقت إلى بارئها‎…‎

وملايين النازحين الذين حملوا أوطانهم في حقائب صغيرة‎…‎
ومدنٍ أنهكها الدخان‎…‎
وقرى أرهقها الصمت‎…‎
قد يبدو الحديث عن الأمل نوعاً من الترف في الأمنيات‎.‎

لكن التاريخ، في جوهره، لم يكن يوماً قصةً عن الحروب‎.‎

كان دائماً قصةً عن الشعوب التي نجت منها‎.‎

لم يخلّد التاريخ المدافع‎…‎

بل خلّد الذين أعادوا بناء البيوت بعد أن سكتت المدافع‎.‎

ولم يكتب أسماء الذين أتقنوا القتال فقط
‎…‎
بل كتب أسماء الذين امتلكوا شجاعة السلام عندما أصبحت الحرب عاجزة عن ‏تقديم شيء جديد‎.‎

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين اليوم لم يعد‎:‎‏ من يحكم ‏السودان؟

بل أصبح‎:‎‏ كيف نعيد بناء السودان؟

لأن الوطن الذي يخرج من حرب طويلة لا يحتاج إلى حكومة جديدة فقط‎.‎
*ولا إلى اتفاق سياسي فقط‎.‎

ولا إلى وقف إطلاق نار فقط‎.‎

بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى مشروع وطني جديد، يعيد تعريف معنى الدولة، ومعنى ‏المواطنة، ومعنى العدالة، ومعنى الشراكة، حتى لا تورث هذه الحرب أبناءنا حرباً أخرى
‎.‎
إن السلام الحقيقي لا يبدأ يوم توقَّع الاتفاقات‎.‎

السلام يبدأ يوم يقرر السوداني أن ينظر إلى السوداني الآخر باعتباره شريكاً في ‏المستقبل، لا خصماً من الماضي‎.‎

لقد علمتنا هذه الحرب دروساً قاسية‎.

علمتنا أن الكراهية، مهما ارتفعت أصواتها، لا تستطيع أن تبني مدرسة‎.‎
ولا أن تزرع حقلاً‎.‎
ولا أن تعالج مريضاً‎.‎
ولا أن تفتح جامعة‎.‎
ولا أن تعيد طفلاً إلى حضن أمه‎.‎
وعلمتنا أيضاً أن الوطن ليس مجرد سلطة‎
.‎
الوطن هو الإنسان‎.‎

فإذا خسرنا الإنسان‎…‎‏ فلن يبقى ما يستحق الانتصار عليه أو من أجله‎.

‏قد نختلف، بعد انتهاء هذه الحرب، في تقييم سنواتها‎.‎
وسيكتب كل طرف روايته‎.‎
وسيقدم كل قائد تفسيره‎.‎
وسيصدر المؤرخون أحكامهم‎.‎
لكنني على يقين من شيء واحد‎.‎

أن الطفل الذي سيولد بعد انتهاء هذه الحرب، لن يهمه كثيراً من ربح آخر معركة‎.‎
سيهمه أن يجد مدرسة‎.‎
وسيهمه أن يجد مستشفى‎.‎
وسيهمه أن يلعب في شارع آمن‎.‎
وسيهمه أن يسمع من والده حكايات عن وطن عرف الألم، ثم اختار الحياة‎
.‎
وهذا هو الانتصار الذي يستحق أن نختلف من أجله‎…‎

ثم نتفق عليه جميعاً‎.‎

‏ولذلك‎…‎‏‏

إذا كان لهذا المقال أن يترك رسالة واحدة، فهي هذه‎:‎

‏(لا تجعلوا الحرب تعلّم أبناءكم أن السوداني عدو السوداني)‏‎.‎

علموهم أن هذه الأرض، منذ آلاف السنين، كانت تتسع لاختلاف القبائل، وتنوع ‏الثقافات، وتعدد اللهجات، وأن قوتها لم تكن في تشابه أهلها، بل في قدرتهم على العيش ‏معاً‎.‎

علموهم أن النيل لا يسأل من يشرب منه عن قبيلته‎.‎
وأن المطر لا يختار أين يهطل على أساس المواقف السياسية‎.‎
وأن شجرة الهجليج، كما شجرة النيم، تمنح ظلها لكل من جلس تحتها‎.

