سوسيولوجيا الفتوى .. والعنف الإفريقي .. بقلم: حلمي شعراوي
4 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
53 زيارة
لا أعرف لماذا يندهش كثير من المسلمين الآن ، من “فتاوى التكفير ” التى أسس عليها بعض أبناء نيجيريا-مثلا- تحريمهم للعلم الغربى” وجهاد هم للخارجين” على صحيح الإسلام ، بإقامة تنظيم “بوكو حرام” ، والسعى به ” للجهاد ” والمقاتلة وليس “الإصلاح ” فى أنحاء نيجيريا وبلاد غرب أفريقيا ؟.
لقد قفزت الأفكار التكفيرية من زاوية تعبدية فى “كانو” ؛ مدينة التحديث بشمال نيجيريا فى الثمانينات إلى حركة جهادية زاحفة من منطقة التسامح السابق فى “مايدوغرى” شمال شرقى البلاد ، منطقة “الشيخ الكانمى” ، و” المايات” السايفيين , ورثة سيف بن ذى يزن !
كان لا بد من الانتقال بمعارفى من عالم التفسير السياسى ، وحتى الاجتماع السياسى ، إلى عالم الأنثروبولوجيا ، وسوسيولوجيا السلطة الاجتماعية فى بلادنا ، لنتعرف على طبيعة رأس المال الفكرى ، فى هذه الأمم ، وماذا جرى له !
وقد قرانا من قبل تراث دان فوديو وبلايدن حول اسس استقرار الاسلام في المنطقة وقدرته الكامنة علي المحافظة والتوحيد… وقد اتيح لي مؤخرا قراءة جديدة لكتاب وثائقىي آخر صادر بالجزائر أوائل السبعينيات من القرن الماضى باسم ” أسئلة الاسقيا وأجوبة المغيلى ” ( عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع )، متضمنا” المسائل السبع ” من حوار سلطان الصنغاى المغوار محمد الأول الشهير ” بأسقيا ” ( القرن الخامس عشر) مع الإمام الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلى ، المغاربى ” التلمسانى ” ، وإذ بهذه المسائل من أخص قضايا إحدى ممالك غرب أفريقيا الممتدة من “جاو” و”تمبوكتو” إلى حدود “كانم- بورنو” نفسها فى الشمال النيجيرى , وكانت تتكيف فيها الفتوي بين التكفير والتسامح مع تطور المجتمع في الصحراء الكبري …
لم يخرجنى من جو الدهشة أو التساؤل هذا ، إلا الكتاب الجاد الذى أصدره الدكتور “حيدر ابراهيم على ” باسم “سوسيولوجيا الفتوى- المرأة والفنون نموذجا” ( مركز الدراسات السودانية 2010) . فالكتاب رحلة فى عالم السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا ، وما بين علم الاجتماع الدينى ، والاقتراب الدقيق من قضايا الفقه والشريعة,بما نعرفه عن” حيدر ابراهيم” واصداراته السابقة حول لاهوت التحرير , والحركات الاسلامية والمشروع الاسلامي في السودان …الخ
ولن أقلل هنا – إلا لاختصار المقال – من أهمية القسم الثانى من الكتاب عن سوسيولوجيا المرأة فى الاسلام ، والمعالجات الجريئة بتحليل ما يجرى فى مجتمع الحداثة عن المرأة والحياة ، وحتي حكم المرأة فى قيادة السيارات !. بل وان القارئ قد يذهب مع ” حيدر” إلى كتابه الآخر عن احكام الحجاب وحساسية غطاء “شعر المرأة” ، ، بما يدخل فى عمق الانثروبولوجيا العربية والإسلامية و أصول وضع “التابو” فى المجتمع العربى . ولا أظننى – وقد تجاوزت الحديث عن موقف فتاوى الفنون- ببعيد طول الوقت عن بحث مصادر العنف والارهاب بعملية التجهيل فى مجتمعنا ، إزاء ما يكتشفه قارئ مثل هذا الكتاب من تلاعب طول الوقت بالمسائل الدينية فى تاريخ العالم الاسلامى ، وإن كان المخلص منا سوف يكتشف في سسيولوجيا هذا التراث كيف جاء مسالما تارة ، وتارة مثيرا أو داعما لكل هذا العنف اعتمادا علي” الفتوى الدينية “
. يكشف “حيدر ابراهيم” عن مصادر الاشكالية فى الفتوى ، بين كونها – فى تقديرى – دعما لحالة الفردية والتشوه الاجتماعى ا في ظل انماط الاستبداد السائد – وبين جاذبيتها لتيسير “الدور الاجتماعى ” الجديد “للعلماء ” والمتعالمين كآباء روحيين لأفراد معزولة بعد سقوط “الدور المجتمعى” الذى خدمت فيه الفتاوي حكم السلاطين لعامة الناس لقرون خلت ، وفى كل الحالات يرى “حيدر على ” أن هذه الحالة هي مجرد استدعاء الماضى – كتراث- وكأنه حقيقة آنية ، دون ان يتطلب الأمر استدعاء المنطقى فى الدين الصحيح , وانما استدعاء اللاعقلا نى والفردى …وهنا يتجسد استبداد المفتى بين الجماعات الجديدة بديلا لقبول استبداد الحاكم ” او القيم الاجتماعية السائدة …
ويكشف “حيدر ” خطورة الفتوى فى مواقف ، تتعلق أحيانا بمصائر الأمم ، مثل الفتاوى الخاصة ” بالغزو الخارجى ” ( ما دار حول العراق) ، أو ما يدور عن الغزو الأجنبى ووجوده فى أراضى الغير….
والكتاب غنى بالتعريف بمؤسسات الفتوى بعد مركزية التعاليم “القرشية ” والحاجة ” للضبط الاجتماعى” مع تعدد المجتمعات الاسلامية . وينقله ذلك لمسألة هامة حول ظروف ” التشدد” و”المرونة ” فى مجالات الفتوى وظروف هذه وتلك من الناحية الاجتماعية والشرعية . وهنا حديث ملئ بالطرافة وجدية التصنيف ، حول بساطة المذهب المالكى ( الذى تحدثنا فى مقال سابق عن شيوعه فى أفريقيا خاصة ) ، وعن براعة وعمق ” أبو حنيفة ” مع ” قدرته على التخلص من جمود النصوص إزاء تعقد الحياة الحضرية . وأظن أن الفصل الخاص ” بالحيل الشرعية ” وشعبوية الفتاوي فى كتاب “حيدر” ومساهمات مدرسة الكوفة ، مما لا يمكن العبور عليه دون توقف .
الملاحظات الهامة فى “كتاب سوسيولوجية الفتوى” تثير تأملا حديثا عن تراث راسخ فى الثبات يؤدى أحيانا إلى شيوع التطرف والعنف بمجرد الفتوى عن ” جاهلية المجتمع” أو تكفير مسلمين وأقليات …الخ ، كما يؤدى أحيانا أخرى إلى فتاوى علماء السلاطين التى لا تؤدى إلى أى تطور مجتمعى أو سياسى . بل إن الفتاوى التى يرصد ” حيدر” مخاطرها خاصة فيما يتعلق بمسائل علمية وطبية ، أو بشأن مشاركة المرأة فى شئون المجتمع ، أو دور الفن فى تطور المجتمعات تربويا ونفسيا …كل ذلك يذكرنا بتراث الفتوى فى أفريقيا ، وكيف استغلت فى تكفير القبائل لبعضها أو السماح بالاسترقاق واستمرار العبودية ، أو ا الانحياز لطرف دولى دون آخر فى ظروف الحرب ، مثل الوقوف بالفتوي مع الحلفاء ضد المحور فى الحربين ، وخاصة ما أثاره العثمانيون فى الحرب الأولى ضد فقهاء غرب أفريقيا بسبب فتاواهم مع الفرنسيين والانجليز …وقد امتد الأمر الآن إلى ما أورده “حيدر” عن “المفتى المعولم” ، اشارة إلى مستشار ثم مستشارة الرئيس الأمريكى للشئون الاسلامية منذ التسعينيات ، وحتى مساندة الموقف الأمريكى للاخوان المسلمين فى مصر ، وهم “مفتون” من خريجى مدارس الاستشراق الأمريكية مما يذكرنا بكتابات “ادوارد سعيد” عن أخصائيي الشرق الأوسط. ! وهى قدرة على الإفتاء لصالح اتجاهات اقصائية بأكثر مما تبدو أنها لصالح التكيف مع الواقع التراثى ، وإن قصدته لأغراض أخرى…وقد ثبت أنها تتجاوز ذلك فقط عندما يتعلق الأمر بالتكيف مع ثقافة الغرب السابق تكفيره بينما نظل نكفر الافارقة . ولعل مثل انشاء المجلس الاوربي للافتاء ( 1977) بمعرفة مجالسنا الاسلامية لتبرير الربا والقروض للمسلم الاوربي دون انشاء هيئات مماثلة علي المستوي الافريقي مثلا خاصة في مناطق الصراع المعروفة مما يعتبر نموذجا جديدا لسوسيولوجيا الفتوي كما يعرضها حيدر ابراهيم علي .
والحق أن سوسيولوجيا الفتوى سياسيا ستصل بنا إلى أنماطها الممتدة على هذا النحو من “المغيلى ” و”السيوطى ” و”القرضاوى” إلى مفتي الرئيس الأمريكى بالبيت الأبيض ! ، مما يحتاج لفرز ودراسة مدققة ، ومسئولية مجتمعية وفكرية قد تكون مساهمة ” حيدر ابراهيم على ” أحدها .
——————————-
hsharawy@aarcegypt.org
//////////