سد النهضة: حين يُحتجز النهر وتُعاد صياغة السلطة

بقلم: إدوارد كورنيليو

الضفة الأولى: الماء لا يُصفق

في قلب الهضبة الإثيوبية، حين تتشابك الصخور بالغيم، وُلد مشروعٌ قيل إنه إنجازٌ وطني، علامة على النهوض، واحتفال بالسيادة. سد النهضة، ذلك الجدار الهائل الذي يعترض مجرى النيل الأزرق، لا يُمكن أن يُقرأ فقط كمنجز هندسي أو انتصار تنموي. إنه نصٌ سياسي، بنية رمزية، وإعادة تشكيل للسلطة في حوض النيل.

لكن الماء لا يُصفق. الماء يتذكر، يتسرب، ويقاوم الاحتجاز. وبينما تُرفع الشعارات، وتُضاء الشاشات، يبقى السؤال معلقاً في الهواء: من يحتفل؟ ومن يُقصى؟ ومن يُخضع؟

هذا المقال لا يسعى إلى تفنيد المشروع تقنياً، بل إلى تأمله كحدثٍ يعيد ترتيب العلاقات بين الشعوب، الطبقات، والموارد. إنه محاولة لفهم ما إذا كان الإنجاز يُقاس بالحجم، أم بالعدالة.

(1)
الإنجاز كخطاب لا كواقع:

في الخطاب الرسمي، يُقدَّم سد النهضة بوصفه “أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في إفريقيا”، و”رمزاً للنهضة الإثيوبية”. تُستخدم لغة الانتصار، وتُستدعى مفردات السيادة، وكأن السد ليس مجرد بنية مائية، بل إعلان ولادة جديدة.

لكن الإنجاز، حين يُفكك، لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُحدثه في الواقع. هل تحسنت حياة الفلاحين؟ هل وصلت الكهرباء إلى القرى المعزولة؟ هل أُعيد توزيع الموارد؟ أم أن المشروع عزز مركزية الدولة، وعمّق الفجوة بين النخب الحضرية والطبقات الريفية؟

الاحتفال بالإنجاز، حين يُحتكر من قبل السلطة، يتحول إلى عرضٍ مسرحي، لا إلى تحولٍ اجتماعي. يُرفع الستار، تُصفق الجماهير، لكن خلف الكواليس، يبقى الماء محتجزاً، والعدالة مؤجلة.

(2)
السلطة المائية وإعادة تشكيل الإقليم:

سد النهضة لا يُغير فقط منسوب المياه، بل يُعيد تشكيل ميزان القوى في حوض النيل. إنه إعلانٌ ضمني بأن من يتحكم بالمصدر، يتحكم بالمصير. وبين إثيوبيا، السودان، ومصر، يتحول النهر إلى ساحة صراع، لا إلى جسر تواصل.

في هذا السياق، لا تُطرح الأسئلة عن الشعوب، بل عن الدول. لا يُناقش أثر السد على المجتمعات الزراعية، بل على السياسات الخارجية. يُختزل النهر في أرقام، ويُنسى أنه كائنٌ حي، يسقي الأرض، ويُغذي الذاكرة.

السلطة المائية، حين تُمارس من الأعلى، تُقصي من هم في الأسفل. تُصبح المياه أداة للهيمنة، لا للعدالة. ويُعاد رسم الخرائط، لا وفقاً لحاجات الناس، بل وفقاً لمصالح الدول.

(3)
المال الذي لا يُقرض، يُستخرج من العرق:

حين رفضت المؤسسات المالية الدولية تمويل سد النهضة، لم يكن ذلك مجرد قرار تقني، بل إعلانٌ ضمني بأن المشروع لا يحظى بالشرعية الكاملة في أعين من يملكون أدوات التمويل العالمي. لم يكن الرفض صريحاً، لكنه كان كافياً ليُفهم أن النهر، حين يُحتجز دون توافق، لا يُبارك من فوق.

لكن الدولة الإثيوبية، في لحظة تحدٍّ، قررت أن تبني السد بتمويل ذاتي. أن تُحوّل المشروع من ملفٍ دولي إلى قضية داخلية، تُجمع لها الأموال من المواطنين، وتُفرض لها الضرائب، وتُستخرج لها الموارد من جسد الاقتصاد المحلي. وهكذا، لم يُقرض المال، بل استُخرج من العرق، ومن الصبر، ومن الحلم.

التمويل الذاتي، في هذا السياق، لم يكن فقط حلاً مالياً، بل كان فعلًا رمزيًا. إعلانًا بأن الإرادة لا تحتاج إذنًا، وأن السيادة تُمارس حتى حين تُرفض. لكنه أيضاً حمّل المشروع أعباءً داخلية، جعلت من الإنجاز عبئًا على الفقراء، لا فقط مجدًا للنخبة.

في غياب التمويل الدولي، تحوّل السد إلى مرآةٍ مزدوجة: من جهة، يُعبر عن استقلال القرار؛ ومن جهة أخرى، يُظهر هشاشة البنية الاقتصادية التي تُضطر إلى استخراج الموارد من الداخل، حتى لو كان الثمن هو تقليص الإنفاق العام، أو فرض مساهمات شعبية قسرية.

وهكذا، يصبح السد ليس فقط جدارًا مائيًا، بل جدارًا رمزيًا يُفصل بين من يُقرر، ومن يُدفع، ومن يُنتظر منه أن يُصفق.

(4)
العمل والاغتراب خلف الجدار:

في صمتٍ لا يُسمع، بُني السد. آلاف الأيدي حفرت، رفعت، صبّت الخرسانة، دون أن تُذكر أسماؤهم في نشرة الأخبار. العمل، في هذا السياق، لم يكن احتفالاً جماعياً، بل اغتراباً مضاعفاً. يُنتج العامل قيمة، لكنه لا يملكها. يُشارك في بناء “النهضة”، لكنه يُقصى من ثمارها.

العمال، في مشاريع كهذه، لا يُنظر إليهم كفاعلين، بل كأدوات. يُستدعون حين يُطلب الجهد، ويُنسون حين يُوزع المجد. وبينما تُضاء المدن، تبقى القرى التي خرجوا منها مظلمة، تنتظر وعداً لا يأتي.

الاغتراب هنا ليس فقط عن العمل، بل عن المعنى. حين يتحول الجهد إلى رقم، والعرق إلى بند في الميزانية، يُفقد الإنسان صلته بما يصنع. ويُصبح السد جداراً لا يفصل الماء فقط، بل يفصل الإنسان عن ذاته.

(5]
الطبيعة كسلعة والماء كملكية:

في لحظةٍ ما، قررت الدولة أن تُعيد تشكيل النهر. أن تُخزّن مياهه، تُنظم تدفقه، وتُعيد تعريفه. لم يعد النيل الأزرق مجرىً عشوائياً، بل مشروعاً هندسياً، يُقاس بالحجم، ويُدار كأصلٍ اقتصادي.

لكن الماء، في جوهره، لا يُملك. إنه ليس سلعة، بل علاقة. حين يُحتجز، يُفقد توازنه. وحين يُدار بمنطق الربح، يُقصى منطق الحياة.

البيئة، في هذا السياق، تُعامل كخلفية، لا كفاعل. تُقطع الأشجار، تُغمر الأراضي، تُهجّر الكائنات، وكل ذلك باسم “التنمية”. لكن أي تنمية تُبنى على تدمير التوازن، تُعيد إنتاج الأزمة، لا حلّها.

الطبيعة، حين تُسلّع، تُفقد قدسيتها. ويُصبح النهر رقماً في تقرير، لا كائناً يُغني الأرض، ويُغني الذاكرة.

(6)
الشعوب التي لا تُستشار:

في كل مفاوضات السد، يُذكر اسم الدول، لا اسم الشعوب. تُناقش السيادة، لا الحاجة. تُطرح المصالح، لا الأصوات. وكأن النهر لا يمرّ عبر قرى، ولا يسقي حقولاً، ولا يُغني أغاني الصيادين.

الشعوب، في هذا السياق، تُقصى من القرار، وتُستدعى فقط حين يُطلب منها الصبر. يُقال لها إن المشروع “وطني”، وإن الاعتراض “خيانة”. لكن الوطنية، حين تُفرض من الأعلى، تُصبح قيداً، لا انتماءً.

العدالة المائية، لا تُبنى على الاتفاقات فقط، بل على الاستماع. على إشراك من يعيشون على ضفاف النهر، لا من يراقبونه من مكاتب مرتفعة. وحين يُقصى الصوت الشعبي، يُفقد المشروع روحه، ويُصبح جسداً بلا نبض.

(7)
النهر ككائن يُحتجز:

لكن سد النهضة، في بنيته، لا يُطلق النهر، بل يُعيد تعريفه. يُحوّله من كائنٍ حي إلى موردٍ مُدار، من علاقة إلى أصلٍ اقتصادي، من تدفقٍ حرّ إلى جدولٍ زمني. وهكذا، لا يُحتجز الماء فقط، بل يُحتجز الزمن، ويُعاد تشكيله وفقًا لإرادة السلطة.

في هذا الاحتجاز، لا يُكتم صوت النهر وحده، بل يُكتم صوت من يعيشون على ضفافه. يتحول النهر إلى مرآة للسلطة، لا مرآة للناس. وتغدو المياه، التي كانت تُغني الأرض، أداة لإعادة رسم الخرائط، لا لإحياء الحقول.

لكن النهر، حتى في احتجازه، لا ينسى. يظل يتسرب، يظل يُغذّي جذورًا لا تُرى، يظل يُذكّر بأن الطبيعة لا تُخضع بالكامل، وأن الماء، في جوهره، لا يُطيع إلا التوازن.

وهكذا، يصبح سد النهضة ليس مشروعًا هندسيًا فحسب، بل لحظة رمزية يُعاد فيها احتجاز المعنى، لا الماء وحده. ويغدو النهر، في صمته، أكثر بلاغة من كل الخطابات.

الضفةالأخيرة: حين يُعاد تعريف الإنجاز

الإنجاز، في جوهره، لا يُقاس بالحجم، بل بالأثر. لا يُحتفل به في المؤتمرات فقط، بل في الحقول، والقرى، والقلوب. وسد النهضة، رغم ضخامته، يبقى سؤالاً مفتوحاً: هل هو إنجازٌ للجميع؟ أم إنجازٌ يُحتكر؟

في هذا المقال، لم نُجب، بل تأملنا. لأن النهر لا يُحكم عليه، بل يُصغى إليه. وحين نُصغي، نكتشف أن الماء لا يُصفق، لكنه يتذكر.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

“الحزن النبيل لا يرحل: مصطفى سيد أحمد بعد ثلاثين عامًا”

بقلم: إدوارد كورنيليو في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على …