وأن الوطن، إذا ضاق بأبنائه، فلن يتسع لأحد‎.‎

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث بعد هذه الحرب، ألا يكون مجرد إعادة إعمار المدن‎.‎

بل إعادة إعمار النفوس‎.‎
أن يعود السوداني إلى الثقة في السوداني‎.‎
وأن يعود السلام إلى البيوت قبل أن يعود إلى البيانات‎.‎
وأن تعود الابتسامة إلى وجوه الأطفال قبل أن تعود إلى صور المسؤولين‎.‎

فالأوطان لا تُقاس بعدد الأبراج التي تبنيها‎.‎‏.. بل بعدد القلوب التي تطمئن فيها‎.‎

‏أيها السودانيون‎…‎‏‏

لقد حمل هذا الوطن على كتفيه حضاراتٍ قامت قبل أن تعرف أمم كثيرة معنى ‏الدولة‎*.‎

وعبر على أرضه تجار، وعلماء، ورحالة، ومزارعون، ورعاة، وشعراء، وأولياء صالحون، ‏وترك كل جيل بصمته في هذا التراب‎.‎

ولذلك فإن السودان أكبر من هذه الحرب‎.‎
وأقدم من هذا الخلاف‎.‎
وأوسع من هذا الانقسام‎.‎

وأغنى من أن تختصره بندقية‎.‎

‏وأنا أختم هذا المقال‎…‎‏‏

لا أدّعي أنني أملك الحقيقة‎.‎

ولا أزعم أن المستقبل سيأتي كما أتصوره‎.‎

لكنني أؤمن أن قراءة التاريخ، والإصغاء إلى حركة الشعوب، يمنحان الإنسان حق التفاؤل ‏المسؤول‎.‎

ولهذا كتبت منذ البداية‎:‎‏ ستنتهي الحرب في السودان… قريباً جداً‎.
.‎
ولم أقلها لأنني أملك موعداً‎.‎

بل لأنني رأيت، وسط هذا الليل الطويل، خيوط الفجر الأولى‎
.‎*
والفجر، كما تعلمنا الحياة، لا يأتي دفعة واحدة‎.‎

إنه يبدأ بخيطٍ رفيع من الضوء‎…‎

ثم لا يلبث أن يملأ السماء كلها‎.‎

وقد يختلف بعض القراء مع ما كتبت‎.‎‏ وهذا حقهم‎.‎

وقد يراني آخرون متفائلاً أكثر مما ينبغي‎.‎‏ وهذا حقهم.‏

لكن ما لا أرجو أن نختلف عليه، هو أن السودان يستحق فرصة جديدة‎.‎

وأن أبناءه يستحقون أن يورثوا أبناءهم وطناً، لا حرباً‎.‎

وأن دموع الأمهات، في كل بقعة من هذا البلد، أغلى من أي مكسب سياسي، وأبقى ‏من أي انتصار عسكري‎.‎

‏ويبقى أملي‎…‎‏‏

أن يأتي يوم، ليس ببعيد، يعود فيه السوداني إلى بيته، لا يحمل بطاقة نزوح، ولا ينتظر ‏تصريح عبور، ولا يخاف من الطريق‎.‎

يوم تعود فيه المدارس إلى أصوات التلاميذ، لا إلى صمت الفصول‎.‎

وتعود الأسواق إلى ضجيج الباعة، لا إلى أزيز الرصاص‎.‎

ويعود المزارع إلى أرضه، والطبيب إلى مستشفاه، والمعلم إلى سبورته، والطالب إلى ‏مقعده، والراعي إلى مراعيه، والتاجر إلى متجره، والمغترب إلى وطنه، لا زائراً… بل ‏مستقراً‎.‎

ويومها‎…‎

لن يسأل الناس‎:‎‏ من انتصر؟

بل سيقولون، وهم ينظرون إلى علم السودان يرفرف فوق وطن تعافى من جراحه‎:‎
لقد انتصر السودان.‎

‏✍️ عادل ود سهل‏
‏الدوحة – الإثنين 3 أغسطس 2026‏

Author
عادل ود سهل

عادل ود سهل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
إنكار السنة ودعاوى التجديد .. بقلم: حسن عبد الحميد
منبر الرأي
الدبة ام دابة الارض؟
الأخبار
الإفراج عن قيادي بالوطني متهم في محاولة اغتيال حمدوك
منبر الرأي
في العلاقة مع مصر لا تنشغلو بهذه الرويبضة وأمثالها
منبر الرأي
التركية في السودان: ألبانيُّ، وسلطان ليس خليفة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أولويات وأسبقيات الحكومة الانتقالية .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق

طارق الجزولي
منبر الرأي

رسالة الي حزب المؤتمر السوداني .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق

طارق الجزولي
منبر الرأي

كيف تُعيد الكراهية تشكيل صورة الآخر.

محمد عبدالرحيم أبوه
منبر الرأي

شيوخُ الجسَّد: في الهوس بختان المرأة وغطاء شعرها .. بقلم: بابكر فيصل بابكر

بابكر فيصل بابكر
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss